أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - «خراب يبدأ من القاموس»














المزيد.....

«خراب يبدأ من القاموس»


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8728 - 2026 / 6 / 6 - 10:10
المحور: قضايا ثقافية
    


ليست الأمم تُهزم دائمًا على أسوار المدن، ولا تُكسر جيوشها بالمدافع وحدها، فثمة هزائم أكثر هدوءًا وأشد فتكًا من صليل السيوف وأزيز الرصاص، هزائم تبدأ حين يُنتزع المفتاح الأول للعقل من يد الطفل، وحين تُغلق الأبواب التي كان يدخل منها النور إلى الوعي، وحين تتحول اللغة من جناحين يحلّق بهما الإنسان فوق آفاق المعرفة إلى قفص ضيق لا يرى من خلاله إلا حدود غرفته الصغيرة.فاللغة ليست ألفاظًا تُقال، ولا أصواتًا تتردد في الهواء ثم تتلاشى، وإنما هي المادة الخام التي يُصاغ منها الفكر، وهي الوعاء الذي تتشكل داخله الصور والمعاني والأحلام والأسئلة، وكل كلمة جديدة يكتسبها الطفل ليست حرفًا يُضاف إلى قاموسه، بل نافذة جديدة تُفتح في عقله، وكل معنى يتعلمه هو طريق آخر يُشق داخل غابة الإدراك الإنساني. ولذلك لم يكن عبثًا أن ترتبط نهضات الأمم الكبرى باتساع لغاتها، وأن يقترن انحطاطها بانكماش المفردات وضيق التعبير وتراجع القدرة على تسمية الأشياء.إن الطفل الذي يولد في بيئة غنية باللغة لا يرث الكلمات فقط، بل يرث معها القدرة على التفكير المركب، وعلى التمييز بين الدقيق والأدق، وبين الفكرة وظلها، وبين الحقيقة وتأويلاتها، أما الطفل الذي يُحاصر داخل دائرة لغوية ضيقة فإنه يُجبر على رؤية العالم بألوان أقل وأبعاد أقل، لأن العقل لا يفكر خارج الأدوات التي يمتلكها، واللغة هي أعظم تلك الأدوات وأخطرها.ومن هنا يمكن فهم السر الذي جعل الحضارة العربية الإسلامية تنظر إلى الكلمة بوصفها فعلًا من أفعال البناء الحضاري، لا مجرد وسيلة للتخاطب، فكانت الكتاتيب القديمة، على ما فيها من تفاوت في الأساليب والوسائل، فضاءات يتعرف فيها الطفل مبكرًا إلى اللغة الفصحى، ويخالط تراكيبها وصورها وإيقاعاتها، ويصبح النص القرآني جزءًا من ذاكرته السمعية واللغوية قبل أن يصبح مادة للحفظ والاستظهار. وكان القرآن بالنسبة لأجيال طويلة مدرسة لغوية هائلة، لا لأنه كتاب لغة فحسب، بل لأنه نص منح العربية أعلى درجات كثافتها البيانية والجمالية والدلالية، فجعل الطفل يتعامل مع مفردات وتراكيب تفوق عمره الزمني بكثير.ولم تكن القضية يومًا قضية حفظ مجرد، كما يتصور البعض، بل قضية تماس يومي مع لغة عليا ترتفع بالذائقة وتوسع المدارك وتدرب اللسان على الفصحى، ولهذا خرج من تلك البيئات علماء وشعراء وقضاة وفلاسفة ومؤرخون، لم يكن معظمهم أبناء طبقات مرفهة، بل أبناء قرى وأحياء بسيطة، غير أنهم امتلكوا ثروة لغوية جعلتهم قادرين على اقتحام عوالم العلم والمعرفة.إن الاستعمار، أينما حلّ، لم يكن يخشى البنادق وحدها، بل كان يخشى قبل ذلك العقول القادرة على إنتاج البنادق والأفكار معًا، ولذلك كان الصراع على التعليم دائمًا جزءًا من الصراع على الأرض والهوية. أما الروايات التي تتحدث عن دراسات استعمارية سرية خلصت إلى أن سبب قوة المسلمين هو الكتاتيب وحدها، فهي روايات متداولة تحتاج إلى تدقيق تاريخي ومراجعة علمية، غير أن جوهر الفكرة يبقى جديرًا بالتأمل؛ فكل قوة استعمارية أدركت أن السيطرة الحقيقية لا تبدأ من احتلال الجغرافيا، بل من إعادة تشكيل الوعي، وأن الطفل الذي يُعاد تشكيل لغته يُعاد تشكيل مستقبله كله.
لقد اكتشف العالم الحديث ما كان يدركه القدماء بالفطرة؛ أن السنوات الأولى من عمر الإنسان هي أخطر سنوات التكوين العقلي، وأن الدماغ في تلك المرحلة يبني ملايين الروابط المعرفية التي لن تتكرر بالكثافة نفسها لاحقًا. ولهذا تتسابق الأمم المتقدمة إلى إغراق أطفالها بالقصص والمفردات والحوارات والقراءة المبكرة، لأنها تعلم أن الاستثمار الحقيقي ليس في النفط ولا في المصانع، بل في الكلمة الأولى التي يسمعها الطفل، وفي الكتاب الأول الذي يقع بين يديه.والمأساة ليست في وجود العامية، فالعاميات جزء طبيعي من حياة الشعوب، وإنما المأساة حين تصبح العامية العالم اللغوي الوحيد للطفل، فينشأ غريبًا عن لغته الأم المكتوبة، يحتاج إلى مترجم بين بيته ومدرسته، وبين لسانه اليومي وكتابه الدراسي، وكأنه يعيش انقسامًا لغويًا مبكرًا يستهلك جزءًا من طاقته العقلية بدل أن يوجهها نحو الاكتشاف والإبداع.إن الأمة التي تفقد لغتها الرفيعة لا تفقد الكلمات فقط، بل تفقد القدرة على إنتاج المعنى، وحين يضيق المعنى يضيق الخيال، وحين يضيق الخيال يضيق المستقبل كله. وما أكثر ما نرى اليوم من أجيال تحفظ أسماء آلاف المنتجات والعلامات التجارية والنجوم العابرين، لكنها تعجز عن كتابة فقرة سليمة أو قراءة صفحة واحدة بتركيز عميق، وكأننا نعيش زمن الوفرة المعلوماتية والفقر المعرفي في آن واحد.ولعل السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس: كيف كان الأجداد يحفظون؟ بل كيف كانوا يبنون تلك الصلة العضوية بين الطفل واللغة؟ وكيف استطاعوا أن يجعلوا الفصحى جزءًا من الحياة اليومية لا مادة دراسية جامدة؟ وكيف يمكن لنا اليوم أن نستعيد ذلك الجوهر بروح العصر وأدواته الحديثة، بعيدًا عن الجمود من جهة، وبعيدًا عن القطيعة مع التراث من جهة أخرى؟.. فالأمم لا تُبعث من ركامها بالشعارات، وإنما تُبعث حين يعود الطفل إلى مركز المشروع الحضاري، وحين تدرك المجتمعات أن المعركة الكبرى ليست على ما يوجد تحت الأرض، بل على ما يُزرع في العقول فوقها، وأن أخطر أنواع الفقر ليس فقر المال، بل فقر المفردات، لأن الجائع قد يجد رغيفًا يسد رمقه، أما الفقير إلى اللغة فإنه يفقد القدرة على فهم العالم وتغييره.وهكذا يبقى السؤال معلقًا فوق حاضرنا العربي كجرس إنذار طويل: هل خسرنا اللغة فخسرنا معها القدرة على التفكير العميق؟ أم أننا ما زلنا نملك فرصة العودة إلى منابع الكلمة الأولى، حيث يبدأ بناء الإنسان قبل أن يبدأ بناء الأوطان؟



