أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: الملح الرمادي















المزيد.....

قصة قصيرة: الملح الرمادي


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8750 - 2026 / 6 / 28 - 02:54
المحور: الادب والفن
    


لم يكن يلتفت إلى ما يدور حوله من تفاصيل الحياة إلا بقدر ما تمس دراسته. فقد اعتاد منذ سنواته الأولى أن يجعل من الكتاب رفيقاً دائماً، ومن التحضير المبكر وسيلته الوحيدة لمواجهة الامتحانات. كان يؤمن أن النجاح لا يأتي مصادفة، بل يُبنى صفحة بعد أخرى، وساعة بعد أخرى، حتى إذا جاءت أيام الاختبارات لم يحتج إلا إلى مراجعة خفيفة تعيد ترتيب ما اختزنته ذاكرته.
أما الدروس التي لم يمنحها وقتها الكافي، فكانت تتحول إلى عبء ثقيل يرافقه أينما ذهب. ومهما حاول أن يقنع نفسه بأنه متمكن منها، كان يشعر بفراغ خفي في فهمها، وكأن عقله يدرك ما لا يريد الاعتراف به. لذلك لم يكن يفرط بالتحضير أبداً، خشية أن يقع أسير القلق أو رهين الدرجات الحرجة.
وحين حلّت الامتحانات النصفية في نهاية الشهر الأول من العام، كان البرد يلف الصباحات بعباءته الرمادية، غير أن الشمس كانت تظهر أحياناً فتمنح الأزقة دفئاً مؤقتاً، فيبدو العالم أكثر رحمة مما هو عليه.
اجتاز امتحاناته كلها، ولم يبقَ أمامه سوى امتحان الفيزياء، ذلك الدرس الذي وُضع في نهاية الجدول كأنه الحارس الأخير بينه وبين الراحة. ولم تكن صعوبة المادة وحدها ما يرهقه، بل الضجيج الذي يحيط به. فقد أنهى تلاميذ الابتدائية امتحاناتهم، وخرجوا إلى الشوارع يركضون خلف الكرات، أو يتسابقون بدراجاتهم الهوائية، فتتردد أصوات أجراسها المعدنية في القرية كدعوات متكررة للهرب من الكتب.
كان يحمل كتاب الفيزياء معه أينما ذهب في عصر ذلك اليوم. يفتحه حيناً ويغلقه حيناً آخر، ثم يلفه على هيئة أنبوب ورقي ويتأمل الأطفال وهم يلعبون. وكان يقول لنفسه كل مرة:
- سأعود بعد دقائق فقط.
لكن الدقائق كانت تتمدد كخيط لا نهاية له.
وفي ظهيرة أحد الأيام، نادته زوجة خاله:
- هيا، سنذهب لزيارة قبور الصالحين.
رفع رأسه مستغرباً وقال:
- لدي امتحان غداً، وهو آخر امتحان.
ابتسمت بثقة بدت له غريبة وقالت:
- خذ كتابك معك فقط، وسترى كيف تتيسر أمورك.
حاول الاعتذار، لكنها راحت تسرد حكايات عن أشخاص تبدلت أحوالهم بعد الزيارة، وعن أمنيات تحققت، ومشكلات انفرجت، ثم أضافت:
- ضع الكتاب فوق أحد القبور، وتناول قليلاً من الملح المبارك، وستنجح بإذن الله.
ظل صامتاً. كان في داخله صوتان يتنازعان. أحدهما يعرف أن النجاح ثمرة الدراسة وحدها، والآخر كان مرهقاً من الخوف حتى صار يبحث عن أي نافذة تطل على الطمأنينة. ففي لحظات القلق الكبرى، لا يسير الإنسان دائماً خلف ما يقتنع به، بل خلف ما يحتاج إليه. ولأن والده كان مسافراً، ولأن الخشية من الفيزياء كانت تكبر في داخله يوماً بعد آخر، وجد نفسه يصعد إلى السيارة معهم، دون أن يحسم صراعه الداخلي.
