أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - «الثراء الذي يقف في الطابور»














المزيد.....

«الثراء الذي يقف في الطابور»


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8726 - 2026 / 6 / 4 - 14:49
المحور: قضايا ثقافية
    


ثمة مفارقات لا تستطيع الفلسفة تفسيرها إلا إذا استعارت من الكوميديا السوداء أدواتها، والعراق يبدو اليوم وكأنه أعظم هذه المفارقات على الإطلاق. بلد يجلس فوق بحر من النفط، لكنه يقف في طوابير البنزين كما يقف العطشان أمام صورة نهر معلقة على الجدار. وطن يطفو على خزائن الطاقة، لكنه يبحث كل صباح عن بضعة لترات من الوقود كما يبحث المنفي عن عنوان بيته القديم بين الخرائب.لقد أصبح العراقي يعيش في تجربة فكرية نادرة، تجربة تثبت أن كثرة النعمة لا تعني وجودها، وأن الثروة قد تتحول إلى شكل آخر من أشكال الفقر عندما تتولى إدارتها عبقرية الفشل المزمن. فالعراق الذي كان يبيع الوقود بأسعار تكاد تكون رمزية، أصبح المواطن فيه يتابع أخبار البنزين كما يتابع أخبار الكسوف والخسوف والكوارث الطبيعية، مترقباً بياناً يطمئنه بأن سيارته لن تدخل في إضراب قسري بسبب غياب الوقود.
في بلاد أخرى تنشأ الأزمات لأن الموارد قليلة، أما هنا فالأزمات تنشأ لأن الموارد كثيرة. النفط موجود، والآبار موجودة، والحقول موجودة، والأنابيب موجودة، والموازنات الانفجارية موجودة، والمليارات موجودة، لكن المنتج النهائي يختفي بطريقة سحرية تجعل المرء يعتقد أن هناك جنياً متخصصاً بابتلاع المنجزات قبل وصولها إلى المواطن.
وكلما ظهرت أزمة جديدة خرجت علينا جوقة الإنجازات القديمة تعزف لحن الاكتفاء الذاتي الذي ظل يتردد سنوات طويلة حتى أصبح أشبه بالأغنية الوطنية غير الرسمية لقطاع النفط. اكتفاء ذاتي على الورق، وعجز ذاتي على الأرض. أرقام تبتسم في المؤتمرات الصحفية بينما السيارات تتثاءب أمام المحطات في الشوارع. بيانات تتحدث عن الوفرة، وواقع يتحدث عن الندرة، وكأن المواطن يعيش في بلدين مختلفين؛ عراق التلفاز وعراق الحقيقة.المشكلة ليست في البنزين وحده، بل في الفلسفة التي تدير البنزين. فلسفة تقوم على إعلان النصر قبل بدء المعركة، وعلى قص شريط الإنجاز قبل بناء المشروع، وعلى صناعة صورة جميلة للمستقبل مع إهمال الحاضر حتى يتحول إلى حطام. وهكذا اكتشف العراقي أن المليارات التي أنفقت على مشاريع التكرير تشبه إلى حد بعيد قصور الرمال على الشواطئ؛ تبدو عظيمة من بعيد لكنها لا تحتمل أول موجة اختبار.إن أكثر ما يثير الضحك المبكي أن العراق، صاحب أحد أكبر الاحتياطيات النفطية في العالم، أصبح يستورد البنزين لمعالجة نقص البنزين. وكأن البستاني يشتري التفاح من السوق وهو نائم وسط بستانه. وكأن صاحب النهر يشتري الماء بالقناني. وكأن راعي الأغنام يشتري الصوف من الجيران. إنها عبقرية سياسية واقتصادية تستحق أن تُدرّس في كليات اللامعقول تحت عنوان: كيف تخسر وأنت تملك كل أسباب الفوز.لقد تحولت الدولة في كثير من الأحيان إلى خبير محترف في إدارة النتائج لا الأسباب. فعندما تظهر الأزمة تبدأ مطاردة المحتكرين والمضاربين والتجار الصغار، بينما تبقى الأسئلة الكبرى معلقة في سقف المشهد مثل مصابيح معطلة. أين ذهبت الأموال؟ ولماذا تعثرت المشاريع؟ وكيف تحولت التريليونات إلى أعذار؟ ولماذا ما زال العراقي يدفع ثمن الأخطاء ذاتها جيلاً بعد جيل؟
