أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: خدوش المرآة














المزيد.....

قصة قصيرة: خدوش المرآة


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8753 - 2026 / 7 / 1 - 00:03
المحور: الادب والفن
    


اعتاد ذلك الشاب أن يلوذ بالكهف الصغير، منحوتاً في صخر كلسي على حافة وادٍ موسمي، كأن الطبيعة نحتته خصيصاً لعُزلته. جلس على الدكة الصخرية، يحدق في الأفق، وأفكاره كسربٍ من الغربان تشتت في سماءٍ قاتمة. صمت طويل، ثم همس لنفسه:
- لماذا أتعب نفسي؟ كلما حاولت الهرب، عادت بي الذكريات ككلابٍ جائعة.
فجأة، سمع حفيف أجنحة قريبة، فرفع رأسه ليرى طائراً مذعوراً يحلق قرب فتحة الكهف. ابتسم ابتسامةً مَرَّة:
- حتى أنت تخاف مني يا صاحبي؟ أم أنك تنقل تحذيراً من عالم آخر؟
أخرج نايَهُ من جيبه، وبدأ يعزف لحناً حزيناً، تماوجت أنغامه مع صدى الصخر، ثم توقف وسأل نفسه بصوتٍ خافت:
- ترى، هل سأظل هكذا إلى الأبد؟ أسير خلف سرابٍ لا يتحقق؟
عاد به الخيال إلى بيت خال والده، حيث احتضنته الأسرة بعد موت أمه المبكر. كان عمره ثلاث سنوات فقط، لا يذكر من أمه إلا رائحة الخبز وحناناً ضائعاً. يتذكر صوت خاله وهو يقول لزوجته:
- هذا اليتيم سيكون عبئاً علينا، لكنه دمنا.
فترد الزوجة ببرود:
- دعه يكبر، سنعلمه الرعي، فهذا قدره.
كبر الشاب على كلمات الجفاء، لكنه كان يخفي جرحه خلف نكاته وسخريته، حتى صار مصدر تسلية شباب القرية في السمر. وفي إحدى الأمسيات، جلس مع أقرانه حول نارٍ، فقال أحدهم مازحاً:
- يا فلان، كيف تحفظ كل هذه الطرائف؟ أليس لك هم يشغلك؟
فضحك الشاب ضحكةً مصطنعة:
- همومي أخف من ريشة، يا صديقي. لكني أخفيها كي لا تفسد عليكم مرحكم.
لكنه انصرف باكراً إلى كوخه الخاوي، وأطلق زفرةً طويلة، وقال لنفسه:
- كم أكره هذه القناع، لو يعلمون كم يغلي في داخلي بركان...
في أحد الأيام، بينما كان يعبر الساحة، التقت عيناه بعيني شابةٍ جميلة تُدعى سلمى. كانت تنظر إليه بشفقةٍ مكتومة، فخفض بصره حياءً، لكنها تقدمت نحوه وقالت بصوتٍ دافئ:
- كيف حالك يا فلان؟ رأيتك وحيداً أمس على التلة.
فارتبك وقال:
- أنا... بخير، شكراً. أفضِّل الوحدة أحياناً.
فابتسمت:
- الوحدة ليست دائماً اختياراً، بل قد تكون سجناً. هل تسمح لي أن أشاركك بعض الوقت؟
فخفق قلبه بعنف، لكنه تمتم:
- أنا لا أصلح لصحبةٍ طيبة مثلك.
ومضى مسرعاً، تاركاً إياها تنظر خلفه بحزن. جلس في الكهف ليلتها، وأخذ يعزف على نايه ألحاناً مشتاقة، ثم قال في تأوه:
- لماذا تخاف منها؟ إنها الوحيدة التي رأتني حقاً... لكن ما جدوى حلمٍ لا يلمس الواقع؟
وفي اليوم التالي، بينما كان يرعى القطيع، سمع عواءً قريباً، فخشي أن يهاجم الذئب الغنم. تسلل إلى الكهف بعدما أحس بالخطر، لكن المخلب الضخم انقض من الفتحة الضيقة محاولاً ضربه. صرخ الشاب بغضب:
- أيها الوحش، ألهذا حدَّدتني؟
وسحب خنجره، وغرسه في المخلب بقوة، فصاح الذئب عواءً مفزعاً. وتمكن من الخروج وحمل بندقيته، وصوّب نحو رأس الذئب وهو يرتجف:
- هذه نهاية وحشيتك... وهذا انتصاري الأول.
أطلق النار مرتين، وسقط الذئب صريعاً. حمل الجثة على ظهر حماره، وقال لنفسه بانتصار:
- الآن سيرونني. لن أكون ذلك المهمش بعد اليوم.
وصل القرية محملاً بالذئب، فتجمع الناس حوله مهللين، لكن عينيه بحثتا عن سلمى بين الحشود، فلم يجدها. سأل أحد الرجال:
- أين سلمى؟
فأجابه الرجل بدهشة:
- ألم تعلم؟ إنها تتهيأ للخطبة الليلة... عريسها من المدينة.
اصطدمت الكلمات برأسه كالصاعقة، وغادر المكان بخطىً متثاقلة، وجلس على حافة البئر، وغمغم بانكسار:
- إذن، لم يكن عطفها إلا شفقة يتيم... كل ما بنيته من أوهام انهار في لحظة.
بكى بصمت، ثم أخرج نايَهُ وعزف لحناً أخيراً، وقال بصوتٍ مبحوح:
- أماه، هل ترينني؟ أرني كيف أنسى... أو كيف أموت دون أن أشعر.
وأمسك خيط الوهم الضائع، عالماً أنه لن يجد ملجأً إلا في كهفه القديم، حيث المرآة المكسورة تعكس وجهه المشوَّه.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: ثقبٌ في جدار المخزن
- قصة قصيرة: بين الوهم والنجاة
- قصة قصيرة: على حافة الانتظار
- قصة قصيرة: هامش الانتماء
- قصة قصيرة: الملح الرمادي
- قصة قصيرة: بين الحياةِ وظلّها
- قصة قصيرة: حين سكنت الأشباح الماء
- قصة قصيرة: قسوة التجاهل
- قصة قصيرة: وهم النهاية
- قصة قصيرة: منابتُ أنثى
- قصة قصيرة: ما قبل السقوط الأخير
- قصة قصيرة: حِداد
- قصة قصيرة: في العمق قيودٌ خفية
- قصة قصيرة: لا زالت تنتظر
- بين شيخوخة الروح وولادة الرماد: تأملات في وهم الخلود الممتد، ...
- قصة قصيرة: الرحيل
- الصراع بين الوعي وثقافة الخوف: تأملات في رمزية تشكيل الهوية ...
- قصة قصيرة: فرخ الدجاجة
- قصة قصيرة: رحلة اللاعودة
- قصة قصيرة: التواكل


المزيد.....




- علاقة مثلية بين طالبة وعميدة جامعة متزوجة تتحول إلى مسرحية أ ...
- الاستقالة.. ثقافة لا هزيمة
- بيرو.. دليل على فشل الإسبان في محو ثقافة الأندلس
- قبل عرض فيلم -شمشون ودليلة-.. مي عمر تبارك لزملائها رغم المن ...
- سوريا.. تأجيل حفل الفنان الأردني الأخرس في دمشق حدادا على ضح ...
- -صقر وكناريا-.. فيلم يكسب بالكوميديا قبل الإثارة
- مجلس الشعب الأول في سوريا الجديدة.. خريطة التمثيل وقائمة الم ...
- تضاعف مبيعات ملحمة -الأوديسة- لهوميروس عالميا بالتزامن مع قر ...
- فنان مصري يعلن وفاة زوجه ويتفاجئ عقب توجه للمستشفى
- في ذكرى ميلاده.. هيرمان هيسه: الروائي الذي جعل من البحث عن ا ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: خدوش المرآة