أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - العراق... مملكة الأصفار المفقودة.














المزيد.....

العراق... مملكة الأصفار المفقودة.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8725 - 2026 / 6 / 3 - 11:15
المحور: قضايا ثقافية
    


في العراق، لا شيء يموت إلا الحقيقة، ولا شيء يشيخ إلا المواطن، أما الفساد فشجرة مباركة في أرض العجائب، تُسقى من أنهار الوعود وتثمر مواسم من الخيبات. هنا تتبدل الحكومات كما تتبدل الفصول، وتُرفع الشعارات كما تُرفع اللافتات في الأعياد، لكن المواطن يظل واقفاً في المكان نفسه، يحدق في أفق بعيد يشبه السراب، يركض نحوه كلما وعده السياسيون بمستقبل أفضل، ثم لا يجد سوى حفنة جديدة من الغبار.العراق بلدٌ غريب في هندسته السياسية؛ فكلما ازداد النفط تدفقاً ازداد الفقير فقراً، وكلما ارتفعت الموازنات انخفضت الخدمات، وكلما كثرت الخطب عن النزاهة ازداد عدد الملفات المختومة بعبارة "قيد التحقيق". وكأننا أمام مسرحية عبثية طويلة لا يريد أحد إسدال الستار عليها، لأن الممثلين يعرفون أن انتهاء العرض يعني بدء الحساب.العجيب أن المواطن العراقي أصبح خبيراً في علم المفارقات؛ فهو يرى المدارس التي تحتاج إلى مدارس، والمستشفيات التي تحتاج إلى أطباء قبل المرضى، والشوارع التي تحولت إلى متاحف للحفر، ثم يسمع في نشرات الأخبار عن أرقام فلكية صُرفت هنا وهناك، فيتساءل إن كانت تلك الأموال قد هبطت على كوكب آخر يحمل الاسم نفسه. لقد أصبح المال العام في المخيلة الشعبية كالمخلوقات الأسطورية، الجميع يتحدث عنه، لكن لا أحد يراه.ومن أغرب ما أنتجته سنوات الفوضى أن بعض المسؤولين يتحدثون عن التقشف من خلف نوافذ القصور، وعن الصبر من مقاعد السيارات المصفحة، وعن التضحية من أرصدة لا تستطيع الآلات الحاسبة إحصاء أصفارها. أما المواطن، ذلك الكائن الذي يدفع الثمن دائماً، فقد صار مطالباً بأن يتحمل، ويصبر، ويصمت، ويشكر، ويصفق، وربما يبتسم أيضاً كي لا يُتهم بالتشاؤم.لقد تحولت الوعود في العراق إلى صناعة وطنية كبرى. تُصنع بكميات هائلة قبل الانتخابات، ثم تُرمى بعد انتهاء موسم التصويت كما تُرمى علب الألعاب النارية بعد الاحتفال. وكم من مسؤول وعد بالقضاء على الفساد، فإذا بالفساد يخرج من المؤتمر الصحفي أكثر صحة وعافية من ذي قبل، وكأنه حصل على جرعة منشطات لا على حكم بالإعدام.
إن المشكلة الحقيقية ليست في لص يسرق مالاً، فالتاريخ مليء باللصوص، بل في منظومة تجعل السرقة وجهة نظر، والهدر خطأً إدارياً، والفضيحة خبراً عابراً، ثم تطلب من الناس أن يثقوا بأن الغد سيكون أجمل. وما دام الفاسد يعتقد أن المنصب حصن، وأن النفوذ جواز مرور، وأن القانون يُطبق على الضعفاء أكثر مما يُطبق على الأقوياء، فإن الخراب سيبقى يجد له مقعداً دائماً على مائدة الدولة. ولهذا فإن الحديث عن الإصلاح لا يبدأ بخطاب جديد ولا بشعار جديد، بل بمحاسبة حقيقية لا تفرق بين كبير وصغير، ولا بين صاحب عمامة وربطة عنق، ولا بين حزب وآخر، ولا بين مسؤول سابق أو لاحق. فالدولة التي لا تحاسب لصوصها تتحول بالتدريج إلى شريك في الجريمة، والدولة التي تخاف من كشف الحقيقة تترك الباب مفتوحاً لمزيد من الكوارث.