أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - الحمار الذي عاد إلى البرلمان .














المزيد.....

الحمار الذي عاد إلى البرلمان .


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8729 - 2026 / 6 / 7 - 09:18
المحور: قضايا ثقافية
    


في بلادٍ يبدو فيها الزمنُ كأنه يدور في طاحونةٍ عمياء، لا يتقدّم خطوةً إلا ليعود خطوتين إلى الوراء، تذكّرتُ حكاية جحا وحماره، لا لأنها طرفةٌ تُروى في المجالس للتسلية، بل لأنها تكاد تكون وثيقةً سياسيةً تصلح لشرح بعض ما يجري في أوطانٍ اعتادت أن تضع يدها في النار ثم تسأل بدهشةٍ عن سبب الاحتراق.خرج جحا إلى السوق يبحث عن حمار، وخرج المواطن إلى صندوق الاقتراع يبحث عن وطن. كلاهما كان يظن أنه يعرف ما يريد، وكلاهما عاد وهو يجرّ وراءه وهماً أكبر من الذي خرج به. اللص في الحكاية لم يسرق الحمار فقط، بل سرق قدرة الضحية على الشك، وسرق منه نعمة السؤال، وسرق منه أبسط أدوات العقل حين جعل الكذبة أكبر من أن تُصدّق فصدّقها جحا، لأن الإنسان أحياناً لا يقتنع بالحقيقة بقدر ما يتعلق بالوهم الذي يريحه من عناء التفكير.وفي كل موسم انتخابي يعود المشهد نفسه وكأن البلاد قد تحولت إلى مسرحٍ كبير يُعاد فيه العرض ذاته منذ عشرين عاماً والجمهور نفسه يصفق في المشهد نفسه ويضحك في الموضع نفسه ويبكي في الموضع نفسه ثم يخرج مقتنعاً بأنه شاهد مسرحية جديدة. النائب الذي دخل البرلمان فقيراً يخرج منه ثرياً، والذي وعد بالإصلاح يعود محاطاً بالحراس والقصور والعقود والمكاتب، والذي أقسم أن يحارب الفساد يختفي اسمه بين ملفات الفساد حتى يصبح من الصعب التفريق بين الشرطي واللص، وبين الطبيب والمرض، وبين الحارس والسارق.والمفارقة ليست في وجود اللصوص، فالتاريخ البشري لم يعرف زمناً خالياً منهم، وإنما في قدرة بعض الشعوب على إعادة اكتشاف اللص نفسه في كل دورة انتخابية ثم منحه مفاتيح الخزينة مرة أخرى. كأن المواطن يقف أمام صندوق الاقتراع مثل جحا أمام حماره المسروق، فيرى العلامات كلها، ويرى آثار النهب كلها، ويرى الطرق المحطمة، والمدارس المتهالكة، والمستشفيات التي تتنفس بالأجهزة، والشباب الذين يهاجرون بحثاً عن فرصة حياة، ثم يقترب من الورقة الانتخابية ويهمس للنائب ذاته: يبدو أنك لم تتعلم الدرس بعد، تفضل هذه المرة أيضاً.لقد تحولت السياسة في بعض الأحيان إلى علمٍ غريب لا يقوم على الإنجاز بل على قوة الذاكرة القصيرة، فكلما ازداد الفشل اتسعت الخطابات، وكلما اتسعت الهوة بين الحاكم والمحكوم ازدادت اللافتات الملونة، وكلما تراكمت الأزمات ارتفعت صور المنقذين الذين لم ينقذوا أحداً. وهكذا يصبح الخراب نفسه مادةً انتخابية، وتتحول المصيبة إلى برنامج عمل، ويصبح سبب الأزمة هو نفسه المرشح لعلاجها.أما النائب فيقف مثل ذلك اللص البارع الذي اكتشف أن أعظم السرقات ليست التي تُرتكب في الظلام، بل تلك التي تُرتكب أمام الناس ثم تُقابل بالتصفيق. فهو لا يحتاج إلى إخفاء الحمار، ولا إلى تغيير الحبل، ولا إلى الهرب بعيداً، يكفيه أن يروي قصةً مناسبة وأن يجد من يريد تصديقها. مرةً تكون المؤامرة، ومرةً تكون الظروف، ومرةً تكون الحكومات السابقة، ومرةً يكون الطقس، ومرةً يكون التاريخ كله مسؤولاً إلا المسؤول الحقيقي.
