أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: حين سكنت الأشباح الماء














المزيد.....

قصة قصيرة: حين سكنت الأشباح الماء


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8749 - 2026 / 6 / 27 - 18:34
المحور: الادب والفن
    


مرت سنوات طويلة على ذلك اليوم، حتى كاد يظن أن الزمن قد طمس تفاصيله. غير أن بعض الذكريات لا تشيخ، بل تبقى مختبئة في زوايا الروح، تنتظر شرارة صغيرة لتنهض من جديد. وكم من حادثة بدت عابرة في حينها، ثم اكتشف الإنسان بعد أعوام أنها كانت ترسم في داخله ملامح خوفه الأول، أو تكشف له وجهاً من وجوه العالم لم يكن يعرفه.
كان ذلك الفتى في سنواته الأولى من الدراسة الابتدائية. صغيراً بما يكفي ليبحث عن الظل حين تشتد الشمس، وليتذمر من التعب إذا أثقل خطواته، لكنه كان، رغم صغر سنه، يعيش حياة لا تعرف الكثير من الترف. ففي الصباح يحمل حقيبته إلى المدرسة، وبعد الظهيرة يلتحق بالمرعى ليشارك الكبار في رعاية الأغنام.
كان الربيع يلفظ أنفاسه الأخيرة، بينما كانت ملامح الصيف تتشكل ببطء فوق السهول. فيضان نهر دجلة الذي غمر الأرض قبل أسابيع انسحب تاركاً وراءها طيناً جف وتشقق، فبدت الأرض كأنها ألواح قديمة نُقشت عليها خرائط مجهولة، أو كأن الزمن قد مرّ فوقها وترك توقيعه الصامت.
في ذلك العصر، اشتد به العطش، في البداية حاول أن يتجلد. كان يبتلع ريقه بين حين وآخر، ويقنع نفسه بأن الأمر لن يطول. لكن حرارة النهار وما تناوله من طعام عند الظهيرة أشعلت في حلقه يباساً مؤلماً.
رفع رأسه نحو عمه وطلب الماء، لم يرفض العم، لكنه لم يستجب أيضاً. لذا راح يحدثه عن أشياء بعيدة، وعن أماكن وأشخاص لا علاقة لهم بالعطش، وكأن الكلمات تستطيع أن تخدع حاجة الجسد. غير أن الفتى ظل يكرر طلبه بإلحاح، فالعطش لا يصغي للحكايات مهما كانت جميلة.
وبينما كانت الأغنام تنتشر في المراعي، وصلا إلى منخفض أرضي عميق احتفظ فيه بمياه الفيضان. لم تكن بركة صافية فحسب، بل ماءً راكداً أخذ ينحسر يوماً بعد آخر، تاركاً حوله أطواقاً من الطين الداكن.
توقف العم عند الحافة، وأطال النظر. أما الفتى فشعر بشيء غامض يتسلل إلى داخله، لم يفهم السبب، لكنه قرأ في تلك النظرات ما دفعه إلى التراجع خطوة إلى الوراء، ثم أخرى. كان الخوف، في بعض الأحيان، أسبق من الفهم.
اقترب العم منه بهدوء، ثم أمسكه فجأة. حاول الفتى أن يفلت من قبضته، لكن جسده الصغير لم يكن قادراً على مقاومة يدين اعتادتا مشقة العمل في الحقول والمراعي. وخلال لحظات وجد نفسه منبطحاً عند حافة الماء، وكانت ساقاه مرفوعتين إلى الخلف، بينما أخذ رأسه يقترب شيئاً فشيئاً من السطح الراكد.
هناك... حدث ما لم يفهمه آنذاك، فحين لامس وجهه الماء، لم يرَ انعكاس صورته كما هي، بل رآها تتشظى وتنقسم، فتتداخل مع ظلال غامضة تتحرك تحت السطح. كانت التموجات الصغيرة تحوّل ملامحه إلى وجوه كثيرة، وتحوّل الظلال إلى أشباح تتراقص في الأعماق. وكلما اقترب أكثر، خُيل إليه أن أيدياً خفية تمتد نحوه من عالم مجهول. دوّى صوت العم فوق رأسه:
