أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: هذيان














المزيد.....

قصة قصيرة: هذيان


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8753 - 2026 / 7 / 1 - 02:07
المحور: الادب والفن
    


ثمة لحظات في حياة الإنسان لا تشبه سواها؛ لحظات يقف فيها بين عالمين، كمن يقف على عتبة باب لا يعرف ما الذي ينتظره خلفه. عندها لا يعود العمر مجرد أرقام تتراكم فوق الذاكرة، بل يتحول إلى قافلة طويلة من الوجوه والأماكن والأحلام والخيبات، تمر كلها دفعة واحدة أمام العين.
في ذلك الصباح، كان الرجل العجوز يجلس صامتاً. لم يكن الصمت حوله فحسب، بل كان يسكنه من الداخل. أمامه أوراق رسمية تحمل اسمه وتفاصيل مرضه وموعد دخوله إلى صالة العمليات. ظل يحدق فيها طويلاً، وكأنها ليست أوراقاً، بل رسالة غامضة من الزمن نفسه.
لم يكن قد دخل صالة عمليات طوال خمسٍ وستين سنة من عمره. كان يعرفها من شاشات التلفاز فقط، من الأفلام والمسلسلات التي تنتهي فيها الجراحة عادة بابتسامة الطبيب أو دموع المنتظرين. أما اليوم، فقد أصبح هو بطل المشهد الذي طالما شاهده من بعيد. لذا قال لنفسه:
- ألهذا الحد مضى العمر سريعاً؟
فأجابته نفسه:
- بل أنت الذي كنت منشغلاً بالركض خلف الأيام.
- وهل وصلت إلى النهاية؟
- ليست النهاية ما يخيفك، بل المجهول.
- وماذا لو لم أستيقظ؟
- وماذا لو استيقظت إنساناً آخر أكثر تصالحاً مع نفسه؟
ابتسم ابتسامة باهتة ثم عاد للصمت. كان عليه أن يمتنع عن الطعام والشراب. بدا الأمر بسيطاً، لكن العطش في تلك اللحظات كان يشبه السؤال الذي لا يجد جواباً. كل شيء حوله يوحي بالانتظار. الساعة تتحرك ببطء، والجدران صامتة، والوجوه متعبة، أما قلبه فكان يطرق أبوابه القديمة باباً بعد باب.
حين وصل إلى المستشفى، شعر أن المكان أكبر من قدرته على الاحتمال. الممرات طويلة كأنها أنفاق زمنية، والأضواء البيضاء تشبه نهارات بلا شمس. وحين اقترب من صالة العمليات، أحس أن ريحاً خفية تمر في داخله. لم تكن ريحاً حقيقية، بل صفيراً يشبه عواء ذئب بعيد، أو أفعى تجر جسدها فوق رمال الذاكرة. قال لنفسه:
- لماذا أخاف؟
فأجابها صوت داخلي أكثر هدوءاً:
- لأنك لأول مرة ستسلم جسدك للغياب.
- وهل الغياب مخيف؟
- ليس الغياب، بل عدم القدرة على الإمساك بما تحب.
نظر إلى أفراد أسرته الجالسين في قاعة الانتظار. رأى في عيونهم دعوات مكتومة. كانوا يحاولون إخفاء خوفهم عنه، وهو يحاول إخفاء خوفه عنهم. وحين تحرك السرير المتنقل، شعر أنه يسير فوق سكة لا يمكن الرجوع عنها. في نهاية الممر وقف أشخاص يرتدون اللون الأخضر. بدا اللون كأنه محاولة بشرية لصناعة الطمأنينة. وجوه نصف مخفية، رؤوس مغطاة، أجهزة تومض بأضواء صغيرة، وأحاديث مقتضبة لا تعني شيئاً لمن يقف على حافة القلق.
تساءل:
- هل يرون خوفي؟
ثم أجاب نفسه:
- لقد اعتادوا رؤية الخوف أكثر مما اعتادوا رؤية الوجوه.
استلقى. فوقه مصابيح مستديرة تشبه أقماراً صناعية تبحث في تضاريس الجسد. أخذت الأصوات تبتعد شيئاً فشيئاً. أحدهم قال:
- استرخِ.
آخر ابتسم. ثم جاءت الإبرة، ومنذ تلك اللحظة، بدأ كل شيء يتفكك. في البداية، رأى طفولته، بيتاً طينياً، باباً خشبياً. أماً تناديه عند الغروب، ركض خلف عصفور لم يستطع الإمساك به. ثم رأى شبابه، لكن الغريب أنه لم يتذكر منه الكثير، كأن السنوات التي قضاها يلهث خلفها قررت أن تنتقم منه بالنسيان. ثم تلاحقت الصور. حروب، أصوات انفجارات، جنود يعودون وآخرون لا يعودون. أحلام صغيرة كانت تشبه أعشاش العصافير، تبنيها الريح وتهدمها الريح. رأى شوارع محفرة، انقطاع الكهرباء، الماء الذي يأتي متأخراً. طالباً ينتظر النجاح عن طريق الغش وكأن مصيره كله معلق بورقة امتحان. امرأة تُظلم في وضح النهار. رجالاً يتحدثون عن النزاهة بينما تمتد أيديهم إلى المال العام، مليارات تختفي، ووجوهاً تزداد ثراءً كلما ازداد الفقراء فقراً.
