أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: بين الوهم والنجاة














المزيد.....

قصة قصيرة: بين الوهم والنجاة


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8752 - 2026 / 6 / 30 - 00:15
المحور: الادب والفن
    


كان الصمت ثقيلاً، لا يقطعه إلا ارتطام الكفين بسطح الماء في مقاومةٍ يائسة، وكأن الجسد يفاوض الفناء على مهلةٍ أخيرة. طائرٌ يغادر المشهد نحو جهةٍ لا تُرى، وقنبرةٌ ترفرف فوق شجرة بعيدة على الشاطئ، ترقب عشّها كأنها تحرس ذاكرة الحياة ذاتها. أمواجٌ متكسرة تعكس ضوء الشمس المائل، فتبدو كأنها شظايا زمنٍ يتفكك في العلن.
تسلل إلى ذهنه سؤالٌ حادّ كحدّ السكين:
- أهذه هي النهاية؟
كان يعرف، في عمقٍ لا يصل إليه التفكير المتأخر، أن الماء والزمان لا يمنحان الأمان لأحد. هناك، بين ارتباك النفس وثقل الجسد، بدأ شريط حياته يُعاد بسرعةٍ لا ترحم؛ ليس كذكرى، بل كحكمٍ يصدره العقل على نفسه قبل انطفائه.
- أخطأتُ بحق من؟
لم يجد جواباً، لكن سؤال الذنب كان يكبر أكثر من قدرته على السباحة. تداهمه فجأة حكاياتٌ قديمة عن السعلاة، ذلك الكائن المشوّه في المخيلة الشعبية، بأرجل معقوفة وأطراف ملفوفة بقماش كثيف. لم يكن يعرف إن كانت أسطورة أم خوفاً متجسداً، لكنه شعر بها تقترب من حواف وعيه، كأن الغرق لا يأتي من الماء وحده بل من الداخل أيضاً. يلتفت بعينيه المرتبكتين في كل اتجاه، وكأن الماء صار فضاءً للاحتمالات المرعبة.
الإجهاد يثقل صدره، والماء يتسلل إلى فمه كأنه يمحو حدود الكلام. يبحث عن قشة، عن معنى صغير يطفو فوق هذا الانهيار. لكن كل قطرة كانت تبدو كأنها تُنهي شيئاً فيه، لا في جسده فقط بل في يقينه أيضاً.
ثم يعود به الوعي، أو ما يشبهه، إلى البداية…
نزوله إلى الشاطئ.
كان النهار حينها واسعاً، والحرارة ترتجف على الحقول الخضراء الممتدة على ضفتي النهر. أناس يعملون في الأرض كأنهم يثبتون العالم من السقوط، وصبية يسبحون في مكانٍ منعزل، وضحكاتهم تتكسر على سطح الماء الصافي.
الماء يومها لم يكن عدواً. كان طيفاً من الطمأنينة. كان يسير بين الحصى، يسمع اصطدامها بقدميه كأن الأرض تهمس له بلغةٍ قديمة. يطوي بنطاله إلى ركبتيه، يمد قدمه اليمنى بحذر، كأن الدخول إلى الماء يحتاج إذناً من الطبيعة. يضع أصابعه أولاً، كمن يختبر فكرة الوجود، ثم يدخل بكامل جسده.
الماء بارد، هادئ، يشبه فكرة الحياة قبل أن تتعقد .يغترف بكفيه، يدهن جسده، كأنه يحاول أن يصالح جلده مع العالم. يغطس… يظهر… ويتطاير الماء من شعره كبلورات صغيرة، كأن لحظة الفرح نفسها قابلة للتفتت.