ـ اشرب.
لكن الماء لم يعد ماءً، لقد تحول إلى نافذة مفتوحة على الخوف. حاول الفتى أن يحرك يديه ليخبره أنه ارتوى، أو أنه لا يستطيع، أو أنه خائف. لم يكن يعرف أي رسالة يريد إيصالها بالضبط. كل ما كان يعرفه أن الأشباح التي رآها في الماء كانت أكبر من عطشه، كان يحتاج إلى جرعة ماء.
لكن روحه كانت تبحث عن الأمان.
مرت الحادثة وانتهى النهار، وعادت الأغنام إلى حظائرها، ومضى الجميع إلى شؤونهم. أما ذلك الفتى، فلم يعد كما كان. حمل بين ضلوعه صورة لا تبرح المرآة التي ارتسمت فيها، صورة صارت كالوشم تحت الجلد: لا تُرى، لكنها توجع حين تُلمس. وحين كبر، لم يعد يتذكر تفاصيل الماء، لكنه يتذكر ذلك التشظي، ذلك الانقسام الغريب بين ما يراه وما يُرى فيه، كأنها رعشة أول ارتطام بحدود الذات، ليظهر ذلك السؤال الصامت الذي ظل يتردد: هل أنا من كان ينظر؟
ولعل الأشباح التي رآها يومذاك لم تكن تسكن الماء حقاً، فالماء كان بريئاً كعادته، يمنح الحياة لكل من يقترب منه. أما الأشباح، فكانت تسكن تلك المسافة الخفية بين الخوف والعجز؛ المسافة التي اكتشف فيها الطفل للمرة الأولى أن العالم لا يُرى دائماً بالعينين، وأن بعض الأشياء تولد في الداخل ثم تبقى هناك، حتى بعد أن جف الماء وغابت آثاره عن الأرض.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: قسوة التجاهل
- قصة قصيرة: وهم النهاية
- قصة قصيرة: منابتُ أنثى
- قصة قصيرة: ما قبل السقوط الأخير
- قصة قصيرة: حِداد
- قصة قصيرة: في العمق قيودٌ خفية
- قصة قصيرة: لا زالت تنتظر
- بين شيخوخة الروح وولادة الرماد: تأملات في وهم الخلود الممتد، ...
- قصة قصيرة: الرحيل
- الصراع بين الوعي وثقافة الخوف: تأملات في رمزية تشكيل الهوية ...
- قصة قصيرة: فرخ الدجاجة
- قصة قصيرة: رحلة اللاعودة
- قصة قصيرة: التواكل
- قصة قصيرة: مرآة الضجيج
- قصة قصيرة: حارس الكوخ
- قصة قصيرة: أرملة العشقِ العذري (الجزء الأول)
- قصة قصيرة: أرملة العشق العذري (الجزء الثاني)
- قصة قصيرة: الحفنة الأولى
- قصة قصيرة: مذبحةُ الرعب
- قصة قصيرة: عروس الحجر


المزيد.....




- دار أزياء تواصل ترجمة الهوية السعودية بلغة الموضة العالمية
- أمل لمرضى الشلل.. -ميتا- تعلن عن نظام ذكاء اصطناعي لترجمة ال ...
- من البلاط القيصري إلى -حرب النجوم-.. حقائق تروي قصة -الكوكوش ...
- مشروع روسي جديد لدعم السينما المحلية بتمويل من الأفلام الأجن ...
- نصير شمة: الموسيقى تسهم بخفض مستوى هرمون التوتر
- قطع مقابلة قاليباف يكشف صراع الرواية داخل النظام الإيراني
- -كنت أطمح أن أصبح مترجمة-.. رئيسة الوزراء الإيطالية تتحدث عن ...
- لجنة تشييع القائد الشهيد للأمة (رض): 14 ألف صحفي ومصور وإعلا ...
- العثور على جثة الممثل ألكسندر فيسوكوفسكي في نهر أوكا بمقاطعة ...
- ابنة حماة في مجلس الشعب.. من هي الفنانة روزينا لاذقاني التي ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: حين سكنت الأشباح الماء