بعد رحلة ليست بالقصيرة في طرق ترابية متعرجة، وصلوا إلى مكان منعزل قرب نهر موسمي. كانت ضفته الصخرية الحادة ترتفع فوق مجرى الماء، وعلى ضفته الشرقية بقعة تنتشر فيها قبور قديمة نالت منها السنوات. رايات ممزقة تتراقص مع الريح، وأشرطة قماشية باهتة التصقت بالأرض، وشواهد حجرية أنهكتها الأمطار والشمس.
طوال الطريق كانت زوجة خاله تحدثه عن الكرامات والعجائب، وحين لاحظت التردد في عينيه أشارت إلى القبور قائلة:
- انظر إليها... كم شتاء مر عليها؟ وكم مرة ارتفع النهر حتى كاد يبتلعها؟ ومع ذلك ما زالت صامدة.
تأمل المشهد طويلاً. وفي تلك اللحظة بدأت الحاجة تقود روحه إلى حيث لا يقودها العقل، أخذ ينسج روابط غريبة بين الأشياء. فإذا كانت هذه القبور قد صمدت أمام النهر، فلماذا لا تستطيع أن تساعده في اجتياز امتحان الفيزياء؟ وإذا كانت الأرواح التي ترقد هنا قد تجاوزت حدود الحياة، فلماذا لا تكون قادرة على تجاوز حدود الممكن؟
شيئاً فشيئاً أخذت الأسئلة المنطقية تتراجع، بينما كانت الرغبة في الاطمئنان تتقدم. لذا أخذ يدور بين القبور متأملاً شواهدها الحجرية. وتخيل أن أصحابها يمتلكون القدرة على فك عقد الأيام، وإطلاق الأمنيات من أقفاصها، وانتشال الخائفين من ظلمات القلق. رأى الرايات الممزقة فظنها رسائل، ورأى العشب الذي نما فوق القبور فعدّه علامة حياة، ورأى قطع الخشب المتآكلة التي تحمل الرايات فتوهم أنها تحمل أسراراً لم يفصح عنها الزمن.
أما أواني الملح الرمادي الموضوعة قرب شواخص القبور، فقد شدت انتباهه أكثر من أي شيء آخر. تأملها طويلاً، كان لونها غريباً؛ لا هو بالأبيض الخالص ولا بالأسود الكامل. لون يقف في المنطقة الفاصلة بين اليقين والشك، بين الحقيقة والوهم، بين ما نعرفه وما نتمنى أن يكون صحيحاً.
وشعر فجأة بأن خوفه من الامتحان يتلاشى، لا لأنه أصبح أكثر استعداداً، بل لأنه وجد شيئاً آخر يحمل عنه عبء الخوف. عندها وضع كتاب الفيزياء فوق أحد القبور، وللحظة قصيرة أحس براحة عميقة، كأن صدره اتسع فجأة بعد ضيق طويل. وأخذ يتأمل المكان من حوله وهو يشعر بأنه أصبح أقرب إلى النجاح من أي وقت مضى. ولم ينتبه أن ما كان يغادره لم يكن الخوف وحده، بل جزء من يقظته أيضاً.
حين مالت الشمس نحو المغيب خلف التلال البعيدة، حان وقت العودة. صعد إلى السيارة وهو مفعم بسعادة غامضة. كان يشعر أنه اكتشف سراً خفياً لا يعرفه الآخرون، وأن رهبة الفيزياء قد تُركت هناك بين الشواهد الصامتة وأواني الملح الرمادي.
تحركت السيارة مبتعدة شيئاً فشيئاً، وكان يودع المكان بنظرات حائرة ممتزجة بالإعجاب. لكنه لم يتذكر كتاب الفيزياء، بقي الكتاب هناك فوق القبر، وحيداً تحت السماء المفتوحة.
وفي صباح الامتحان، وبينما كان يستعد للخروج من المنزل، بحث عن كتاب الفيزياء ليقلب صفحاته للمرة الأخيرة، فتش حقيبته، ثم غرفته الطينية، ثم قرب الوسادة المحشوة بالريش، ثم عاد يفتش من جديد.
وفجأة انطلقت في رأسه صورة القبر، والشاهد الحجري، وأواني الملح الرمادي. شحب وجهه.
