أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - الدوثراكية العراقية: سيرةُ دولةٍ أضاعت الحصانَ واحتفظت بالصهيل .














المزيد.....

الدوثراكية العراقية: سيرةُ دولةٍ أضاعت الحصانَ واحتفظت بالصهيل .


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8727 - 2026 / 6 / 5 - 09:28
المحور: قضايا ثقافية
    


ثمة أوطانٌ تسير إلى المستقبل على سكك المعرفة، وأوطانٌ تتعثر في الطريق ثم تنهض، وأوطانٌ أخرى تضل الطريق فتبحث عنه في خرائط الحكم والقانون، لكن العراق، في نسخته السياسية المعاصرة، يبدو كفارسٍ أضاع حصانه منذ زمن بعيد، ثم أقنع نفسه أن الصهيل وحده يكفي للوصول إلى الغاية.لقد خرج الحصان من الحكاية وبقيت أصوات الحوافر تتردد في الفراغ. لم يعد أحد يسأل أين ذهبت القوة الحقيقية للدولة، ولا أين تبخرت هيبتها، ولا كيف تحولت مؤسساتها إلى ما يشبه الخيام المتجاورة في صحراء واسعة، لكل خيمة شيخها ورايتها ورعاتها وأغنامها وحراسها وأغنيتها الخاصة عن الوطنية. صار الجميع يرفع راية الدولة بيد، ويقتسم جلدها باليد الأخرى، حتى غدت البلاد تشبه وليمةً لا يشبع منها أحد رغم أنها لم تترك فيها لقمة واحدة سليمة.في الدوثراكية العراقية الجديدة لم تعد السياسة فناً لإدارة الممكن، بل تحولت إلى سباق طويل فوق ظهور الشعارات. كل فارس يلوّح بسيف الخلاص بينما يجر خلفه قافلةً من الخراب، وكل زعيم يتحدث عن الشعب كما يتحدث التاجر عن بضاعته المفضلة، يلمعها في النهار ثم يبيعها عند أول مزاد. أما الوطن، ذلك الكائن العجوز الذي استنزفته الحروب والحصارات والاحتلالات والفساد، فقد جلس في زاوية المشهد كأبٍ هرم يرى أبناءه يتشاجرون على إرثه قبل أن يموت.العجيب أن الجميع يتحدث عن الدولة، لكن أحداً لا يريدها. الدولة الحقيقية كائن مزعج لأمراء الغنائم، لأنها تسأل عن الحسابات وتطالب بالإيصالات وتفتح دفاتر الأرقام وتبحث عن المال الضائع. ولذلك كان لا بد من استبدالها بشيء أكثر مرونة؛ شيء يشبه الضباب، يمكن رؤيته من بعيد ولا يمكن الإمساك به من قريب. وهكذا ولدت جمهورية الصهيل العظيم، حيث ترتفع الأصوات كلما انخفضت الإنجازات، ويزداد الضجيج كلما اتسعت الفجوة بين المواطن وخبزه ودوائه وكرامته.في هذه الجمهورية العجيبة صار الفشل نفسه مؤهلاً للترقية. المسؤول الذي يعجز عن إدارة دائرة يصبح خبيراً استراتيجياً، والذي يغرق مؤسسة كاملة يتحول إلى منظّر للإصلاح، والذي يختفي المال في عهده يصبح محاضراً في النزاهة. إنها معجزة سياسية لا يعرفها علم الإدارة ولا تفسرها كتب الاقتصاد، لكنها مزدهرة كالأعشاب الطفيلية التي تنمو فوق جدران البيوت المهجورة.أما المواطن، ذلك المخلوق الذي يُستدعى دائماً عند الحاجة إلى التصويت ويُنسى عند الحاجة إلى الحياة، فقد تعلم أن يعيش بين خطبتين. ينتظر الكهرباء بين وعدين، وينتظر الماء بين تصريحين، وينتظر العدالة بين لجنتين، ثم يكتشف في نهاية المطاف أن عمره كله مضى في قاعة انتظار كبيرة اسمها الوطن.لقد نجحت الدوثراكية العراقية في ابتكار فلسفة جديدة للحكم؛ فلسفة تجعل الأزمة مصدراً للطاقة السياسية. فحين تُحل المشكلات تتوقف الذرائع، وحين تتوقف الذرائع تنكشف الحقائق، وحين تنكشف الحقائق يصبح السؤال أكبر من قدرة الخطباء على الاحتمال. لذلك بقيت الأزمات حية تتناسل كأنها استثمار طويل الأمد، وبقيت الحلول مؤجلة كما تؤجل القبائل موعد الرحيل في انتظار مطر لا يأتي. وإذا كان الدوثراكيون في الأساطير يقيسون قوتهم بعدد الخيول، فإن دوثراكيي السياسة العراقية يقيسونها بعدد الأتباع والحمايات والمكاتب واللافتات والصور العملاقة التي تراقب الشوارع أكثر مما تراقبها القوانين. وحين يختلفون لا يبحثون عن المصلحة العامة بل عن حجم الحصة، لأن الوطن في عرف الغنيمة ليس بيتاً للجميع بل كعكةً كبيرة يتقاتل حولها الطهاة حتى يحترق الفرن بمن فيه.