أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: هامش الانتماء














المزيد.....

قصة قصيرة: هامش الانتماء


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8751 - 2026 / 6 / 29 - 08:36
المحور: الادب والفن
    


في زمنٍ تُصادر فيه الهويات وتُستباح الخصوصيات، ويُصبح الهمسُ جريمةً والصمتُ خنوعاً، يبرز صوتٌ لا ينتسبُ إلى سجل رسمي، لكنه يحملُ في طياته انتماءً أعمقَ من الانتماء: انتماءً إلى الكرامة الإنسانية، وإلى حقِّ الرفض قبل القبول، وإلى الحركةِ في وجه الجمود. رجلٍ صنعَ وجودَه خارج التصنيفات، واختار الطريقَ الذي اختاره، لا طوعاً بل اضطراراً أمام ضغط الواقع ومرارة الخضوع. إنها حكايةُ من يعرفُ أن أول الغيث قطرة، فيزهرُ في أرضِ اليأس، ويشهدُ على عصرِ المحنة، دون أن يرضخَ لدهاليز الصمت أو يستكينَ لرقابةِ الأجهزة.
لم يكن ينتمي إلى حزبٍ أو مذهبٍ أو جماعةٍ تحدد هويته، لكن ثمةَ قلقاً خفياً في صدره، كأنه نَبْضٌ لا يهدأ، يدفعه إلى البوح بما لا يُقال إلا همساً بين الأصدقاء، في زمنٍ تتنصتُ فيه الأجهزة على الأنفاس، وتحصي الهمسات كأنها جرائم. وقد ضاق الناسُ بالانهيارات المتتالية، فصمتوا، كأن الأرض التي ولدوا عليها قد خنقت ألسنتهم، وصارت الأفعالُ مجبولةً على الخضوع، بينما يجف في أعماقه كل ينبوعٍ، وتثقل المعرفةُ المتبجحة الأختام على العقول. هو من أولئك الذين لا يريدون لشواطئ الشمس أن تسودَّ في فراغات الأحلام، ولا يرضون بالمبالغة تحت أقواس المديح الزائف. وجد نفسه وقد وقع بصره على بوابة تابيرا، فلملم شظاياه أمام شموخ قلعة آشور، وعنفوان تلوك العِكْر، فرأى الفلاحَ لا يكفيه محصوله، والمحاربَ لا تطمئنُ نفسه على أهله وهو يغادرهم، فالكل كغريب يتأرجح بين الكينونة والعدم، لا يدري كيف يفعل ولا كيف يكون، حتى في ذروة رقابة الأجهزة.
لم يكن ينتمي، لكن الكلمةَ خرجتْ من الأفواه، كلمةَ رفضٍ للواقع المتهاوي، فلم يعد يقبل أن يكون ممن لهم أفواه بلا آذان، ولا أن يكتفي بالهمس حول أُسطوانة الوطن، بعيداً عن الأفعال الجسورة. رفض أن يصطفَّ في صفوف الغائبين عن رجاحة الزمان والمكان وخرائط السكان، بينما يتذكر كيف كانت ترتعش يداه كلما استعاد مسطرة المعلم، وهو يُعيد تعريف الأوطان التي حفظها عن ظهر قلب، وكأنها نشيدٌ يتآكل بالتكرار.
لم ينتمِ إلى أي جهةٍ رسمية، لكنه آثر أن يكون في طليعة المتصديين، يرتدي قميصاً أحمر كلون الرمان الذي يعشقه، واختار لنفسه اسماً مستعاراً كي يعتز به. لم يكن ذلك انتماءً بالمعنى الضيق، بل قناعةً مبنيةً على مبدأ "من كلٍّ حسب قدرته، ولكلٍّ حسب حاجته"، وكان يردد في خلده: "يا عمال العالم اتحدوا"، لكنه مع هذا لا يجرؤ على نسيان ثقل الحاضر، ولا يقضي نهاره الطويل في التضرعات وحدها، بل كان يرى أن الحركة واجبة من أجل كرامةٍ تتقدم، وحلمٍ يُبنى من الجذور، ويسافر مع الغيمات حيث يشاء بلا قيود. هو شاهد على عصر المحنة، كلما استعرض محطات عمره وتجاربه، ازداد طموحاً ورفضاً وعدم استكانة.