الفيلسوف الإغريقي ديوجين كان يحمل مصباحه نهاراً بحثاً عن الإنسان الصادق، أما العراقي اليوم فيستطيع أن يحمل مصباحاً نفطياً بحثاً عن منجز حقيقي وسط غابة التصريحات. وكلما اقترب من الإجابة وجد مؤتمراً صحفياً جديداً يعده بأن الأزمة تحت السيطرة، وأن الحل قريب، وأن المستقبل مشرق، حتى أصبح المستقبل نفسه يشعر بالحرج من كثرة ما استُخدم لتبرير الحاضر.إن أزمة البنزين ليست أزمة وقود بقدر ما هي أزمة معنى. إنها مرآة تعكس مأساة بلد يمتلك الثروة ويستورد نتائجها، وينتج النفط ويستورد مشتقاته، ويرفع شعارات الاكتفاء بينما يبحث عن حلول إسعافية كل بضعة أشهر. إنها قصة طويلة من التخطيط المؤجل، والوعود المعجلة، والمشاريع التي تكبر في البيانات أكثر مما تكبر على الأرض.
وهكذا يقف العراقي أمام محطة الوقود متأملاً أعظم مفارقات العصر: بلاد تسبح فوق بحار النفط لكنها تخشى العطش، ودولة تملك مفاتيح الطاقة لكنها تتعثر عند باب البنزين، وشعباً لا تنقصه الثروات بل تنقصه الإدارة التي تعرف كيف تحول الثروة إلى خدمة لا إلى خطب، وإلى واقع لا إلى دعاية، وإلى وقود في خزانات الناس لا إلى أرقام تائهة في دفاتر المسؤولين.وفي النهاية لا يبقى أمام المواطن سوى أن يبتسم تلك الابتسامة العراقية الحزينة، الابتسامة التي تشبه البكاء وهو يرتدي قناع الضحك، ثم يردد ساخراً: ربما يأتي يوم يصبح فيه النفط متوافراً في العراق كما هو متوافر في بقية دول العالم.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العراق... مملكة الأصفار المفقودة.
- هيأة التقاعد.. جمهورية الأرقام التي لا تنام .
- جمهورية المرايا الكاذبة.
- ملف السجون السرية بعد 2003.
- كيف تقتلُ أمةً دون أن تُطلقَ رصاصة؟
- الاكتشافُ الذي جعلَ التكنولوجيا تنتحر في العراق.
- العراق بين راعي الصخول وتفلة الملا... ..
- التخريب الذي لا يُرى.
- دموع المتقاعدُ العراقي… هل يسمعُ اللهُ صريرَ عظامِ الوطن؟
- الموت الأخلاقي للمثقف العربي .
- نهاية الأقنعة… وبداية الدولة .
- منظماتٌ تُعلّقُ الوطنَ على جدارِ الشهادات.
- المتقاعدون في العراق… موتٌ بطيء برواتب هزيلة.
- الدولة التي تأكل نفسها.
- في سوق الظلال… تُباع البلاد بصوتٍ خافت.
- مهرجان الوجوه… وجنازة الفكرة.
- القانون يجرؤ… والهيبة تتوسّل .
- وطن يُجبِي أبناءه بدل أن يُعلِّمهم .
- البصرة… ذاكرةُ الضوء وسيرةُ العين التي تعلّمت أن ترى .
- العراق… حين يتبدّل القاتل ولا تتبدّل الجريمة..


المزيد.....




- خاتمة لا تُنسى للموسم الثاني من مسلسل -المدينة البعيدة-
- شاهد.. ترامب يُشبّه -بركة الانعكاس- في نصب لنكولن بناطحات ال ...
- -استسلام-.. الأمين العام لـ-حزب الله- يعلق على اتفاق لبنان و ...
- معارك إقليم النيل الأزرق بالسودان تدفع الآلاف نحو المجهول
- مظاهرات في ألبانيا ضد مشروع عقاري فخم على صلة بصهر ترامب
- ليبيا: عمالة غير مدربة في الأفران والمطاعم تهدد سلامة الغذاء ...
- اغتالت الحروب غاباتها.. أشجار صغيرة تبعث آمالا كبيرة في أفغا ...
- العصيان المدني.. خيار الحريديم أمام -خيانة- نتنياهو
- في أفغانستان والعراق.. لماذا تعجز الطائرات الأمريكية عن الطي ...
- بعد صراع مع المرض.. رحيل إمام الأقصى الشيخ وليد صيام


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - «الثراء الذي يقف في الطابور»