أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: على أعتاب الغيب















المزيد.....

قصة قصيرة: على أعتاب الغيب


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8757 - 2026 / 7 / 5 - 17:36
المحور: الادب والفن
    


ثمة أبوابٌ في الحياة تُفتح باليد، وأخرى تُفتح بالقلب، لكن ثمة باباً واحداً لا يُفتح إلا بالجسد المُسلَم، حيث تُودع إرادتك عند عتبته، وتدخل كطفل يخطو لأول مرة في دهاليز الظلام، غير عارفٍ إن كانت نهايته نوراً أم وهماً. ذلك هو باب الغيب الذي نسميه بـ العمليات الجراحية، حيث تتداعى كل اليقينات، عدا اليقين بالله جل في علاه، فيحمل شكه على كفيه عسى أن تذروه الرياح، وتتلاشى كل الخبرات الحياتية، فلا يبقى إلا روحٌ عاريةٌ تترقب مشيئةً الباري لا تعرف طريقها. إنها الرحلة التي يخلع فيها الإنسان رداءَ السيطرة، ويرتدي ثوبَ الاستسلام.
يقف الآن أمام ذلك الباب المزدوج، ذاته الذي ألف رؤيته طوال حياته، بل وتتبعه في مشاهد الأفلام التي شغف بها في صباه، قبل أن يودع كل شيء ويبدأ في تدوين هواجسه على الورق. إنها "صالة العمليات"، ذلك الفضاء الغامض الذي ظل طوال عمره مغلقاً في عينيه، وحتى حين يُفتح، لا يكشف عن أسراره، بل يظل ستاراً من كثيف المجهول. يذهب المريض إليه بإرادته، رغم رعشة الخوف التي تسكن روحه، ثم يغادره على سرير متحرك، في هذيان صريح، لا يدري ما يلفظ، كأنه استعار لغة أخرى لا تعيها ذاكرته، أو هي لغة لأسلاف مضت.
أما اليوم، فهو ذاك المريض بعينه، الذي سيُدعى في أي لحظة ليعبر تلك العتبة. يترقب النداء بوجلٍ مُرتعش، يُخَفِف وطأته بخطواتٍ متعبة ذهاباً وإياباً، بينما تخطف عيناه العبارة فوق الباب: "صالة العمليات"، وتحتها تلك الجملة الحاسمة "ممنوع الدخول". واليوم، بإرادته الحرة، سيتجاوز هذا التحذير المكتوب، لكن السؤال الأعمق يختبئ في صدره: ما الذي يخفيه ذلك الباب المزدوج حقاً؟ هل هو ردهة فسيحة؟ غرفٌ متقاطعة؟ ممرات لا نهاية لها؟ لا يدري، وكل تصوراته تتلاشى أمام واقع يُوشك أن يلمسه بجلده.
تمر اللحظات كقطرات تترقب السقوط، وإذا بالدكتور وسام الشيخ، الجراح الذي يسكن اسمه ثقة المرضى، يمر باتجاه ردهة الرجال. يراه الآن مبتسماً، نعم، رغم قناعه الأبيض الذي يغطي فمه وأنفه وثوب العمليات الأخضر، يشع منه دفءٌ خفي يكاد يلمسه القلب قبل البصر. تلك البسمة المتخيلة تُزيل بعضاً من رذاذ القلق، وتُسكِت، مؤقتاً، بعض الأسئلة العصية التي لا تجد في الوجود جواباً.
ثم يُنادى اسمه، فيرتجف المكان، وينتبه كمن يُستنقذ من شرود طويل. يتوجه نحو بابه، وعيناه تودعان وجوه أهله، يسلمهم هاتفه ببطء، كأنه يُمرر لهم جزءاً من روحه. نظراته تلك كانت شبيهة بالوداع، وداع الحب، وداع الأمان، وداع الدخول إلى المجهول المطلق. فالجراحة، مهما وُصفت بالبساطة، تبقى رهينة المشيئة التي لا تُقرأ نتائجها إلا بعد الامتحان. إنها النفس، تلك الأسيرة التي لا تُسلَم إلا لربها، متى أراد قبضها أو إطلاقها.
يعبر الباب، فينكشف أمامه ممر طويل، وغرف تتوزع كخلايا النحل، لكل اختصاص مكانه، وهذه أولى المفاجآت التي تخترق جدار الترقب. يوجهه شخص مرتدٍ البدلة الخضراء، غطاءً على رأسه، ليتمدد على سرير ثابت، وفوقه مصابيح دائرية تتوسطها أنبوبة قصيرة، وعلى يمينه شاشة كبيرة وأجهزة ترسم خريطة النبض والضغط. لم يكن السرير وثيراً، بل قاسياً، فآلام الظهر بدأت تعتصر جنبيه منذ اللحظة الأولى، لكنه اضطر إلى الصبر، فهو من عانى مرارة المرارة وما جرته من حرمان في الطعام نوعاً وكمّاً.
