أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - لماذا سقط صدام والقذافي وبقيت إيران؟














المزيد.....

لماذا سقط صدام والقذافي وبقيت إيران؟


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8727 - 2026 / 6 / 5 - 11:44
المحور: قضايا ثقافية
    


ليست السياسة كتابَ أخلاقٍ يُفتح على صفحة العدالة، ولا هي محكمةٌ كونيةٌ توزّع العقوبات على المذنبين بالتساوي، بل هي غابةٌ من المصالح تمشي فيها الذئابُ بأنيابٍ من ذهب، وتُقاس فيها قيمةُ الأمم بقدرتها على أن تكون مفيدةً أو مزعجة، لا بمدى استحقاقها للحياة أو السقوط. ولهذا ظلّ السؤال العربي معلقًا فوق خرائط الشرق الأوسط مثل مصباحٍ يتيم في ليلٍ طويل: إذا كانت الولايات المتحدة قد أسقطت بغداد وطرابلس، فلماذا لم تُسقط طهران؟ ولماذا عبرت الدبابات إلى قصور صدام حسين ومعمر القذافي، لكنها توقفت عند أبواب الجمهورية الإسلامية، رغم أن الخصومة بين الطرفين تُعرض يوميًا على شاشات العالم وكأنها الفصل الأخير من حربٍ أبدية؟.. ولأن العقل العربي تعوّد أن يبحث عن إجابةٍ بسيطة لسؤالٍ معقد، فقد انقسم بين من يرى إيران عملاقًا لا يُهزم، وبين من يراها مجرد دميةٍ تتحرك بخيوط أمريكية وإسرائيلية، بينما الحقيقة غالبًا ما تقف في منطقةٍ أكثر غموضًا من الطرفين؛ فالدول الكبرى لا تُسقط خصومها لأنها تكرههم، ولا تُبقي عليهم لأنها تحبهم، بل لأنها تحسب الربح والخسارة كما يحسب التاجر وزن الذهب في كفة الميزان.لقد كان صدام حسين، في لحظةٍ ما، مشكلةً يمكن حلها بالدبابات، وكان القذافي معضلةً يمكن تفكيكها بالطائرات، أما إيران فليست رجلًا يجلس في قصرٍ يمكن اقتحامه، بل منظومةٌ ممتدةٌ في الجغرافيا والعقيدة والاقتصاد والأمن والتحالفات. إنها دولةٌ بنت لنفسها جدرانًا كثيرة؛ بعضها من الصواريخ، وبعضها من الأيديولوجيا، وبعضها من شبكات النفوذ التي تمتد كجذور شجرةٍ عتيقة تحت تربة المنطقة. ولهذا فإن إسقاطها لا يشبه إسقاط نظامٍ سياسي، بل يشبه محاولة اقتلاع جبلٍ كامل من مكانه، وهو أمرٌ قد يُسقط الحجر على رأس من يحاول حمله.ثم إن أمريكا نفسها ليست تلك الإمبراطورية التي خرجت من العراق كما دخلته. فقد دخلت بغداد وهي تتخيل أنها ستعيد رسم الشرق الأوسط بقلمٍ أحمر، لكنها خرجت وهي تجرّ خلفها أسئلةً أكثر من الأجوبة. اكتشفت أن إسقاط النظام أسهل من بناء الدولة، وأن هدم السقف لا يعني بالضرورة معرفة كيف يُبنى البيت. ومن هنا وُلد الخوف الأمريكي من الفراغ؛ ذلك الوحش الذي يخرج من تحت أنقاض الأنظمة المدمرة ليبتلع الجميع بلا استثناء. ولهذا لم تعد واشنطن تنظر إلى تغيير الأنظمة بالحماسة ذاتها التي كانت تنظر بها قبل عقدين.لكن المسألة لا تتعلق بأمريكا وحدها، فإيران أيضًا فهمت اللعبة جيدًا. أدركت أن العالم لا يحترم الضعفاء، وأن الدول الصغيرة تُؤكل كما تُؤكل الخراف في مواسم الجوع، فقررت أن تجعل من نفسها ملفًا معقدًا لا يمكن إغلاقه بسهولة. ولهذا صنعت لنفسها أوراقًا كثيرة، حتى أصبح أي صراع معها أشبه بمحاولة تفكيك قنبلةٍ لا يعرف أحد أي الأسلاك يجب قطعها أولًا.أما العرب، فهم الحاضر الغائب في هذه المعادلة. فالمأساة ليست أن إيران قوية فقط، بل أن العالم العربي غالبًا ما تصرف كجسدٍ يملك عضلاتٍ هائلة لكنه فقد القدرة على توجيهها. النفط موجود، والثروة موجودة، والسكان موجودون، والجغرافيا موجودة، لكن الإرادة المشتركة كثيرًا ما كانت مفقودة. ولهذا بدا المشهد أحيانًا كما لو أن أمةً كاملة تمتلك الحصان لكنها نسيت كيف تمتطيه، بينما استطاع خصومها أن يحققوا نفوذًا أكبر بأدواتٍ أقل وإمكاناتٍ أضعف.أما النظرية التي تقول إن إيران مجرد أداةٍ أمريكية أو إسرائيلية، فهي تشبه تلك المرايا المشروخة التي تعكس نصف الصورة فقط. نعم، هناك لحظاتٌ استفاد فيها كل طرف من وجود الآخر، ونعم، هناك صفقاتٌ ومساوماتٌ وأبوابٌ خلفية في السياسة الدولية لا يراها العامة، لكن تحويل عقودٍ من الصراع والعقوبات والاغتيالات والتهديدات العسكرية إلى مسرحيةٍ متفقٍ عليها مسبقًا، هو تبسيطٌ مفرط لعالمٍ أكثر تعقيدًا من أن يُختصر بنظريةٍ واحدة.
