أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - جمهورية المرايا الكاذبة.














المزيد.....

جمهورية المرايا الكاذبة.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8724 - 2026 / 6 / 2 - 22:11
المحور: قضايا ثقافية
    


في العراق لا تموت الحكايات، بل تتقمص وجوهًا جديدة وتعود إلى المسرح ذاته، كأن الزمن هنا لا يسير إلى الأمام بل يدور حول نفسه مثل حصانٍ معصوب العينين يجرّ طاحونةً لا تنتج سوى الغبار. وما أشد غرابة هذا البلد الذي كلما حلم بالخلاص استيقظ على نسخة جديدة من الوهم، وكلما فتح نافذة للأمل دخلت منها رياح التكرار، حاملةً معها الوجوه نفسها والأصوات نفسها والعبارات نفسها، حتى ليخيل للمرء أن التاريخ العراقي لم يعد كتابًا مفتوحًا بل أسطوانة مشروخة تعيد المقطع ذاته مهما حاولت تغيير الأغنية.إن المأساة الحقيقية ليست في السياسي الذي يخطئ، فالخطأ من طبائع البشر، وإنما في تلك الجوقة التي تتسابق لتزيين الخطأ حتى يبدو إنجازًا، وتلميع العثرة حتى تبدو قفزةً تاريخية، وتحويل السراب إلى مشروع وطني كامل الأوصاف. فهناك من اكتشف منذ زمن بعيد أن الطريق إلى النفوذ لا يمر عبر الحقيقة بل عبر المبالغة، وأن أقصر الطرق إلى القرب من السلطة ليس قول الصدق بل صناعة الدخان الكثيف حولها حتى تعجز عن رؤية نفسها.لقد تحولت السياسة في كثير من الأحيان إلى مرآة مقلوبة؛ فالذي يحذر يصبح مشاغبًا، والذي ينتقد يتحول إلى متهم، والذي يطالب بالإصلاح يوصف بأنه معرقل، بينما يصبح المصفق حكيمًا، والمبرر خبيرًا، والمتلون صاحب رؤية استراتيجية. وهكذا تنقلب المفاهيم كما تنقلب القوارب في الأنهار الهائجة، فلا يعود أحد يعرف أين تبدأ الحقيقة وأين ينتهي التمثيل.والعجيب أن بعض أهل السلطة ما زالوا يعتقدون أن الجماهير يمكن خداعها إلى الأبد عبر الصور اللامعة واللقاءات الودية والابتسامات المحسوبة بعناية. كأن العراق مجرد شاشة تلفاز ضخمة يمكن تغيير الواقع فيها بتعديل زاوية التصوير. وكأن المواطن الذي ينتظر راتبه أو دواءه أو حقه الضائع في دهاليز المؤسسات سيقتنع بأن كل شيء بخير لمجرد أن الكاميرا التقطت صورة ناجحة أو أن أحدهم كتب منشورًا مفعمًا بالمديح.لكن الحقيقة أكثر عنادًا من كل آلات التجميل السياسية. فالحقيقة لا تسكن في الشاشات بل في الشوارع، لا تختبئ في المؤتمرات بل تظهر في طوابير الانتظار، لا تعيش في البيانات الرسمية بل في عيون الناس وهم يفتشون عن حياةٍ أقل قسوة. هناك، بعيدًا عن عدسات التصوير، يقف العراق الحقيقي؛ عراق الأرامل والمتقاعدين والعاطلين والطلبة والمرضى والناجين من خيبات متراكمة أثقل من الجبال.
لقد أصبح لدينا فائض في الخطب ونقص في الأفعال، وفائض في الشعارات ونقص في العدالة، وفائض في الاحتفالات ونقص في الإنجازات. حتى بدا المشهد وكأن الدولة تحولت إلى شاعر رديء يكتب قصائد طويلة عن المطر بينما الناس تموت عطشًا. وما أكثر الذين يتحدثون عن الوطن حتى ليكاد المرء يظن أن الوطن بخير، ثم يلتفت حوله فيكتشف أن الوطن ما زال يبحث عمن يتحدث باسمه لا عمن يتحدث عنه.إن أخطر ما يهدد العراق اليوم ليس خصومه الظاهرون، بل أولئك الذين يرتدون أقنعة المحبة وهم يبيعون الوهم بالجملة. أولئك الذين يقنعون كل مسؤول جديد بأنه معجزة سياسية هبطت من السماء، وأن الشعب يعشق خطواته قبل أن يخطوها، وأن النجاح تحقق قبل أن يبدأ العمل. إنهم لا يخدمون السلطة بل يخدرونها، ولا يحمون الدولة بل يعزلونها عن الواقع، لأن الحاكم الذي يسمع المديح فقط يشبه مريضًا يمنعه الأطباء الكذبة من معرفة مرضه حتى يفاجئه الموت.