ثم سمع صوتاً بعيداً. كان ياس خضر يغني بحزن عتيق "مامش بمامش وللمامش يميزان الذهب، وأدغش وأحبك"، اختلطت الأغنية بأنين الريح. وبكاء طفل، وصوت أمه، وأصوات أصدقاء رحلوا منذ زمن. لم يعد يميز بين الأحياء والأموات، الجميع كانوا حاضرين، الجميع يتكلمون في وقت واحد. الأماكن تتداخل، الأزمنة تتشابك، والذكريات تتدافع كأوراق خريف هائجة.
فجأة وجد نفسه واقفاً أمام مرآة ضخمة، رأى الطفل، ورأى الشاب، ورأى الكهل، ثم رأى الشيخ الذي أصبحه الآن. لذا أخذ يسأل صورته في المرآة:
- هل كنت سعيداً؟
ساد الصمت، طويلاً. ثم جاءه الجواب من أعماق بعيدة:
- كنت منشغلاً بالحياة أكثر من انشغالك بالسعادة.
- وهل أخطأت؟
- كل البشر يخطئون.
- وهل عشت كما ينبغي؟
- ربما لم تعش كما أردت، لكنك عشت كما استطعت.
عندها بدأت المرآة تتشقق، وتناثرت الصور، وانطفأت الأصوات، وتوقفت الأغاني، واختفت الوجوه، وبقي فراغ أبيض هائل، لا بداية له، ولا نهاية، لا شيء فيه سوى صدى بعيد يتردد بلا انقطاع. لا شيء حقيقي... لا شيء حقيقي... لا شيء حقيقي...
ثم، في مكان ما بين الغياب واليقظة، أدرك حقيقة لم يفهمها طوال سنوات عمره: أن الإنسان لا يخاف الموت بقدر ما يخاف أن يرحل قبل أن يقول ما يريد قوله، أو يمنح ما يريد منحه، أو يعتذر عما أثقل قلبه من أخطاء.
وحين بدأ الضوء يعود تدريجياً إلى عينيه، لم يكن أول ما شعر به ألم الجراحة، بل دهشة العودة.
لقد عاد. عاد ليكتشف أن الحياة التي اعتاد الشكوى منها كانت، رغم كل شيء، أجمل من أن تُؤخذ كأمر مسلم به.
أما صالة العمليات التي دخلها مرتجفاً، فقد خرج منها وهو يحمل يقيناً جديداً: أن العمر لا يُقاس بعدد السنوات التي نعبرها، بل بعدد المرات التي نولد فيها من جديد بعد أن نظن أن كل شيء قد انتهى.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: خدوش المرآة
- قصة قصيرة: ثقبٌ في جدار المخزن
- قصة قصيرة: بين الوهم والنجاة
- قصة قصيرة: على حافة الانتظار
- قصة قصيرة: هامش الانتماء
- قصة قصيرة: الملح الرمادي
- قصة قصيرة: بين الحياةِ وظلّها
- قصة قصيرة: حين سكنت الأشباح الماء
- قصة قصيرة: قسوة التجاهل
- قصة قصيرة: وهم النهاية
- قصة قصيرة: منابتُ أنثى
- قصة قصيرة: ما قبل السقوط الأخير
- قصة قصيرة: حِداد
- قصة قصيرة: في العمق قيودٌ خفية
- قصة قصيرة: لا زالت تنتظر
- بين شيخوخة الروح وولادة الرماد: تأملات في وهم الخلود الممتد، ...
- قصة قصيرة: الرحيل
- الصراع بين الوعي وثقافة الخوف: تأملات في رمزية تشكيل الهوية ...
- قصة قصيرة: فرخ الدجاجة
- قصة قصيرة: رحلة اللاعودة


المزيد.....




- البعثة الإيرانية: ثقافة الإفلات من العقاب الأمريكية مستمرة ...
- مهاجراني: إقامة جزء من مراسم التشييع في العراق تؤكد عمق الر ...
- رسامو الحرب يبدون استعدادهم لإعادة ترميم اللوحة البانورامية ...
- الموضة الإيرانية.. التعبير بالفن
- التحقيق في مصرع منتج سينمائي مصري بطريقة مأساوية
- الثقافة المركزية السودانية.. إرث تاريخي أم ورقة تفاوض سياسي؟ ...
- موسكو تُعيد إحياء منزل -المعلّم- من رواية -المعلّم ومارغريتا ...
- اختبار اللغة السويدية للحصول علي الجنسية قد يتأجل مجددا
- مصر.. مصرع منتج سينمائي غرقا
- إعلام لبناني: إخلاء سبيل فضل شاكر في 3 ملفات وترجيح حسم الرا ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: هذيان