بين دقيقة وأخرى، يُسأل عن اسمه وعمره، رغم الإضبارة الملقية على الكرسي القريب، وكأن السؤال طقسٌ لا يُستغنى عنه. أحدهم يلهو بهاتفه في عالم افتراضي، وآخر يتذمر من بطء الشبكة، بينما الدكتور وسام الشيخ يمر بذاك الهدوء الذي يثير العجب، مبتسماً كأنه يحمل في قلبه مفتاحاً سرياً للاطمئنان.
ثم يسمع الدكتور طه يُعلن: "فلنبدأ". تُثبَت كالنولة في يده اليسرى، فيرى دمه ينساب في قمع صغير، ثم تحقن موادٌ طبية في وريده، ويُقدَم له خرطوم طويل، ويؤمر بأخذ نفسٍ عميق، ثم تغيب عنه الدنيا.
ثم هوى في هاويةٍ سحيقةٍ لا قاع لها، كأن جسده قد تفتت إلى ذراتٍ تُقذف في فضاءٍ لا جاذبية فيه. لم يعد جسده ملكه، بل صار كقطعٍ متفرقة تُرمى هنا وهناك، يسمع نبضات قلبه تتحول إلى طبولٍ بعيدة، تارةً تتسارع كالخوف، وتارةً تتباطأ كالرثاء. انقلبت عليه الرؤى: رأى طفولته تتشظى على جدران من زجاج مكسور، وسمع أصواتاً تتعالى كصفارات إنذار، تارةً تأمره بالوقوف، وتارةً تأمره بالسقوط. اختلطت وجوه الممرضات بوجوه أبطال أفلامه القديمة، وراح الزمن يتفكك إلى حلقاتٍ لا تسلسل فيها: كان في غرفة الامتحان يخاف من ورقة بيضاء، ثم في سيارته المسرعة على حافة الهاوية، ثم بين ذراعي أمه التي ترقبه على وجل، يصرخ بها وهي تبتسم له ببرودٍ مرعب. أحس بأن روحه تتصارع مع جسده، كأنه يرى نفسه من أعلى السقف، جثةً هامدةً عليها أجهزة تصدر صفيراً بارداً، بينما هو يحاول أن يهبط إليها فلا يستطيع، وكأن حبلاً وهمياً يمنعه من العودة.
تزاحمت الأصوات في جمجمته: طنينٌ معدني حاد، وهمهماتٌ لا تُفهم، وضحكاتٌ مكتومة كأنها تصدر من تحت الأرض. تداخلت الأضواء فصارت كألسنة نارٍ باردة، تلسع عينيه دون أن تحرق، وتحاول أن تشق رأسه من المنتصف. صار يرى أرقاماً متطايرة، وجهاتٍ تدور، وأنابيب تمتد كأذرعٍ لامعة تغزوه. حاول أن يصرخ: "ها أنا ذا، توقفوا!"، فلم يخرج من فمه إلا همهمةٌ غارقة في الضباب، وكأن فكه قد صُب من رصاص. ظل يتساءل في دوامة: هل أنا ميت؟ هل أنا حي؟ هل هذه الجنة أم النار؟ أم مجرد غرفة بيضاء يسخر منه فيها الجن؟ كل شيء يتداعى، الأصوات تتحول إلى نغمات نشاز، والزمن يضيع بين ثانيةٍ وألف عام، وهو غارق في سؤالٍ واحدٍ يتردّد كالصدى المزعج: "أين أنت؟" فيحاول أن يجيب فيتعثر لسانه، ويجد نفسه يغرق في حلمٍ داخل حلم، وكأن الكون كله قد انقلب وتداخل، واستنفر جنوده التي لم تكن تراه العيون.
وفجأةً، في خضم هذه الفوضى الكونية، يخترق الضباب نداءٌ قريبٌ، واضحٌ، آتٍ من دنيا الأحياء:
• حجي، انزل رأسك.
يفيق على نفسه، يكتشف أنه يحاول النهوض بعنف.
• أين أنا الآن؟ يتلعثم.
• انزل رأسك. يتكرر النداء بحزم.
• ما اسمك؟
• أنا اسمي... يحاول تذكر هويته كمن يبحث عن بطاقة ضائعة.
• ارفع صوتك.
• اسمي...
ثم يحس بحركة السرير كأنه يخترق حواجز غير مرئية، وأيادٍ قوية تحوله، حتى يستقر. وبعد هنيهة، يفيق على ألم قاتل في كتفه اليمنى، ولا يدري أين هو من هذا العالم. كانت الأشياء تتشكل ببطء، كصورٍ تخرج من ضباب كثيف، حتى بدأت ملامح الوجوه تتضح أمامه شيئاً فشيئاً، وسمع أصوات أهله تتردد كترنيمة دافئة:
"الحمد لله على السلامة... الحمد لله على السلامة"