إن العراقي لم يعد يريد معجزات، ولا يبحث عن فردوس سياسي، ولا ينتظر مدينة أفلاطون الفاضلة. كل ما يريده أن يرى القانون وهو يمشي على قدميه لا على الورق، وأن يرى المال العام يعود إلى أصحابه الحقيقيين، وأن يشعر بأن المناصب تكليف لا غنيمة، وأن يعرف أن من يعبث بمقدرات البلاد سيقف يوماً أمام العدالة مهما طال الزمن.
أما السراب الذي أُطعمناه لعقود، فقد آن له أن ينتهي. فالأوطان لا تُبنى بالخطب، ولا تُدار بالشعارات، ولا تُحمى بالمجاملات، بل تُصان بالمحاسبة الصارمة والشفافية والشجاعة في مواجهة الفساد أينما كان. وعندها فقط قد يكتشف العراقي أن ما كان يطارده طوال هذه السنوات لم يكن مستقبلاً ضائعاً، بل حقيقة محتجزة خلف أبواب المصالح والنفوذ.
ويبقى السؤال معلقاً فوق سماء البلاد كجرس لا يتوقف عن الرنين: كم ملفاً يجب أن ينكشف بعد؟ وكم ثروة يجب أن تضيع بعد؟ وكم جيلاً يجب أن يدفع الثمن بعد؟ قبل أن تدرك الدولة أن أخطر ما يسرقه الفساد ليس المال، بل أعمار الناس وأحلامهم وثقتهم بوطن كان يستحق مصيراً أجمل من كل هذا السراب.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هيأة التقاعد.. جمهورية الأرقام التي لا تنام .
- جمهورية المرايا الكاذبة.
- ملف السجون السرية بعد 2003.
- كيف تقتلُ أمةً دون أن تُطلقَ رصاصة؟
- الاكتشافُ الذي جعلَ التكنولوجيا تنتحر في العراق.
- العراق بين راعي الصخول وتفلة الملا... ..
- التخريب الذي لا يُرى.
- دموع المتقاعدُ العراقي… هل يسمعُ اللهُ صريرَ عظامِ الوطن؟
- الموت الأخلاقي للمثقف العربي .
- نهاية الأقنعة… وبداية الدولة .
- منظماتٌ تُعلّقُ الوطنَ على جدارِ الشهادات.
- المتقاعدون في العراق… موتٌ بطيء برواتب هزيلة.
- الدولة التي تأكل نفسها.
- في سوق الظلال… تُباع البلاد بصوتٍ خافت.
- مهرجان الوجوه… وجنازة الفكرة.
- القانون يجرؤ… والهيبة تتوسّل .
- وطن يُجبِي أبناءه بدل أن يُعلِّمهم .
- البصرة… ذاكرةُ الضوء وسيرةُ العين التي تعلّمت أن ترى .
- العراق… حين يتبدّل القاتل ولا تتبدّل الجريمة..
- في مقام الدولة… حين يصبح العدل لغة الحكم.


المزيد.....




- لحظة اصطدام سيارة بمنزل سكني في فلوريدا.. شاهد ما حدث
- جنح القاهرة الجديدة تقضي بحبس دومة سنة مع الشغل لدفاعه عن حق ...
- طهران تتوعد بـ-سيل من الصواريخ والمسيّرات- في حال تجدد الهجم ...
- مقتل شخص وأكثر من 60 جريحا في هجوم بمسيرات وصواريخ ‌إيرانية ...
- ألبوم -نفس- لسلوى جرادات: مقاربة موسيقية أصيلة لنصوص شاعرات ...
- لبنان: مقتل 6 أشخاص باستهداف إسرائيلي لسيارة قرب مدينة صور
- بين النفقة والسكن.. معاناة المطلقات في مصر
- ماكرون يلتقي وزير الداخلية الجزائري والبلدان يتفقان على تعزي ...
- تنسيق قطري سعودي لدعم جهود الوساطة وخفض التصعيد بالمنطقة
- قوى سودانية تتمسك بحوار داخلي وترفض شرعنة الدعم السريع


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - العراق... مملكة الأصفار المفقودة.