أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: الفجرُ الجديد














المزيد.....

قصة قصيرة: الفجرُ الجديد


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8754 - 2026 / 7 / 2 - 15:57
المحور: الادب والفن
    


يسيرُ في ليلٍ كثيفٍ كأنَّه امتدادٌ لعتمةٍ سكنتْ داخله منذ أعوام، يُجبرُ على المضيّ رغم شعوره بأن الطريق لا يقوده إلى مكانٍ معلوم، بل إلى مواجهةٍ مؤجلةٍ مع ذاته .كان يحملُ فوق كتفيه تعبَ سنواتٍ طويلة، وتستقر على صدرهِ رتابة ثقيلة تكادُ تخنق أنفاسه، حتى غدا التغييرُ بالنسبةِ إليه ضرورةً تشبهُ النجاة، مهما كان الثمن، ومهما اختبأ خلف الخطوة القادمة من مجهول.
يتقدّمُ بحذرٍ شديد، يختارُ موضعَ قدميه كما لو أن الأرضَ تخفي له أفخاخاً غير مرئية، يضعُ قدمه ببطءٍ، ثم يختبرُ ثباتها قبل أن ينقل ثقله إليها. كان الطريقُ موحشاً، بلا علاماتٍ تُطمئن الروح، والريحُ الشتوية الباردة تمرُّ حوله كأنها أصابعُ خفيةٌ تعبثُ بذاكرته. بدأت رذّات المطر الخفيفة تتساقط، فتبتلعها التربة الرملية سريعاً، كما تبتلعُ الحياةُ أحلامَ البشر الصغيرة دون اكتراث.
بين لحظةٍ وأخرى كان ينظرُ إلى ساعته اليدوية اللامعة، كأنّه يبحثُ فيها عن يقينٍ ما، أو عن وعدٍ بأن هذا الليل سينتهي. لكنّه، كلما أطال النظر إلى عقارب الوقت، نسيَ موضعَ قدميه، وكأن الإنسان حين يفرطُ بالتحديقِ في الزمن يفقدُ قدرته على رؤية الحفرة القريبة منه.
وفجأةً سقط.
ارتطم جسده بأرضٍ ترابيةٍ خشنة، وتحسّس المكان بارتباكٍ، ليكتشف أنه في حفرةٍ عميقة ذات جدارٍ أملس لا يمنح فرصةً للنجاة. حاول أن يصنع بيديه فجواتٍ صغيرة يتسلّق عبرها، لكن الجدار كان صلباً كقدرٍ لا يلين. حفرَ، وخدشَ، وحاول مراراً حتى تشققت أظافره وخارت قواه، ثم أدرك أخيراً أن بعض السقوط لا يكفي فيه الندم للخروج منه.
أسند ظهره إلى الجدار بعد أن كوّر جسده اتقاءً للبرد، وأخذ ينتظرُ الصباح كما ينتظرُ الغريقُ خشبةً عابرة. وفي تلك اللحظات، لم يكن البردُ وحده ما يؤلمه، بل ذلك الشعور العميق بأن الإنسان قد يقضي عمره كلّه هارباً من حفرةٍ داخلية لا يراها أحد.
بدأ الفجرُ يتسلل ببطء، وانكشفت ملامح المكان شيئاً فشيئاً.
كانت الحفرة أعمق مما تخيّل، والجدار مليئاً بثقوبٍ سوداء تخرجُ منها أفاعٍ ضخمة، تتلوى ببطءٍ مرعب، وتطلق فحيحاً يشبهُ أصواتَ الخيبات القديمة. ألسنتها الحادة تندفعُ إلى الأمام ثم تعود، كأنها تتذوق خوفه. وبدأت تتدلّى من الثقوب محاولةً الاقتراب منه، فيما كان ينسحبُ إلى منتصف الحفرة مرتجفاً.
رفع رأسه نحو الأعلى…
هناك، على حافة الحفرة، اصطفت وجوهٌ بشرية كثيرة .كان يعرفهم جميعاً.
وجوهٌ مرّت في حياته يوماً: بعضهم منحه الأمل، وبعضهم سرق منه الطمأنينة، وبعضهم ارتدى قناعَ المحبة وهو يخفي أنياباً أكثر سُمّية من الأفاعي. كانوا ينادونه بصوتٍ واحد:
"سننقذك… سننقذك"…
تدلت نحوه أيادٍ طويلة بصورةٍ غير مألوفة، تتسابق للوصول إليه. لكن شيئاً في أعماقه جعله يتردد؛ إذ شعر أن تلك الأيدي لا تختلف كثيراً عن الأفاعي، فكلاهما يريد أن يقتنصه بطريقةٍ ما. عندها أدرك، وسط ارتجافه، أن أخطر الحفر ليست تلك التي نسقط فيها، بل تلك التي تجعلنا عاجزين عن التمييز بين النجاة والافتراس.
ازدادت الأفاعي اقتراباً، وتسارعت الأيدي نحوه أكثر، وضاق المكان بصراخ الفحيح والأصوات البشرية المتشابكة .شعر أن العالم كله يتحول إلى دائرةٍ من الجوع؛ أفاعٍ تريد التهامه، وأيدٍ قد لا تريد إنقاذه بقدر ما تريد امتلاكه.
صرخ بكل ما تبقى فيه من قوة… ثم استفاق فجأة.
فتح عينيه ليجد نفسه على سريره، وأنفاسه متقطعة، وجسده غارقاً بالعرق البارد.
أدرك أنه كان كابوساً مخيفاً، لكنه لم يستطع التخلص من شعورٍ غريبٍ ظل عالقاً داخله؛
فبعض الكوابيس لا تأتي لتخيف الإنسان، بل لتوقظه. نظر عبر النافذة، فرأى خيطاً شاحباً من الضوء يشقُّ العتمة البعيدة، فعرف أن الفجر الجديد لا يولد دائماً من الطمأنينة، بل أحياناً من قلب الرعب نفسه، حين يقرر الإنسان أخيراً أن يرى الحقيقة كما هي، لا كما اعتاد أن يهرب منها.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: هذيان
- قصة قصيرة: خدوش المرآة
- قصة قصيرة: ثقبٌ في جدار المخزن
- قصة قصيرة: بين الوهم والنجاة
- قصة قصيرة: على حافة الانتظار
- قصة قصيرة: هامش الانتماء
- قصة قصيرة: الملح الرمادي
- قصة قصيرة: بين الحياةِ وظلّها
- قصة قصيرة: حين سكنت الأشباح الماء
- قصة قصيرة: قسوة التجاهل
- قصة قصيرة: وهم النهاية
- قصة قصيرة: منابتُ أنثى
- قصة قصيرة: ما قبل السقوط الأخير
- قصة قصيرة: حِداد
- قصة قصيرة: في العمق قيودٌ خفية
- قصة قصيرة: لا زالت تنتظر
- بين شيخوخة الروح وولادة الرماد: تأملات في وهم الخلود الممتد، ...
- قصة قصيرة: الرحيل
- الصراع بين الوعي وثقافة الخوف: تأملات في رمزية تشكيل الهوية ...
- قصة قصيرة: فرخ الدجاجة


المزيد.....




- وفد من المثقفين والمؤسسات الدينية والشخصيات السياسية والثقاف ...
- الحكم على الممثلة الفرنسية إيزابيل أدجاني بالسجن وغرامة مالي ...
- علاقة مثلية بين طالبة وعميدة جامعة متزوجة تتحول إلى مسرحية أ ...
- الاستقالة.. ثقافة لا هزيمة
- بيرو.. دليل على فشل الإسبان في محو ثقافة الأندلس
- قبل عرض فيلم -شمشون ودليلة-.. مي عمر تبارك لزملائها رغم المن ...
- سوريا.. تأجيل حفل الفنان الأردني الأخرس في دمشق حدادا على ضح ...
- -صقر وكناريا-.. فيلم يكسب بالكوميديا قبل الإثارة
- مجلس الشعب الأول في سوريا الجديدة.. خريطة التمثيل وقائمة الم ...
- تضاعف مبيعات ملحمة -الأوديسة- لهوميروس عالميا بالتزامن مع قر ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: الفجرُ الجديد