أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: ثقبٌ في جدار المخزن














المزيد.....

قصة قصيرة: ثقبٌ في جدار المخزن


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8752 - 2026 / 6 / 30 - 00:15
المحور: الادب والفن
    


في قلب البلدة القديمة، كان يقف مخزن الحبوب شامخاً كقلعةٍ منيعةٍ شهدت أجيالاً من العمران والخراب. لم يكن مجرد مستودع للطعام، بل كان نبض البلدة وضميرها الجماعي، إذ توارث أهلها اعتقاداً راسخاً بأن ما يُخزن فيه هو أمانةٌ عامةٌ لا يحق لأحد أن يعبث بها، ولا يجوز أن تُهدر حبة واحدة منه إلا بحسابٍ عدلٍ وميزانٍ حق.
ولهذا تعاقب على حراسته رجال عُرفوا بالورع والتبصر، حتى صار المخزن مضربَ الأمثال في الجوار، ومثالاً للعدالة في توزيع الخيرات وحفظ الحقوق. وكان من بين أولئك الحراس شيخٌ طاعنٌ في السن، قضى عمره يتتبع أثر أكياس القمح في سجلات المخزن وممراته، يعرف زواياه الخفية كما يعرف العجوزُ تجاعيدَ كفيه. لم يكن الأقوى بين الحراس، ولا الأكثر جلبةً، لكنه كان الأبصرَ بالأمور، حتى قيل إن عينيه تنفذان إلى ما تغفل عنه عيون الصغار، وتقرآن ما بين السطور من نوايا.
ثم مرت على البلدة سنواتٌ عجافٌ، عصفت بها رياحُ الفتنة، واقتلعت فيها الأشجارُ التي كانت تظلل البيوت، وبددت الأعشاشَ التي آوت الأسر. وبينما كان الجميع منهمكاً في لملمة شتات الحياة وإعادة بناء ما تهدم، تسللت وجوهٌ جديدة إلى مواقعَ لم تكن تحلم بالوصول إليها، مستغلةً فوضى التعافي.
ومن بين تلك الوجوه، كان شابٌ كثيرُ الضجيج، قليلُ الحصافة، لم يُعرف عنه بين أهل البلدة إتقانُ عملٍ أو براعةُ تدبيرٍ، لكنه كان بارعاً في التحليق حول أصحاب النفوذ، يعرف كيف يختار اللحظة المناسبة ليُزين كلامَه، وكيف يُومئ برأسه حيث يُنتظر منه الإيماء. وفي زمنٍ قصيرٍ، صار مسؤولاً عن أحد الممرات المؤدية إلى المخزن. ثم صار حاملاً لمفتاحه. ثم صار يجلس في أعلى برج المراقبة، ينظر إلى الناس من علٍ، وكأن المخزن قد شُيد ليكون مقراً له، لا حصناً لهم.
في هذا الإثناء، راقب الشيخ العجوز ذلك التحول في صمتٍ ثقيل، وكان يحدث نفسه في هدوء الممرات:
- ما أغربَ الأزمنةَ حين يصير الطريقُ إلى القمة أقصرَ من طريق الخبرة، وحين تُستبدل الكفاءةُ بالقُربى، والأمانةُ بالولاء.
لكنه ظل صامتاً، لأن البلدة في تلك الأيام كانت منهكةً بإعادة بناء بيوتها، ولم يكن أحدٌ يرغب في سماع أصواتٍ تعكر نشوة التعافي، أو تذكرهم بأن الجدران الجديدة قد تُخفي تشققاتٍ في الأساس.
ومرت الأيام، وبدا كل شيءٍ طبيعياً للوهلة الأولى: الأبواب ما زالت محكمة الإغلاق، والسجلات منظمةٌ، والحراس في مواقعهم. غير أن الشيخ كان يلاحظ ما لا يلاحظه غيرُه: في الليالي المظلمة، كانت عرباتٌ صغيرة تمر من الممر الخلفي للمخزن، لا تحمل الكثيرَ، مجرد أكياسٍ قليلةٍ كل مرة، لكنها لم تكن تُسجل في الدفاتر الرسمية. وكان يقول في نفسه:
- الأنهار لا تجف بدلوٍ واحدٍ، لكنها تبدأ بالنقصان منه.
وكلما مرت عربةٌ، كان يرى في عيني السائق خجلاً يتوارى خلف ابتسامةٍ مصطنعة، ثم يراه يختفي في الظل وكأن شيئاً لم يحدث.
ومع الوقت، أخذ بعض المقربين من الشاب الجديد يبنون بيوتاً فاخرةً على التلال المحيطة، بينما بقي أكثرُ أهل البلدة يقتاتون على ما تبقى من فتات الحقول والحوانيت. عندها أدركَ الشيخ أن الخطر الحقيقي لا يبدأ حين يفرغ المخزن تماماً، بل حين يضيع أول كيس دون أن يسأل أحدٌ: "إلى أين ذهبت؟"، وحين يصبح السؤال عن الفائضِ من قبيل الترف، والاعتزاز بالجدرانِ السليمةِ من قبيل الحكمة.
