أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - ملف السجون السرية بعد 2003.














المزيد.....

ملف السجون السرية بعد 2003.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8706 - 2026 / 5 / 15 - 11:20
المحور: قضايا ثقافية
    


في البلاد التي تعلمت أن تبني جدرانها أعلى من أحلام أطفالها، لم تعد السجون مجرد بنايات من إسمنت وحديد، بل تحولت إلى فلسفة حكم كاملة، إلى عقلية تتنفس الخوف وتقتات على الرعب وتنام على أصوات المعذبين وكأن أنين البشر صار موسيقى وطنية تُعزف كل مساء على نشرات الأخبار ثم يُطلب من الناس بعدها أن يصفقوا للديمقراطية وهي تمرّ بثياب ممزقة ووجه مخضب بالكدمات. بعد عام 2003 لم يسقط النظام فقط، بل سقطت معه الأقفال القديمة لتولد أقفال أكثر دهاءً، وأشد قسوة، وأقل خجلًا، إذ لم يعد الجلاد يرتدي بزته وحده، بل صار يرتدي ألف قناع، مرة باسم الطائفة، ومرة باسم الأمن، ومرة باسم القانون، ومرة باسم الوطن، حتى ضاع الوطن بين كثرة الذين يقتلون باسمه.
كان العراقي يحلم أن يفتح باب بيته على صباح يشبه الحياة، فإذا به يفتح الباب على رجال ملثمين لا تعرف هل جاءوا من الدولة أم من شهوة الانتقام، يقتحمون الليل كما تقتحم الذئاب حظائر الغنم، يتركون خلفهم أمًا ترتجف، وزوجة تسأل الجدران عن زوجها، وطفلًا يظن أن أباه اختفى داخل الظلام نفسه. ومنذ تلك اللحظة تبدأ رحلة الإنسان داخل متاهة لا عنوان لها، فلا مذكرة توقيف واضحة، ولا محكمة تعرف مصيره، ولا سجان يملك الجرأة ليقول له لماذا جئت إلى هنا، كأن البلاد دخلت عصرًا جديدًا من العبث، حيث يتحول المواطن إلى شبهة تمشي على قدمين، ويصبح التنفس دون إذن تهمة محتملة.السجون السرية لم تكن مجرد أماكن خفية تحت الأرض، بل كانت صورة خفية للعراق نفسه، عراق يعيش فوق الخوف وتحته، عراق يرفع شعارات العدالة فيما تُكسر عظام الناس في الأقبية الرطبة، عراق يتحدث عن حقوق الإنسان بينما الإنسان نفسه يُعلق من يديه كقطعة غسيل قديمة لا قيمة لها. والمفارقة الساخرة أن الذين كانوا يبكون بالأمس من ظلم السجون صاروا اليوم خبراء في تصميم الزنزانات، وكأن السلطة في هذه البلاد ليست كرسيًا للحكم بل دورة تدريبية متقدمة في صناعة القسوة.في العراق بعد 2003 أصبح التعذيب لغة رسمية غير معلنة، لغة يتقنها الجميع بصمت مهيب، فالضابط يعرف، والمسؤول يعرف، والسياسي يعرف، وحتى المواطن البسيط صار يعرف لكنه يخاف أن يتكلم، لأن الكلام نفسه قد يقوده إلى غرفة ضيقة لا يعود منها إلا صدى صوته. وهكذا تحولت الحقيقة إلى يتيم في بلد مزدحم بالشعارات. كم هو غريب أن تُبنى الوزارات الجديدة فيما تبقى أقبية التعذيب أكثر تطورًا من المدارس والمستشفيات، وكأن الدولة قررت أن تستثمر في الألم أكثر من استثمارها في الإنسان.كانت الاعترافات تُنتزع كما تُنتزع المسامير من الخشب، لا بحثًا عن الحقيقة بل بحثًا عن انتصار وهمي على جسد أعزل. صار الجسد العراقي خريطة مفتوحة للكدمات والحروق وآثار الأسلاك الكهربائية، حتى بدا وكأن الكهرباء التي فشلت الدولة في إيصالها للبيوت نجحت فقط في الوصول إلى أجساد المعتقلين. يا لها من سخرية سوداء أن يصبح التعذيب الخدمة الحكومية الوحيدة التي تعمل بلا انقطاع.لكن المأساة الأعمق ليست في السجن نفسه، بل في اعتياد المجتمع عليه، في تحول أخبار المعتقلين إلى تفاصيل يومية باردة تمرّ كأنها نشرات طقس، وفي أن العراقي صار يخاف على ابنه من رأيه أكثر مما يخاف عليه من المرض والجوع. حين يصل المجتمع إلى هذه المرحلة فإنه لا يخسر حريته فقط، بل يخسر روحه أيضًا. لأن أخطر أنواع السجون ليست تلك التي تُغلق بالأبواب الحديدية، بل تلك التي تُبنى داخل الإنسان نفسه، حين يخاف أن يفكر، أو يتكلم، أو يحلم.