لقد ترك الكتاب هناك، شعر وكأن الأرض انسحبت من تحت قدميه. لذا دخل قاعة الامتحان بما تبقى في ذاكرته من معلومات متناثرة، لكنه كان يدرك في أعماقه أن شيئاً جوهرياً قد ضاع منه قبل أن تبدأ الأسئلة.
وحين أعلنت النتائج بعد أيام، كان اسمه بين المكملين في مادة الفيزياء، قرأ النتيجة مرة، ثم ثانية، ثم ثالثة.
لم يشعر بالغضب من القبور، ولا من الملح الرمادي، ولا من زوجة خاله. بل شعر بشيء أشد مرارة، شعر بأنه خُدع حين سمح للخوف أن يقوده.
عاد المشهد كله إلى ذاكرته؛ الكتاب المسجّى فوق القبر، والريح تعبث بأوراقه، والملح الرمادي ساكن في مكانه لا يمنح نجاحاً ولا يمنع رسوباً. عندها أدرك حقيقة بسيطة تأخر كثيراً في فهمها:
أن الحاجة حين تشتد قد تدفع الروح إلى التشبث بأي أمل، حتى لو أغفل الإنسان نتائج أفعاله. وأن الوهم لا يملك قوة حقيقية، لكنه يستمد سلطته من الخوف الرغبة في تصديق ما يريحه. أما الملح الرمادي، فقد ظل هناك كما كان دائماً... لا يصنع المعجزات، ولا يغير المصائر، بل يقف شاهداً صامتاً على تلك المسافة الغامضة التي تفصل بين ما تمنى أن يكون سبباً للنجاة، وما يكون فعلاً سبباً لها.
ومنذ ذلك اليوم، كلما تذكر تلك الرحلة، أدرك أن الأمنيات قد تهدئ القلب لبعض الوقت، لكنها لا تعوض صفحة لم تُقرأ، ولا كتاباً تُرك فوق قبر، ولا امتحاناً انتظر الإجابة فلم يجد سوى الصمت.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: بين الحياةِ وظلّها
- قصة قصيرة: حين سكنت الأشباح الماء
- قصة قصيرة: قسوة التجاهل
- قصة قصيرة: وهم النهاية
- قصة قصيرة: منابتُ أنثى
- قصة قصيرة: ما قبل السقوط الأخير
- قصة قصيرة: حِداد
- قصة قصيرة: في العمق قيودٌ خفية
- قصة قصيرة: لا زالت تنتظر
- بين شيخوخة الروح وولادة الرماد: تأملات في وهم الخلود الممتد، ...
- قصة قصيرة: الرحيل
- الصراع بين الوعي وثقافة الخوف: تأملات في رمزية تشكيل الهوية ...
- قصة قصيرة: فرخ الدجاجة
- قصة قصيرة: رحلة اللاعودة
- قصة قصيرة: التواكل
- قصة قصيرة: مرآة الضجيج
- قصة قصيرة: حارس الكوخ
- قصة قصيرة: أرملة العشقِ العذري (الجزء الأول)
- قصة قصيرة: أرملة العشق العذري (الجزء الثاني)
- قصة قصيرة: الحفنة الأولى


المزيد.....




- هل المصريون أحفاد الفراعنة؟.. دراسة أمريكية تثير الجدل من جد ...
- موسكو تستضيف مهرجان -سابانتوي الصداقة والوحدة- في احتفالية ث ...
- الكعبة كانت في الطائف.. يوسف زيدان يشعل جدلا جديدا حول قصة أ ...
- مشاهد كأفلام الرعب.. ملايين النحل تغزو حيا ريفيا في تكساس
- برشلونة تحتضن أول مكتبة متخصصة في الأدب والتاريخ الفلسطيني ب ...
- في برشلونة.. أول مكتبة مخصصة لفلسطين في أوروبا
- المغرب: آلاف المعجبين يحضرون حفلا للشاب خالد على منصة جديدة ...
- فنان مصري شهير يسخر من لاعب منتخب إيران صاحب النظارة السوداء ...
- إلغاء حفل شادي جميل في دمشق.. ووزير الثقافة يكشف السبب
- على طريقة الأفلام.. -باتمان- مجهول يطارد لصوص الدراجات في ال ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: الملح الرمادي