الحقيقة الأقرب إلى المنطق أن أمريكا لا تبحث عن إسقاط كل خصم، بل عن إدارة الخصوم بما يخدم مصالحها، وأن إيران لا تسعى إلى هزيمة أمريكا عسكريًا، بل إلى جعل كلفة مواجهتها مرتفعة. وبين هذين الهدفين تتحرك المنطقة كلها كرقعة شطرنج ضخمة؛ تُحرّك فيها الأحجار الكبيرة الأحجار الصغيرة، بينما يظن الكثير من البيادق أنها هي التي تصنع اللعبة.وهكذا يبقى السؤال: لماذا سقط صدام والقذافي ولم تسقط إيران؟ والجواب الفلسفي ربما يكون أن التاريخ لا يعامل الجميع بالمقياس نفسه، وأن الدول لا تُحاكم وفق ما فعلته، بل وفق ما يمكن أن يحدث بعد سقوطها. فحين تخاف القوى الكبرى من نتائج انهيار خصمٍ أكثر مما تخاف من بقائه، يتحول ذلك الخصم من مشروع إسقاط إلى مشروع احتواء. وهنا تكمن المفارقة الكبرى؛ إذ قد يكون بقاء بعض الأنظمة في عالم السياسة ليس دليل قوتها المطلقة، بل دليل خوف الآخرين من الفوضى التي قد تولد بعد رحيلها.وهكذا تستمر المنطقة في الدوران داخل الحلقة نفسها؛ خصوماتٌ لا تنتهي، وحروبٌ لا تُحسم، وشعوبٌ تدفع الفاتورة، بينما يجلس التاريخ في مقعده القديم يراقب الجميع ويبتسم بسخريةٍ باردة، كأنه يعرف منذ البداية أن الحقيقة ليست فيمن سقط، بل فيمن جعل سقوطه أكثر كلفةً من بقائه.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الدوثراكية العراقية: سيرةُ دولةٍ أضاعت الحصانَ واحتفظت بالصه ...
- أمام أنظار رئيس الوزراء العراقي.
- «الثراء الذي يقف في الطابور»
- العراق... مملكة الأصفار المفقودة.
- هيأة التقاعد.. جمهورية الأرقام التي لا تنام .
- جمهورية المرايا الكاذبة.
- ملف السجون السرية بعد 2003.
- كيف تقتلُ أمةً دون أن تُطلقَ رصاصة؟
- الاكتشافُ الذي جعلَ التكنولوجيا تنتحر في العراق.
- العراق بين راعي الصخول وتفلة الملا... ..
- التخريب الذي لا يُرى.
- دموع المتقاعدُ العراقي… هل يسمعُ اللهُ صريرَ عظامِ الوطن؟
- الموت الأخلاقي للمثقف العربي .
- نهاية الأقنعة… وبداية الدولة .
- منظماتٌ تُعلّقُ الوطنَ على جدارِ الشهادات.
- المتقاعدون في العراق… موتٌ بطيء برواتب هزيلة.
- الدولة التي تأكل نفسها.
- في سوق الظلال… تُباع البلاد بصوتٍ خافت.
- مهرجان الوجوه… وجنازة الفكرة.
- القانون يجرؤ… والهيبة تتوسّل .


المزيد.....




- اللون الأحمر يتوّج إطلالات الملكات والأميرات حول العالم
- لحظة قذف طفل من سيارة في حادث مروع.. كاميرا شرطة توثق المشهد ...
- لبنان.. مقتل 4 أشخاص مع تصدع وقف إطلاق النار الجديد
- الشياطين الراقصة في فنزويلا تحيي طقس عيد القربان المقدس العر ...
- من بيروت إلى طهران.. تقرير إسرائيلي يكشف كواليس أخطر عمليات ...
- استطلاع: أغلبية الإسرائيليين ترفض أن يحدد ترامب طبيعة عمليات ...
- انكماش الأرباح ـ ضربة قوية لعمالقة صناعة السيارات الألمانية ...
- مشاركة مصرية رفيعة في اجتماع فريق العمال
- كييف تقترح هدنة ومحادثات.. وموسكو ترد بدعوة إلى الحوار
- إيران تحتفل بعيد الغدير.. رسائل وحدة بعد الحرب وظهور لافت لل ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - لماذا سقط صدام والقذافي وبقيت إيران؟