ولعل أكثر ما يثير التأمل أن المواطن يغضب طوال أربع سنوات، يشكو من البطالة وغلاء الأسعار وسوء الخدمات وانقطاع الكهرباء وازدحام المؤسسات، ثم يأتي يوم الاقتراع فيتعامل مع ذاكرته كما يتعامل المسافر مع حقيبة ثقيلة فيتركها عند باب المركز الانتخابي ويدخل خفيفاً من كل التجارب السابقة. عندها يبتسم السياسي العجوز مطمئناً، فالمشكلة لم تعد في سوء الإدارة بل في قدرة الوعود على هزيمة الذاكرة.
وهكذا تستمر الحكاية؛ جحا يشتري الحمار، واللص يسرق الحمار، وجحا يصدق الحكاية، ثم يعود إلى السوق ليجد الحمار نفسه في المكان نفسه. الفرق الوحيد أن الحمار في قصتنا الحديثة لا يقف في سوق الحيوانات، بل يقف على لافتة انتخابية ضخمة، يبتسم للكاميرات، ويعد الناس بمستقبلٍ مشرق، بينما يقف كثيرون أمامه وقد سمعوا القصة كلها من قبل، ثم يقررون أن يمنحوه فرصةً جديدة، وكأن المأساة ليست في أن الحمار عاد إلى السوق، بل في أن السوق كله ما زال يصرّ على أنه لم يره من قبل.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- «لاهوتُ الكرةِ العراقية: كيف نصنعُ آلهتَنا ثم نبحثُ عن وطن؟»
- «خراب يبدأ من القاموس»
- لماذا سقط صدام والقذافي وبقيت إيران؟
- الدوثراكية العراقية: سيرةُ دولةٍ أضاعت الحصانَ واحتفظت بالصه ...
- أمام أنظار رئيس الوزراء العراقي.
- «الثراء الذي يقف في الطابور»
- العراق... مملكة الأصفار المفقودة.
- هيأة التقاعد.. جمهورية الأرقام التي لا تنام .
- جمهورية المرايا الكاذبة.
- ملف السجون السرية بعد 2003.
- كيف تقتلُ أمةً دون أن تُطلقَ رصاصة؟
- الاكتشافُ الذي جعلَ التكنولوجيا تنتحر في العراق.
- العراق بين راعي الصخول وتفلة الملا... ..
- التخريب الذي لا يُرى.
- دموع المتقاعدُ العراقي… هل يسمعُ اللهُ صريرَ عظامِ الوطن؟
- الموت الأخلاقي للمثقف العربي .
- نهاية الأقنعة… وبداية الدولة .
- منظماتٌ تُعلّقُ الوطنَ على جدارِ الشهادات.
- المتقاعدون في العراق… موتٌ بطيء برواتب هزيلة.
- الدولة التي تأكل نفسها.


المزيد.....




- فيديو لمستوطنين وجندي إسرائيلي يضربون فلسطينيين حتى فقد أحده ...
- ترامب: لم أعد بضمان عدم اندلاع حروب
- ترامب: المفاوضات مع إيران تركزت على سد -ثغرة- بشأن برنامجها ...
- -لغة القوة-.. قاليباف يعلق بعد قصف إسرائيل الضاحية الجنوبية ...
- إسرائيل تواجه ارتفاعاً غير مسبوق في عدد الإصابات النفسية بين ...
- لماذا تتزايد الانتقادات الأمريكية للسياسات الأوروبية؟
- ديفيد لامي يرد على فانس ويصف تصريحاته بشأن الهجرة بأنها -خطأ ...
- 10 قتلى فلسطينيين في غارات إسرائيلية على غزة بينهم مدنيون وض ...
- قبيل اجتماع لندن.. ضربات روسية قرب تشيرنوبل وموسكو تسقط مئات ...
- خبير عسكري: النبطية فخ إستراتيجي لإسرائيل ومعركة استنزاف مكل ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - الحمار الذي عاد إلى البرلمان .