وفي صباحٍ شتويٍ قارس، وقف الشيخ للمرة الأخيرة أمام السور الحجري للمخزن، يتأمل الأبواب الضخمة التي ظن الجميعُ أنها عصيةٌ على الاختراق، ثم وقعت عيناه على شق صغيرٍ عند أسفل الباب الجنوبي، كانت تتسرب منه أكياس القمح، واحد تلو الآخر، في هدوءٍ مخيف. ابتسم ابتسامةً حزينةً ودهشةً عميقة، لأنه لم يكن الشق كبيراً بما يكفي لإثارة الذعر، ولا الأكياس المفقودة كثيرةً بما يكفي لتحريك الغضب، لكنه أدرك أن الكوارثَ الكبرى لا تبدأ بصوت الانهيار المدوي، بل تبدأ حين يمر الكيس الأول من ذلك الشق، فلا ينتبه إليه أحدٌ، أو يتعامى الجميع عن رؤيته.
لم يقل كلمةً لأحد. فقط رفع عصاه، ولف عباءته القديمة حول كتفيه، ومشى بعيداً عن المخزن، واختفت قامته بين كثبان الطريق ووهج الصباح البارد. أما أهل البلدة، فقد استمروا في حياتهم كأن شيئاً لم يتغير، يتبادلون الحديث عن إصلاح الأسطح وتزيين النوافذ، ويغفلون عن ذلك الشق الصامت.
حتى جاء عامُ الجفاف الكبير، ذلك العامُ الذي ضربت فيه السماءُ البلادَ بجدبٍ لم تعرف له مثيلاً. حينها هرع أهل البلدة إلى المخزن يبحثون عن زادهم المخزون، ففتحوا الأبواب على اتساعها، وإذا بهم لا يجدون سوى الغبارِ الذي يغطي أرضيةً فارغةً، وكومة من الأكياس الممزقة، وأثرِ عرباتٍ قديمةٍ على التراب. ساد الصمت، وتبادلوا النظراتِ الحائرة، وتذكر الجميعُ ذلك الشيخَ العجوزَ الذي كان يقف طويلاً أمام الشق، يحدق في الأرض كمن يقرأ كتاباً لا يراه سواه. لكن الكيس الأول كان قد ضاع منذ زمنٍ بعيد، وصار السؤال عنه، في تلك اللحظة، أشبهَ بمرثيةٍ لا فائدةَ منها.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: بين الوهم والنجاة
- قصة قصيرة: على حافة الانتظار
- قصة قصيرة: هامش الانتماء
- قصة قصيرة: الملح الرمادي
- قصة قصيرة: بين الحياةِ وظلّها
- قصة قصيرة: حين سكنت الأشباح الماء
- قصة قصيرة: قسوة التجاهل
- قصة قصيرة: وهم النهاية
- قصة قصيرة: منابتُ أنثى
- قصة قصيرة: ما قبل السقوط الأخير
- قصة قصيرة: حِداد
- قصة قصيرة: في العمق قيودٌ خفية
- قصة قصيرة: لا زالت تنتظر
- بين شيخوخة الروح وولادة الرماد: تأملات في وهم الخلود الممتد، ...
- قصة قصيرة: الرحيل
- الصراع بين الوعي وثقافة الخوف: تأملات في رمزية تشكيل الهوية ...
- قصة قصيرة: فرخ الدجاجة
- قصة قصيرة: رحلة اللاعودة
- قصة قصيرة: التواكل
- قصة قصيرة: مرآة الضجيج


المزيد.....




- قبل عرض فيلم -شمشون ودليلة-.. مي عمر تبارك لزملائها رغم المن ...
- سوريا.. تأجيل حفل الفنان الأردني الأخرس في دمشق حدادا على ضح ...
- -صقر وكناريا-.. فيلم يكسب بالكوميديا قبل الإثارة
- مجلس الشعب الأول في سوريا الجديدة.. خريطة التمثيل وقائمة الم ...
- تضاعف مبيعات ملحمة -الأوديسة- لهوميروس عالميا بالتزامن مع قر ...
- فنان مصري يعلن وفاة زوجه ويتفاجئ عقب توجه للمستشفى
- في ذكرى ميلاده.. هيرمان هيسه: الروائي الذي جعل من البحث عن ا ...
- الممثل والناشط داني غلوفر يعلن إصابته بمرض الزهايمر
- حديقة -سوكولنيكي- في موسكو تستضيف مهرجان -فولكوفو- للأسلوب ا ...
- افتتاح وجهتين ترفيهيتين جديدتين لعشاق الألعاب الجريئة في منت ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: ثقبٌ في جدار المخزن