اعتُقلَ وحوكمَ علناً، ولم يرفض انتماءه رغم أنه لم ينتمِ، إذ عد ذلك هزيمة، والهزيمة لا تليق بالرجال. حُكم عليه بثلاث سنوات، يعلم أنها كفيلة بإعادة تقييم كل ما مر به. فالكلمات قد تُنسى، والأيام تمضي، أما المواقف فلا تنسى، وقد لا يسمع سوى صدى صرخات التعذيب في دهاليز السجون المظلمة، لكن في داخله تنبثق رغبةٌ عارمةٌ ليشقَّ البحر ويصل إلى الضفة الثانية منتصراً، لا مهزوماً، حتى لو بدا الليلُ كائناً يحاول تدمير الأحياء في الزنازين. لم يختر الطريق، بل الطريق هو من اختاره، وصيحاتٌ صاخبةٌ تتردد في رأسه، لا يعي لمن تكون، ربما لأجيالٍ قضت نحبها في الدهاليز ذاتها، لكنه يعلم أن الصقرَ يحتاج أعلى القمم، ولذا لم يخذل دواخله، حتى لو لم ينتمِ، وبقي كأنه طيفٌ لا يُقبَضُ عليه حتى وهو بين جدران السجن، بين صرخات التعذيب ونبض الصقر الذي يعلو.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: الملح الرمادي
- قصة قصيرة: بين الحياةِ وظلّها
- قصة قصيرة: حين سكنت الأشباح الماء
- قصة قصيرة: قسوة التجاهل
- قصة قصيرة: وهم النهاية
- قصة قصيرة: منابتُ أنثى
- قصة قصيرة: ما قبل السقوط الأخير
- قصة قصيرة: حِداد
- قصة قصيرة: في العمق قيودٌ خفية
- قصة قصيرة: لا زالت تنتظر
- بين شيخوخة الروح وولادة الرماد: تأملات في وهم الخلود الممتد، ...
- قصة قصيرة: الرحيل
- الصراع بين الوعي وثقافة الخوف: تأملات في رمزية تشكيل الهوية ...
- قصة قصيرة: فرخ الدجاجة
- قصة قصيرة: رحلة اللاعودة
- قصة قصيرة: التواكل
- قصة قصيرة: مرآة الضجيج
- قصة قصيرة: حارس الكوخ
- قصة قصيرة: أرملة العشقِ العذري (الجزء الأول)
- قصة قصيرة: أرملة العشق العذري (الجزء الثاني)


المزيد.....




- نادي السرد في اتحاد الأدباء يضيّف الروائي أمير رأفت
- شغف الكتاب الموصليين يتجه نحو الرواية.. واتحاد الأدباء يقيم ...
- جدران غيّرت وجه القصيدة العربية.. كيف يبعث العراق دار السياب ...
- مسؤول أمريكي يكشف لـCNN وضع المحادثات الفنية بين واشنطن وطهر ...
- عمر خيرت يكشف سر المكالمة التي غيرت حياته.. ما علاقة فاتن حم ...
- فلسطين والسينما المصرية.. من الخلفية الرومانسية إلى هاجس الأ ...
- -بروفة يوم الحساب-... المسرح السوري يختبر الذاكرة قبل أن يطا ...
- من -الأوديسة- إلى -سبايدر مان-.. أبرز الأفلام المنتظرة في صي ...
- وزير الثقافة اللبناني: إسرائيل دمرت مواقع تراثية في الجنوب
- لماذا يثير فيلم -الأوديسة- كل هذا الجدل؟


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: هامش الانتماء