وفي هذا الشرق المتعب من الحروب والانقسامات تبدو المأساة أكبر من حدود العراق. فالمنطقة كلها تعيش زمن المرايا الكاذبة؛ دول تتحدث عن الاستقرار وهي ترتجف من الداخل، وقوى تتحدث عن السيادة وهي معلقة بخيوط الخارج، وأحزاب ترفع رايات الإصلاح بينما تتغذى على الخراب الذي تزعم محاربته. الجميع يتحدث عن الإنقاذ، لكن السفينة ما زالت تتسرب إليها المياه من كل الجهات.إن العراق لا يحتاج إلى بطل جديد بقدر حاجته إلى فكرة جديدة. لا يحتاج إلى مزيد من المصفقين بل إلى مزيد من الصراحة. لا يحتاج إلى خبراء في صناعة الصورة بل إلى رجال دولة يعرفون أن الصورة لا تطعم جائعًا ولا تعالج مريضًا ولا تعيد حقًا مسلوبًا. فالدولة ليست مهرجانًا دائمًا للمديح، بل عقد أخلاقي بين السلطة والناس، وإذا انهار هذا العقد فلن تنقذه كل قصائد الثناء في العالم.لقد تعب العراقي من رؤية الوجوه وهي تتبدل بينما تبقى المعاناة ثابتة كأنها أحد أركان الدستور غير المكتوبة. تعب من انتظار العدالة التي تأتي متأخرة، والخدمات التي تأتي ناقصة، والوعود التي تأتي كاملة ثم ترحل كاملة أيضًا. حتى صار الأمل نفسه يمشي بحذر في هذه البلاد خوفًا من أن يتحول إلى خيبة أخرى.ولذلك فإن السؤال الذي يطارد العراق اليوم ليس من يجلس على الكرسي، بل ماذا سيفعل بالكرسي؟ هل سيجعله منصة لإصلاح ما تهدم أم يتحول هو الآخر إلى جزء من أثاث الأزمة المزمن؟ لأن التاريخ لا يتذكر عدد المصفقين الذين أحاطوا بالحاكم، بل يتذكر عدد الجراح التي استطاع أن يداويها. ولا يسأل عن الصور التذكارية، بل عن المدارس والمستشفيات والعدالة والكرامة والسيادة.أما الطبول فستظل تدق لكل قادم جديد، والمرايا ستظل تعرض النسخة التي يحب أصحابها رؤيتها، لكن الأوطان لا تُقاس بصوت الطبول ولا ببريق المرايا، بل بما يبقى بعد أن يصمت التصفيق ويغادر الجميع وتبقى البلاد وحدها أمام حساب الحقيقة.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ملف السجون السرية بعد 2003.
- كيف تقتلُ أمةً دون أن تُطلقَ رصاصة؟
- الاكتشافُ الذي جعلَ التكنولوجيا تنتحر في العراق.
- العراق بين راعي الصخول وتفلة الملا... ..
- التخريب الذي لا يُرى.
- دموع المتقاعدُ العراقي… هل يسمعُ اللهُ صريرَ عظامِ الوطن؟
- الموت الأخلاقي للمثقف العربي .
- نهاية الأقنعة… وبداية الدولة .
- منظماتٌ تُعلّقُ الوطنَ على جدارِ الشهادات.
- المتقاعدون في العراق… موتٌ بطيء برواتب هزيلة.
- الدولة التي تأكل نفسها.
- في سوق الظلال… تُباع البلاد بصوتٍ خافت.
- مهرجان الوجوه… وجنازة الفكرة.
- القانون يجرؤ… والهيبة تتوسّل .
- وطن يُجبِي أبناءه بدل أن يُعلِّمهم .
- البصرة… ذاكرةُ الضوء وسيرةُ العين التي تعلّمت أن ترى .
- العراق… حين يتبدّل القاتل ولا تتبدّل الجريمة..
- في مقام الدولة… حين يصبح العدل لغة الحكم.
- شرف الكلمة في زمن السقوط: أزمة المصداقية في الإعلام العربي-
- اختلال ميزان الغيرة بين ستر المعصية والطعن في المقدّس.


المزيد.....




- لحظة اصطدام سيارة بمنزل سكني في فلوريدا.. شاهد ما حدث
- جنح القاهرة الجديدة تقضي بحبس دومة سنة مع الشغل لدفاعه عن حق ...
- طهران تتوعد بـ-سيل من الصواريخ والمسيّرات- في حال تجدد الهجم ...
- مقتل شخص وأكثر من 60 جريحا في هجوم بمسيرات وصواريخ ‌إيرانية ...
- ألبوم -نفس- لسلوى جرادات: مقاربة موسيقية أصيلة لنصوص شاعرات ...
- لبنان: مقتل 6 أشخاص باستهداف إسرائيلي لسيارة قرب مدينة صور
- بين النفقة والسكن.. معاناة المطلقات في مصر
- ماكرون يلتقي وزير الداخلية الجزائري والبلدان يتفقان على تعزي ...
- تنسيق قطري سعودي لدعم جهود الوساطة وخفض التصعيد بالمنطقة
- قوى سودانية تتمسك بحوار داخلي وترفض شرعنة الدعم السريع


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - جمهورية المرايا الكاذبة.