المأساة أن العراق ليس بلداً فقيراً كي يُعذر، ولا أرضاً قاحلة كي يُسامح، ولا شعباً عاجزاً كي يُشفق عليه. إنه بلدٌ منحته الجغرافيا ما يكفي ليكون غنياً، ومنحه التاريخ ما يكفي ليكون عظيماً، ومنحته الحضارة ما يكفي ليكون معلماً للأمم، لكنه ابتُلي بطبقة سياسية ما زالت تتعامل معه كأنه معسكر مؤقت لا وطن دائم، وكأنها ستغادره غداً تاركةً خلفها الجدران المتصدعة والأنهار المتعبة والمدارس التي شاخت قبل تلاميذها.ومع ذلك فإن الحكاية لم تنتهِ بعد. فالأوطان لا تموت بسهولة، والعراق تحديداً يمتلك موهبة نادرة في النجاة من الذين يحكمونه. لقد نجا من الغزاة ومن الطغاة ومن الحروب ومن المجاعات ومن الانقسامات، وربما سينجو أيضاً من هذه الدوثراكية الحديثة التي استبدلت بناء الدولة بإدارة الصراع عليها.وحين يأتي ذلك اليوم، يوم يستعيد الحصان مكانه ويخفت الصهيل قليلاً، سيدرك الجميع أن الأوطان لا تُبنى بالأصوات العالية، ولا بالخطب الطويلة، ولا برايات الولاء المتعددة، بل بمؤسساتٍ تحترم الإنسان، وقوانينَ تعلو على الأشخاص، وعدالةٍ لا تسأل المواطن عن اسمه قبل أن تمنحه حقه.عندها فقط سيكتشف العراق أنه لم يكن بحاجة إلى مزيد من الفرسان، بل إلى من ينزل عن صهوة الغنيمة ويمسك بلجام الدولة.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أمام أنظار رئيس الوزراء العراقي.
- «الثراء الذي يقف في الطابور»
- العراق... مملكة الأصفار المفقودة.
- هيأة التقاعد.. جمهورية الأرقام التي لا تنام .
- جمهورية المرايا الكاذبة.
- ملف السجون السرية بعد 2003.
- كيف تقتلُ أمةً دون أن تُطلقَ رصاصة؟
- الاكتشافُ الذي جعلَ التكنولوجيا تنتحر في العراق.
- العراق بين راعي الصخول وتفلة الملا... ..
- التخريب الذي لا يُرى.
- دموع المتقاعدُ العراقي… هل يسمعُ اللهُ صريرَ عظامِ الوطن؟
- الموت الأخلاقي للمثقف العربي .
- نهاية الأقنعة… وبداية الدولة .
- منظماتٌ تُعلّقُ الوطنَ على جدارِ الشهادات.
- المتقاعدون في العراق… موتٌ بطيء برواتب هزيلة.
- الدولة التي تأكل نفسها.
- في سوق الظلال… تُباع البلاد بصوتٍ خافت.
- مهرجان الوجوه… وجنازة الفكرة.
- القانون يجرؤ… والهيبة تتوسّل .
- وطن يُجبِي أبناءه بدل أن يُعلِّمهم .


المزيد.....




- اللون الأحمر يتوّج إطلالات الملكات والأميرات حول العالم
- لحظة قذف طفل من سيارة في حادث مروع.. كاميرا شرطة توثق المشهد ...
- لبنان.. مقتل 4 أشخاص مع تصدع وقف إطلاق النار الجديد
- الشياطين الراقصة في فنزويلا تحيي طقس عيد القربان المقدس العر ...
- من بيروت إلى طهران.. تقرير إسرائيلي يكشف كواليس أخطر عمليات ...
- استطلاع: أغلبية الإسرائيليين ترفض أن يحدد ترامب طبيعة عمليات ...
- انكماش الأرباح ـ ضربة قوية لعمالقة صناعة السيارات الألمانية ...
- مشاركة مصرية رفيعة في اجتماع فريق العمال
- كييف تقترح هدنة ومحادثات.. وموسكو ترد بدعوة إلى الحوار
- إيران تحتفل بعيد الغدير.. رسائل وحدة بعد الحرب وظهور لافت لل ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - الدوثراكية العراقية: سيرةُ دولةٍ أضاعت الحصانَ واحتفظت بالصهيل .