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لماذا سقط صدام والقذافي وبقيت إيران؟
- الدوثراكية العراقية: سيرةُ دولةٍ أضاعت الحصانَ واحتفظت بالصه ...
- أمام أنظار رئيس الوزراء العراقي.
- «الثراء الذي يقف في الطابور»
- العراق... مملكة الأصفار المفقودة.
- هيأة التقاعد.. جمهورية الأرقام التي لا تنام .
- جمهورية المرايا الكاذبة.
- ملف السجون السرية بعد 2003.
- كيف تقتلُ أمةً دون أن تُطلقَ رصاصة؟
- الاكتشافُ الذي جعلَ التكنولوجيا تنتحر في العراق.
- العراق بين راعي الصخول وتفلة الملا... ..
- التخريب الذي لا يُرى.
- دموع المتقاعدُ العراقي… هل يسمعُ اللهُ صريرَ عظامِ الوطن؟
- الموت الأخلاقي للمثقف العربي .
- نهاية الأقنعة… وبداية الدولة .
- منظماتٌ تُعلّقُ الوطنَ على جدارِ الشهادات.
- المتقاعدون في العراق… موتٌ بطيء برواتب هزيلة.
- الدولة التي تأكل نفسها.
- في سوق الظلال… تُباع البلاد بصوتٍ خافت.
- مهرجان الوجوه… وجنازة الفكرة.


المزيد.....




- شاهد.. العثور على جثة ممثل أمريكي شهير بعد مكالمة طوارئ غريب ...
- شاهد.. أمواج عاتية تضرب مطعمًا وتغمر الشوارع في هاواي
- أبرز ما كشفه مستشار خامنئي من خبايا دوائر صنع القرار وما سيح ...
- صوب دول خليجية.. فيديو وتقديرات أولية لاعتراض أمريكا هجوما إ ...
- أول بيان من الحرس الثوري بعد استهداف مناطق ساحلية إيرانية بض ...
- -أنقذ بلادك سيادة الرئيس-.. وزير خارجية إيران يرد على رئيس ل ...
- مباشر: الجيش الأمريكي يعلن اعتراض 7 صواريخ إيرانية أطلقت على ...
- كيم يزور مدمرة ويتحدث عن -الردع النووي والضربة القاضية-
- رصد الدودة آكلة اللحم الحي مجددا في ولاية أميركية
- المليارات المجمدة.. كيف تعرقل اتفاق واشنطن وطهران؟


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - «خراب يبدأ من القاموس»