أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: بين الحياةِ وظلّها














المزيد.....

قصة قصيرة: بين الحياةِ وظلّها


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8750 - 2026 / 6 / 28 - 02:04
المحور: الادب والفن
    


أي تحول هذا؟ إنهم يجلسون حوله، يقدمون له قهوته السوداء، لا تزال تفوحُ بحرارة اللقاء، وكأنها أولُ رشفةِ حبٍ بعد جفافٍ طويل، يتحدثون معه بمحبة تتلألأ في أعينهم، ويلمح في حدقات عيونهم ألفة ومحبة غابتا عنه منذ سنين.
كم غدت الحياةُ جميلةً الآن، إذ تخلص من وطأة الوقت الرتيب، ومن عبثية التشبث بها، وكأن دفوفَ معاركه القلبية التي قرعت في صدره سنيناً بدأت تخفت تحت أنامل الطمأنينة. أصواتٌ من حوله أخذت تتسلل كالشلالِ إلى أعماقِ روحه، تغسلها بندى حبٍّ هاطلٍ من سماء الأنس، وصهيل الحزن بدأ يتلاشى رويداً رويدا، كحصانٍ جامحٍ أنهكه الركضُ في مضمارٍ بلا نهاية. لا الكلمات تسعف في وصف هذا الشعور، ولا الصمت يوازيه، فكم كانت العزلة هائمة، تتدثر بجلباب الخذلان، تقف على الأبواب، تبني جداراً خفياً بينه وبين من أحبهم ذات زمن، بينه وبين أولئك الذين كانوا سبباً لحب الحياة.
إلا أنه لم يكن له خليلٌ في الأيامِ الأخيرةِ سوى قلمِ الرصاص وبعضِ المسودات، يخطُّ عليها هواجسه، ويصرخ من خلالها للقلب: " هون عليك" لكن العقلَ يرسم مشهداً آخر، يدفعه إلى أن يخدعَ نفسه ويتظاهرَ بالنسيان، احتراقُ روحٍ تطارد غايةً بعيدة، خلف أصواتٍ تشقَ عتمةَ الذاكرة، قادمةٍ من مجراتٍ نائية، تنثر الحلمَ بذراً في أرضِ الروحِ العطشى، فتزداد تلك الروح حنيناً إلى النشأة الأولى.
لكن شيئاً فشيئاٍ، أخذت الصورُ تتبدل، وبدأ الخوفُ يتصاعد من الأعماقِ كدخانٍ يتسللُ من شقوقِ الذات. المشهدُ يتقلص أمامه، ينكمش كعدسةٍ تبتعد عن الحقيقة. جسدٌ ممددٌ قرب الأوراق يشبهه تماماً. لم يسعفه عقله في التفكير بما يحصل، كأنه تعطل أمام الصدمة، وعجز عن فك شيفرة ما يرى.
لقد أغمضوا عينيه، لكن حدقاتِ روحه كانت تحدق بجمود في وجوه من حضروا. لم تكن ذكرياتُ الطفولةِ سوى ومضاتٍ عابرةٍ في شريطِ حياته، حتى اصطدمت باللحظة الراهنة، جسده المسجى أمام عينيه، وكأن الزمن انطوى فجأة، فارتعش لوهلةٍ من الخوف، ثم حاول أن يطرد تلك الفكرة اللاإرادية التي جالت في ذهنه، كأنها ومضةُ موتٍ تلبست اليقظة، لكنه يعرف أنها لم تكن يوماً غائبة عنه.
لكن تساؤلاً تبادر إلى ذهنه: لمَ يبكي أولادي، وهم يحومون حول الجسد، وبالكاد يحتفظون باتزانهم؟ ألم يكونوا منذ لحظاتٍ فقط يحملون قهوتي بابتساماتِ حب؟ إلا أنه لم يشربها. كم هو غريبٌ أن تنال ما تحب ثم تتركه دون سبب واضح، أن تنال الحب بعد فوات الأوان. لكن الفنجان تلاشى من أمامه، وبينما كانت رائحةُ القهوةِ السوداءِ تذكره بدفءِ الأيادي التي قدّمتها له، شعر فجأةً ببرودةِ الفراغِ بين أصابعه وذلك الفنجان، كما تتلاشى الأحلام حينما تفتح العينان لتجد الحقيقة.
كم هو مؤلمٌ ومحيرٌ أن تكون باللاوعي في حالتين بآن واحد، أن تكون في الحياة ميتاً، وفي طريق الموت حياً، كأنك تتنفس صمتاً أعمق من الكلام، وتختنق بصراخ لا يسمعه أحد.
جسدٌ ساكنٌ، لا يقوى على الحركة، ولا ينبس بكلمةٍ، كأنه مرآةٌ تعكس عبثيةَ الحياةِ ووهمها المقيم. رجل في الثالثة والستين من العمر، بإمكانه أن يستعرض شريط حياته في أغلب محطاته، بينما هالةٌ شفيفةٌ تنبعث من قفصِ الندم اللامرئي، تحلق بأجنحةٍ خفيفةٍ تملأ الكون، وتخلّف وراءها كلَّ أحزانها المتراكمة، سائرةً بلا وجهة، بلا جدرانٍ تقيّدها، ولا رقيبٍ يخنق الكلمات، ولا قيودٍ تطفئ الأحلام.
كانت الدموعُ قد بدأت تتساقط من عيون أبنائه والمقربين، وهم يتحلقون حول الجسد الذي يشبهه حدَّ التطابق. أحدهم يحتضنه، يهزّه، يمسك يده. الصراخ يشتد من حوله، ويتراقص الغضبُ مع الشك، أو ربما رغبةٌ في كشف حقيقةِ الحسرةِ التي بنت في صدره قصوراً من الألم، بينما تمزقه همساتُ الشوقِ على أطرافِ اللسان، وسط ضجيجٍ لعذاباتِ الماضي الذي بدأ يتبخر كالدخان.
أمامه تتسارع صور حياته، من الطفولة الى تلك اللحظة الجميلة التي يعيشها الآن، كأنها شريطٌ سينمائيٌّ عالي الدقة. يرى نفسه شخصاً آخر، ظلاً جديداً يتجول في بلادِ الحريةِ والإنسانية، في فضاءاتِ الطمأنينة، ويتأوه صدره بفرحِ التجلي، فيستبيح كلَّ الحدودِ في فيضِ التشكلِ الجديد. يطوف وفي قلبه حسرةٌ من تلك الممارسات القديمة، فلم تكن تلك الطمأنينةُ سوى هدنةٍ قصيرة، سرعان ما تلوثت بظلِّ الخوفِ الزاحفِ من الأعماق.
أخذ يتساءل: لمَ تغيرت الأمورُ بلحظةٍ لم تكن بالحسبان؟ إذ انقلبت إلى حيرة، أهو حيٌّ أم ميت؟ فتثور رغباته، يحاول أن يفصح عما يرى، لكن لسانه يتلعثم. وأخيراً، ينجح في دفع الكلمات من حنجرته بصعوبة، لكنه أدرك متأخراً أن صوته لا يصل إليهم.
غير أن تلك الصورَ ما لبثت أن تهشمت، وتداخلت بعشوائية، فأدخلته في حيرةٍ أخرى من الشك. أنه حرُّ الآن، حتى وإن كانت هذه الحياةُ غريبةً عن سابق عهدها. لذا بدأ يتمنى نسيان تلك الذكريات الثقيلة، والتغافل عمّا عاشه، عن كونه مجرد رقمٍ في سجلِ الوجود.
أفكارٌ متضاربةٌ تتدافع وتتصادم في الرأس، سياطٌ ذاتيةٌ تنهال عليه، ليصحو من غيبوبته على واقعٍ طالما خشيه، ويقف في حضرةِ الفشلِ في الانتماء، بين دلالاتِ عالمٍ شرسٍ لا يعترف بالحياد.
عادت الرتابة، والتجاهل مجددا. تمنى بكل جوارحه ألا يعود، أن يبقى هارباً في فضاءات آمنة، في دوامات الصمت، في عوالم نقية، وأن يحتمي بدفء تلك الألفة التي حلم بها طويلا. ظلت أصواتُ أولاده تتردد في أذنيه كصدى بعيد، حتى اختلطت بصوتٍ غامضٍ قادمٍ من غيبوبته، صوتٌ وحيدٌ يخترقُ الضبابَ المتشكل:" لقد عاد.. لقد عاد"
لكنه لم يعد يعلم، هل عاد إلى الحياة أم إلى الغربةِ من جديد؟



