أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: وهم النهاية














المزيد.....

قصة قصيرة: وهم النهاية


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8748 - 2026 / 6 / 26 - 01:06
المحور: الادب والفن
    


وقف أمام الشمعة يراقب ارتجاف لهبها الصغير. كان الليل يزداد كثافة، والريح تضرب النوافذ كما لو أنها تريد اقتلاع البيت من جذوره. ومع كل صفعة من صفعات العاصفة، كانت عيناه تتجهان إلى النافذة المطلة على تلك الشجرة العتيقة التي استوطنت أرضه منذ زمن لا يتذكر بدايته.
لم تكن شجرةً فحسب، هكذا صار يراها في السنوات الأخيرة، كانت فكرةً ضخمة اتخذت هيئة شجرة .كلما تأمل جذعها الهائل وأغصانها الممتدة في الجهات الأربع، شعر بأنها لا تحتل جزءًا من الأرض فقط، بل تستولي على المعنى نفسه. حولها كانت الأشجار الصغيرة تعيش أنصاف حياة، والأعشاب تولد مهيأة للهزيمة، أما الظل الكثيف الذي تبسطه فوق المكان فكان أشبه بتاريخ طويل لا يسمح لما بعده أن يُرى.
تساءل في سره:
- هل القوة هي أن تنمو حتى لا يبقى لغيرك مكان؟ أم أن القوة الحقيقية تكمن في أن تترك للآخرين فرصة النمو؟
ولم يجد جوابًا.
كان الناس يرون فيها معلمًا من معالم المنطقة، بينما كان يراها سؤالًا معلقًا فوق أرضه. بعضهم استظل بها، وبعضهم نسج حولها الحكايات، حتى بدت وكأنها خرجت من حدود الطبيعة إلى حدود الأسطورة.
لكن الأساطير أيضًا تشيخ. ومنذ زمن، بدأ يراوده شعور غامض بأن بقاءها لم يعد ضرورة، بل صار عبئًا. ومع ذلك كان يتردد؛ فليس من السهل على الإنسان أن يميز بين ما هو عظيم حقًا وما هو مجرد اعتياد طويل. قال في نفسه:
- ربما لا نقدّس الأشياء لأنها خالدة، بل لأننا اعتدنا وجودها إلى الحد الذي نخشى فيه تخيل العالم من دونها.
وفي تلك الليلة حسم أمره، قرر أن تنتهي الحكاية. لكن المفارقة أن القرار لم يمنحه الطمأنينة، بل زاده قلقًا. فكلما تخيل سقوطها، أحس أنه لا يواجه شجرة، بل يواجه زمنًا كاملًا استقر في الذاكرة.
وفي الصباح، سبقته العاصفة إلى ما أراد، كانت الشجرة ممددة فوق الأرض، سقط الجذع العملاق، وتناثرت الأغصان، واجتمع الناس حول المشهد كما يجتمعون حول نهاية عصر قديم. قال بعضهم إن المرض كان ينخرها منذ زمن، وقال آخرون إن الريح كانت أقوى من أن تُقاوَم. أما هو فظل صامتًا، كان ينظر إلى الجذع الملقى على الأرض ويتساءل:
- هل سقطت حقًا؟
مرت الأيام، واختفى الضجيج، ونسيت القرية شيئًا فشيئًا شكل الشجرة وهي واقفة. غير أن الأرض لم تنسَ، ففي صباح هادئ، لمح براعم خضراء تشق التراب حول بقايا الساق. كانت صغيرة، لكنها تحمل يقينًا لا تملكه الأشجار الكبيرة.
انحنى يتأملها طويلًا، وعندها فقط أدرك ما غاب عنه؛ لم تكن الحياة تسكن الجذع الذي سقط، بل الجذور التي لم تكن تُرى. لذا ابتسم ابتسامة باهتة، ثم قال وكأنه يحدث نفسه:
- نحن نخطئ حين نظن أن النهايات تحدث فوق الأرض. ما يسقط أمام أعيننا ليس إلا الشكل. أما الحقيقة فتبقى مختبئة في الأعماق، حيث لا تصل الفؤوس ولا التصفيق.
رفع رأسه نحو السماء، كانت البراعم تواصل نموها بصمت. وحينها فهم أن بعض الأشياء لا تُهزم لأنها أقوى، بل لأنها تحيا في مكان أعمق من أن تطاله الهزائم.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: منابتُ أنثى
- قصة قصيرة: ما قبل السقوط الأخير
- قصة قصيرة: حِداد
- قصة قصيرة: في العمق قيودٌ خفية
- قصة قصيرة: لا زالت تنتظر
- بين شيخوخة الروح وولادة الرماد: تأملات في وهم الخلود الممتد، ...
- قصة قصيرة: الرحيل
- الصراع بين الوعي وثقافة الخوف: تأملات في رمزية تشكيل الهوية ...
- قصة قصيرة: فرخ الدجاجة
- قصة قصيرة: رحلة اللاعودة
- قصة قصيرة: التواكل
- قصة قصيرة: مرآة الضجيج
- قصة قصيرة: حارس الكوخ
- قصة قصيرة: أرملة العشقِ العذري (الجزء الأول)
- قصة قصيرة: أرملة العشق العذري (الجزء الثاني)
- قصة قصيرة: الحفنة الأولى
- قصة قصيرة: مذبحةُ الرعب
- قصة قصيرة: عروس الحجر
- قصة قصيرة: حدود الامتلاء
- قصة قصيرة: هزيمة لا جبهة فيها


المزيد.....




- أوبرا وطاقة.. غاريفولينا: الوقوف على مسارح روسيا هو السلوى ل ...
- الثقافة السورية تلغي حفل الفنان شادي جميل في دار الأوبرا بدم ...
- مايكل جاكسون.. كيف يتحول الفنان بعد رحيله إلى كيان استثماري؟ ...
- غاريفولينا تؤكد استحالة إقصاء الأوبرا الروسية من الساحة العا ...
- الأوسكار تدعو مئات الشخصيات للانضمام إليها.. هؤلاء أبرزهم
- كواليس لا تقل جمالا عن المشاهد نفسها.. غولدن لاين تستعيد ذكر ...
- السينما العربية تنافس على جوائز مهرجان -المرآة- الدولي في رو ...
- هل يسرق الذكاء الاصطناعي روح الموسيقى؟
- فنانة مصرية: محمد رمضان أحالني لسائقه.. والعوضي وعدني بالعمل ...
- مصر.. القضاء يصدر حكمه على الفنانة جيهان الشماشرجي


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: وهم النهاية