يسبح… على بطنه… ثم على ظهره…وكان يظن أن الاتجاهات كلها متاحة، وأن النهر مجرد مساحة للتجربة لا للمصير .لكن النهر، في لحظة لا تُرى، غيّر منطقه. تيارٌ شديدٌ التقطه دون إنذار، يسحبه بعيداً عن نقطة البداية، عن تلك البساطة الأولى التي ظنها أماناً. حاول العودة، لكن الماء لم يعد ماءً، بل قوة صامتة تقرر المسار بدلاً عنه. ابتعد… بسرعةٍ تشبه فقدان السيطرة على الزمن نفسه .ثم وجد نفسه في اتساعٍ لا يُقاس، ماءٌ هادئ ظاهرياً، لكن عمقه بلا قرار.
التعب بدأ يكتب نهايته على عضلاته.
- أنا صنعت مصيري بيدي…
قالها في داخله، لا كاعتراف، بل كاستسلام فلسفي متأخر. كأن الإنسان لا يدرك مسؤوليته إلا حين يفقد القدرة على تغييرها. تخلّى عن المقاومة. لم يعد يحاول النجاة بقدر ما يحاول إبعاد الحقيقة عن وعيه. لكن أسفل قدميه اصطدمت صخرة صغيرة. توقف فوقها بصعوبة، كأن الحياة منحتْه حداً أدنى من الوقوف قبل السقوط الكامل .الماء بلغ فمه تقريباً، والدوائر حوله تتسع وتعود، كأنها لغة كونية تكتب معنى الفناء بالحركة.
انتظر.
ثم رأى دوائر أقوى تكسر دوائره، وتدفع الماء إلى اضطرابٍ خفيف… كأن شيئاً ما يقترب من النظام وسط الفوضى.
- أهي السعلاة؟
التفت بخوفٍ كامل، لكن الخوف هذه المرة لم يكن من خيالٍ فقط، بل من حقيقةٍ تتشكل.
وفي تلك اللحظة، ظهر زورق صغير يقترب من الخلف… كخطٍّ دقيق يفصل بين ما كان يمكن أن يكون النهاية… وبين ما يشبه اللطف الإلهي حين يتأخر، لكنه لا يغيب.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: على حافة الانتظار
- قصة قصيرة: هامش الانتماء
- قصة قصيرة: الملح الرمادي
- قصة قصيرة: بين الحياةِ وظلّها
- قصة قصيرة: حين سكنت الأشباح الماء
- قصة قصيرة: قسوة التجاهل
- قصة قصيرة: وهم النهاية
- قصة قصيرة: منابتُ أنثى
- قصة قصيرة: ما قبل السقوط الأخير
- قصة قصيرة: حِداد
- قصة قصيرة: في العمق قيودٌ خفية
- قصة قصيرة: لا زالت تنتظر
- بين شيخوخة الروح وولادة الرماد: تأملات في وهم الخلود الممتد، ...
- قصة قصيرة: الرحيل
- الصراع بين الوعي وثقافة الخوف: تأملات في رمزية تشكيل الهوية ...
- قصة قصيرة: فرخ الدجاجة
- قصة قصيرة: رحلة اللاعودة
- قصة قصيرة: التواكل
- قصة قصيرة: مرآة الضجيج
- قصة قصيرة: حارس الكوخ


المزيد.....




- الاستقالة.. ثقافة لا هزيمة
- بيرو.. دليل على فشل الإسبان في محو ثقافة الأندلس
- قبل عرض فيلم -شمشون ودليلة-.. مي عمر تبارك لزملائها رغم المن ...
- سوريا.. تأجيل حفل الفنان الأردني الأخرس في دمشق حدادا على ضح ...
- -صقر وكناريا-.. فيلم يكسب بالكوميديا قبل الإثارة
- مجلس الشعب الأول في سوريا الجديدة.. خريطة التمثيل وقائمة الم ...
- تضاعف مبيعات ملحمة -الأوديسة- لهوميروس عالميا بالتزامن مع قر ...
- فنان مصري يعلن وفاة زوجه ويتفاجئ عقب توجه للمستشفى
- في ذكرى ميلاده.. هيرمان هيسه: الروائي الذي جعل من البحث عن ا ...
- الممثل والناشط داني غلوفر يعلن إصابته بمرض الزهايمر


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: بين الوهم والنجاة