أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: إنسانٌ يمنعني














المزيد.....

قصة قصيرة: إنسانٌ يمنعني


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8756 - 2026 / 7 / 4 - 23:03
المحور: الادب والفن
    


كان يسير في وضح النهار، تحت سماء خريفية تميل إلى البرودة، فيما تمتد أمامه أرض منبسطة بلا نهاية، قاحلة كأنها فقدت ذاكرتها مع الزمن. لا شجر، لا أثر لحياة، فقط امتداد صامت يبتلع الخطى ويضاعف الشعور بالوحدة.
حتى بلغ بناية ضخمة، بدت كأنها خرجت من زمنٍ منسيّ، جدرانها متآكلة، ونوافذها مثقلة بإهمال طويل. وما إن اقترب منها حتى باغتته أسراب من طائر البوم، حلّقت فجأة في السماء وأطلقت نعيقاً حاداً اخترق سكون المكان، فازداد اضطرابه وتوتره، كأن البناية لا تستقبله بل تحذّره.
تقدم بحذر داخل الممرات. كانت الرطوبة تملأ الجدران، والظلال تتكثف في زوايا شبه مظلمة، تتدلى منها خيوط بيضاء متفرقة كأنها بقايا زمنٍ لم يكتمل. وعلى السقوف، التصقت أعداد كبيرة من الخفافيش، تراقبه بصمتٍ مقلق، لا حركة فيها سوى ارتجاف أجنحة خافت.
واصل السير حتى انفتح أمامه فضاء دائري واسع، تحيط به قواعد مكعبة منخفضة، نُصبت فوقها تماثيل لأشخاص يعرفهم جيداً… أشخاص كانوا يتصدرون المجالس، ويملؤون الحياة حضوراً وكلاماً. توقف مذهولاً، وسأل نفسه بصوتٍ داخلي مرتجف:
- ما الذي حوّلهم إلى هذا؟ أحقاً ماتوا؟ أم أن في الأمر شيئاً آخر؟
اقترب أكثر من مركز الدائرة، فالتقت به نظرات التماثيل في صمتٍ ثقيل. وعلى اليد اليسرى لكل تمثال كان ثعبان ضخم يلتف حولها، يرفع رأسه نحو الأصابع الممتدة في اتجاهه، فاغراً فمه بأنياب حادة ولسان يرتجف بفحيحٍ مرعب. أما اليد اليمنى فكانت تمسك فأساً كبيرة مرفوعة إلى الأعلى، كأنها تستعد للانقضاض عليه في أي لحظة.
وفجأة، بدأت التماثيل تتحرك. أو هكذا بدا له. نزلت من قواعدها، وتقدمت نحوه بأجساد حجرية ثقيلة، ووقع أقدامٍ يهز الفراغ من حوله. كانوا يقتربون بصمتٍ مخيف، ثم انفجروا بصوتٍ واحد:
- لا بد أن تصير مثلنا… لا بد أن تصير معنا.
تراجع خطوة، ثم وجد صوته يخرج من داخله بقوة لم يعرفها من قبل، كأنه يتمسك بآخر ما تبقى فيه:
- لا… لا… لن أكون مثلكم. أنا ما زلت حيّاً… وفي داخلي إنسانٌ يمنعني.
لكن الدائرة كانت تضيق حوله شيئاً فشيئاً، والتماثيل تقترب أكثر، حتى صار محاصراً من كل الجهات. بدأت الأيدي الحجرية تهوي عليه، وارتفعت أصوات الضرب والارتطام، فاختلط الألم بالخوف، وارتفع صراخه في الفراغ.
ثم… فجأة، استيقظ.
كان جسده مبللاً بالعرق، وصدره يعلو ويهبط بعنف، وقلبه يطرق كطبولٍ لا تهدأ. مدّ يده المرتجفة إلى الماء، فشرب قليلاً محاولاً تهدئة ارتباكه.
أعاد ترتيب أنفاسه، وراح يسترجع ما رآه. أدرك أنه كان مجرد كابوس، لكنه لم يكن عادياً؛ كان أقرب إلى سؤالٍ داخلي مرعب: كيف يمكن للإنسان أن يتحول إلى تمثال حيّ، يفقد روحه وهو ما يزال يتنفس؟
وبقي صدى تلك العبارة يطارده: "إنسان يمنعني، في داخلي إنسان يمنعني"



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: ظلان
- قصة قصيرة: الفجرُ الجديد
- قصة قصيرة: هذيان
- قصة قصيرة: خدوش المرآة
- قصة قصيرة: ثقبٌ في جدار المخزن
- قصة قصيرة: بين الوهم والنجاة
- قصة قصيرة: على حافة الانتظار
- قصة قصيرة: هامش الانتماء
- قصة قصيرة: الملح الرمادي
- قصة قصيرة: بين الحياةِ وظلّها
- قصة قصيرة: حين سكنت الأشباح الماء
- قصة قصيرة: قسوة التجاهل
- قصة قصيرة: وهم النهاية
- قصة قصيرة: منابتُ أنثى
- قصة قصيرة: ما قبل السقوط الأخير
- قصة قصيرة: حِداد
- قصة قصيرة: في العمق قيودٌ خفية
- قصة قصيرة: لا زالت تنتظر
- بين شيخوخة الروح وولادة الرماد: تأملات في وهم الخلود الممتد، ...
- قصة قصيرة: الرحيل


المزيد.....




- هل يمكن أن تتمزق طبلة الأذن في الطائرة أو بسبب الموسيقى الصا ...
- رفضا للإبادة.. فنانو أسكتلندا يطالبون مهرجان إدنبرة بنبذ داع ...
- منتدى النقد الثقافي والدراسات الثقافية يحتفي بتجربة البيضاني ...
- مايا مناع: إقبال الجمهور على -أرض اللبان- يؤكد نجاح RT في بن ...
- RT تعرض فيلمها الوثائقي -أرض اللبان- في سلطنة عمان باحتفالية ...
- الكلفة الإنسانية للرفاهية الغربية.. من مذبحة سفينة -زونغ- إل ...
- مروان خوري يعود إلى سوريا.. ليلة غنائية مجانية على مسرح معرض ...
- أيمن زيدان يكسر صمته ويرد على حملة -كيماوي الوطن ولا بارفان ...
- -حي الطفايلة- في عمّان.. كيف تحوّل سفح جبل فقير إلى -عاصمة ل ...
- الثقافة تعزز التقارب الروسي الجزائري


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: إنسانٌ يمنعني