عندها فقط أدرك أنه عاد، عاد من رحلةٍ لم يقطع فيها مسافات، بل عبر طبقاتٍ من الخوف والانتظار والغياب. عاد من تلك المساحة الغامضة التي يتوارى فيها الوعي خلف ستارٍ لا يملك الإنسان رفعه بيده، فيكتشف كم يبدو ضعيفاً أمام ما يجهله، وكم يصبح محتاجاً إلى كلمةٍ حانية أو وجهٍ مألوف يعيده إلى يقينه الأول.
وتسللت إلى ذاكرته صورة الباب المزدوج الذي وقف أمامه قبل ساعات، وقد بدا له آنذاك كأنه الحد الفاصل بين عالمين. أما الآن، فقد أدرك أن ذلك الباب لم يكن سوى رمزٍ لأبوابٍ أخرى نعبرها في حياتنا كل يوم؛ أبوابٍ لا نعرف ما وراءها، لكننا نمضي إليها رغم خوفنا، لأن الحياة لا تمنح أحداً حق التراجع أمام المجهول.
هناك، على أعتاب الغيب، تتداعى أوهام السيطرة التي نتشبث بها طويلاً، ويكتشف الإنسان أن كثيراً مما يظنه يقيناً ليس سوى ستارٍ رقيق تخفي وراءه الأقدار أسرارها. وما بين لحظة التسليم ولحظة الإفاقة، تتجلى حقيقة بسيطة وعميقة في آنٍ واحد: أننا نعبر الحياة كلها بالطريقة ذاتها، نخطو نحو ما لا نعرفه، ونرجو أن تقودنا الرحمة إلى الضفة الأخرى.
لم يكن ما وراء الباب المزدوج غرفة عمليات فحسب، بل درساً مكتوباً بلغة الألم والرجاء معاً؛ درساً يقول إن السلامة ليست مجرد خروجٍ من وجعٍ عابر، بل هي قدرة الروح على أن تعود أكثر امتناناً للحياة، وأكثر انتباهاً للنعم التي اعتادت رؤيتها دون أن تتأملها.
وحين استقرت عيناه على وجوه أحبته من جديد، شعر أن الغيبة لم تكن نهايةً مؤقتة للوعي، بل بداية أخرى للرؤية. عندها أدرك أن الحياة، بكل ما فيها من خوفٍ وترقبٍ ومفاجآت، تستحق أن تُعاش؛ لأنها تمنحنا، في كل عودة من عتمةٍ ما، فرصة جديدة لنكتشف جمال الضوء.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: المكيدة
- قصة قصيرة: إنسانٌ يمنعني
- قصة قصيرة: ظلان
- قصة قصيرة: الفجرُ الجديد
- قصة قصيرة: هذيان
- قصة قصيرة: خدوش المرآة
- قصة قصيرة: ثقبٌ في جدار المخزن
- قصة قصيرة: بين الوهم والنجاة
- قصة قصيرة: على حافة الانتظار
- قصة قصيرة: هامش الانتماء
- قصة قصيرة: الملح الرمادي
- قصة قصيرة: بين الحياةِ وظلّها
- قصة قصيرة: حين سكنت الأشباح الماء
- قصة قصيرة: قسوة التجاهل
- قصة قصيرة: وهم النهاية
- قصة قصيرة: منابتُ أنثى
- قصة قصيرة: ما قبل السقوط الأخير
- قصة قصيرة: حِداد
- قصة قصيرة: في العمق قيودٌ خفية
- قصة قصيرة: لا زالت تنتظر


المزيد.....




- من السينما إلى الريشة.. جوني ديب يجدد الجدل حول قيمة -فن الن ...
- مشاهير من هوليوود يهاجمون إدارة ترامب في فيديو بمناسبة عيد ا ...
- قرار بإخلاء البيت العربي بمدريد.. باهرة عبد اللطيف: يأخذون ا ...
- -تساؤلات- مفتوحة على قيم جمالية متنوعة في -الآرت هاوس- بدمشق ...
- تصدّع في الرواية الإسرائيلية.. الاستخبارات رفضت جزم نتنياهو ...
- اختتام مشروع -القطار المسرحي- في موسكو بعد جولة ثقافية شملت ...
- شاهد.. آلة بيع تعرض أعمال فنانين جدد مقابل دولار واحد فقط
- نجاح مؤتمراليوم الواحد الثقافى فى البحيرة بشهادة المشاركين م ...
- بينها كلمة من 55 حرفا.. تعرف على أطول المفردات في اللغة الرو ...
- باسم خندقجي: الأدب في السجن مقاومة والكتابة صمود وتحدّ للسجا ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: على أعتاب الغيب