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: حين سكنت الأشباح الماء
- قصة قصيرة: قسوة التجاهل
- قصة قصيرة: وهم النهاية
- قصة قصيرة: منابتُ أنثى
- قصة قصيرة: ما قبل السقوط الأخير
- قصة قصيرة: حِداد
- قصة قصيرة: في العمق قيودٌ خفية
- قصة قصيرة: لا زالت تنتظر
- بين شيخوخة الروح وولادة الرماد: تأملات في وهم الخلود الممتد، ...
- قصة قصيرة: الرحيل
- الصراع بين الوعي وثقافة الخوف: تأملات في رمزية تشكيل الهوية ...
- قصة قصيرة: فرخ الدجاجة
- قصة قصيرة: رحلة اللاعودة
- قصة قصيرة: التواكل
- قصة قصيرة: مرآة الضجيج
- قصة قصيرة: حارس الكوخ
- قصة قصيرة: أرملة العشقِ العذري (الجزء الأول)
- قصة قصيرة: أرملة العشق العذري (الجزء الثاني)
- قصة قصيرة: الحفنة الأولى
- قصة قصيرة: مذبحةُ الرعب


المزيد.....




- هل المصريون أحفاد الفراعنة؟.. دراسة أمريكية تثير الجدل من جد ...
- موسكو تستضيف مهرجان -سابانتوي الصداقة والوحدة- في احتفالية ث ...
- الكعبة كانت في الطائف.. يوسف زيدان يشعل جدلا جديدا حول قصة أ ...
- مشاهد كأفلام الرعب.. ملايين النحل تغزو حيا ريفيا في تكساس
- برشلونة تحتضن أول مكتبة متخصصة في الأدب والتاريخ الفلسطيني ب ...
- في برشلونة.. أول مكتبة مخصصة لفلسطين في أوروبا
- المغرب: آلاف المعجبين يحضرون حفلا للشاب خالد على منصة جديدة ...
- فنان مصري شهير يسخر من لاعب منتخب إيران صاحب النظارة السوداء ...
- إلغاء حفل شادي جميل في دمشق.. ووزير الثقافة يكشف السبب
- على طريقة الأفلام.. -باتمان- مجهول يطارد لصوص الدراجات في ال ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: بين الحياةِ وظلّها