السياسيون كانوا يتحدثون عن المصالحة الوطنية بينما كانت الزنازين تمتلئ بأبناء الوطن نفسه، يتحدثون عن بناء الدولة فيما الدولة الحقيقية كانت تُبنى داخل غرف التحقيق لا داخل البرلمان. وكلما ازداد عدد المؤتمرات عن الديمقراطية ازداد عدد الذين يختفون بلا أثر، حتى بدا المشهد العراقي كأنه مسرحية عبثية كتبها كافكا تحت القصف. وطن يطالب الناس فيه بالإيمان بالقانون بينما القانون نفسه معصوب العينين ومكمم الفم.إن السجون السرية ليست حادثة عابرة في التاريخ العراقي، بل نتيجة طبيعية لعقلية ترى المواطن خطرًا دائمًا لا إنسانًا له كرامة. وحين تتحول السلطة إلى خوف، يتحول الوطن كله إلى زنزانة كبيرة تختلف فيها أحجام الأقفاص فقط. وربما لهذا السبب ما زال العراقي حتى اليوم يمشي بحذر، يتحدث بحذر، يضحك بحذر، كأن البلاد كلها كاميرا مراقبة ضخمة تخشى حتى من تنهيدة مواطن متعب.ومع ذلك، وسط هذا الخراب، يبقى السؤال الفلسفي معلقًا فوق رؤوس الجميع: ماذا يفعل التعذيب بدولة تدّعي أنها تريد بناء المستقبل؟ الحقيقة أن التعذيب لا يبني دولة، بل يبني أحقادًا مؤجلة، ولا يصنع أمنًا بل يصنع ذاكرة دامية تتناسل داخل الأجيال. فالإنسان الذي يخرج من الزنزانة لا يخرج كما دخل، والوطن الذي يعتاد على السجون السرية لا يعود وطنًا كامل الروح، بل يتحول إلى كائن مذعور يبتسم نهارًا ويبكي في السر.إن البلاد التي لا تواجه ملفات التعذيب بشجاعة ستبقى أسيرة ماضيها مهما غيرت وجوه الحكام والأعلام والشعارات، لأن العدالة ليست بيانًا سياسيًا ولا مؤتمرًا صحفيًا، العدالة أن يشعر الإنسان أنه لا يمكن أن يُسحب من بيته إلى العدم فقط لأن أحدهم أراد ذلك. العدالة أن تكون الدولة أمًا لا جلادًا، وأن يكون القانون باب نجاة لا باب مقبرة.وربما سيأتي يوم يكتشف فيه الجميع أن أخطر ما في السجون السرية لم يكن ما جرى داخلها فقط، بل ما فعلته خارجها، كيف جعلت الناس تشك ببعضها، وكيف سرقت الطمأنينة من البيوت، وكيف علمت العراقي أن الخوف قد يطرق الباب في أي لحظة دون موعد. عندها فقط سيدرك الجميع أن الوطن لا يُقاس بعدد السجون التي يملكها، بل بعدد الناس الذين ينامون فيه دون خوف.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كيف تقتلُ أمةً دون أن تُطلقَ رصاصة؟
- الاكتشافُ الذي جعلَ التكنولوجيا تنتحر في العراق.
- العراق بين راعي الصخول وتفلة الملا... ..
- التخريب الذي لا يُرى.
- دموع المتقاعدُ العراقي… هل يسمعُ اللهُ صريرَ عظامِ الوطن؟
- الموت الأخلاقي للمثقف العربي .
- نهاية الأقنعة… وبداية الدولة .
- منظماتٌ تُعلّقُ الوطنَ على جدارِ الشهادات.
- المتقاعدون في العراق… موتٌ بطيء برواتب هزيلة.
- الدولة التي تأكل نفسها.
- في سوق الظلال… تُباع البلاد بصوتٍ خافت.
- مهرجان الوجوه… وجنازة الفكرة.
- القانون يجرؤ… والهيبة تتوسّل .
- وطن يُجبِي أبناءه بدل أن يُعلِّمهم .
- البصرة… ذاكرةُ الضوء وسيرةُ العين التي تعلّمت أن ترى .
- العراق… حين يتبدّل القاتل ولا تتبدّل الجريمة..
- في مقام الدولة… حين يصبح العدل لغة الحكم.
- شرف الكلمة في زمن السقوط: أزمة المصداقية في الإعلام العربي-
- اختلال ميزان الغيرة بين ستر المعصية والطعن في المقدّس.
- بين القلب والفؤاد: حين يفكّر الشعور… ويحترق المعنى.


المزيد.....




- إيران أعدت آلية لإدارة حركة المرور في مضيق هرمز، وغارات إسرا ...
- هل يعود ملف خاشقجي إلى الواجهة الدولية؟ خطوة قضائية فرنسية ت ...
- مداهمات وتفتيش منازل المدنيين: توغلات إسرائيلية جديدة بريف ا ...
- إقامة نهائي يوروفيجن في فيينا وسط مقاطعة واحتجاجات بسبب غزة ...
- رفضاً لإسقاطها من الوعي.. فلسطينيو 48 يعودون إلى القرى المهج ...
- زواجك الهادئ لا يعني أن علاقتك بخير.. ما الذي يقوله علم النف ...
- الحرب القذرة في البلديات.. هل تنجح فرنسا في ردع أدوات التأثي ...
- بينها قوات برية لاستخراج اليورانيوم.. خطط أمريكية للعودة لقص ...
- استنفار أمني بلندن.. مسيرة لليمين تقابلها مظاهرة مؤيدة لفلسط ...
- نحن في قبضة الأرض ولا شيء يهزم الجغرافيا


المزيد.....

- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - ملف السجون السرية بعد 2003.