أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - «لاهوتُ الكرةِ العراقية: كيف نصنعُ آلهتَنا ثم نبحثُ عن وطن؟»














المزيد.....

«لاهوتُ الكرةِ العراقية: كيف نصنعُ آلهتَنا ثم نبحثُ عن وطن؟»


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8728 - 2026 / 6 / 6 - 12:22
المحور: قضايا ثقافية
    


في البلدان التي تُبنى على المؤسسات يكون المسؤول موظفاً عاماً يخضع للمساءلة، أما في البلدان التي تُبنى على الأوهام فإن المسؤول يتحول إلى أسطورة، والأسطورة لا تُسأل ولا تُحاسب ولا يُسمح لأحد أن يقترب من هالتها المقدسة، حتى إذا ظهرت الأسئلة قيل للناس: اسكتوا، فأنتم تهدمون المعبد فوق رؤوس المؤمنين.ومنذ سنوات طويلة تعاني الرياضة العراقية من هذه الظاهرة الغريبة؛ ظاهرة البحث الدائم عن المخلّص، وكأن الكرة العراقية سفينة غارقة لا ينقذها نظام ولا قانون ولا إدارة، بل ينقذها رجل واحد يأتي على هيئة بطل شعبي، ثم لا يلبث الناس أن يكتشفوا بعد سنوات أن البطل كان بشراً مثلهم، يصيب ويخطئ، ويخضع للنجاح والفشل كما يخضع سائر البشر.ولعل المأساة الكبرى ليست في الأشخاص، بل في العقل الجمعي الذي يرفض الاعتراف بأن المؤسسات هي التي تصنع الإنجازات، لا الأفراد، وأن الرياضة لا تنهض بالخطب ولا بالصور ولا بالمؤتمرات الصحفية، بل بالخطط والميزانيات والرقابة والشفافية.لقد تحولت وزارة الشباب والرياضة في العراق خلال عقود طويلة إلى مرآة تعكس أزمة الدولة نفسها؛ فكل وزير يأتي حاملاً وعود الإصلاح، ثم يدخل إلى متاهة البيروقراطية والعقود واللجان والمناقصات والمكاتب الاقتصادية والولاءات الحزبية، فيخرج بعد سنوات وقد صار جزءاً من المشكلة التي جاء ليحلها، وكأن الوزارة ليست مؤسسة حكومية بل طاحونة تدور منذ عشرين عاماً وتطحن الوجوه نفسها بأسماء مختلفة.وحين نتحدث عن عدنان درجال أو غيره من المسؤولين الذين مروا على المشهد الرياضي، فإن الحديث لا ينبغي أن يكون حديث قديسين أو شياطين، لأن الدولة لا تُدار بسير الأولياء ولا بمحاكم التفتيش الشعبية، وإنما تُدار بالقانون. فمن حق أي مسؤول أن يُمدح إذا أنجز، ومن حق الناس أن تسأله إذا أخفق، ومن واجب الجهات الرقابية أن تحقق في كل شبهة أو ملف أو عقد أو هبة أو تخصيص مالي يثار حوله الجدل، لأن المال العام ليس ملكاً لأحد، بل هو ملك للشعب كله.والمثير للسخرية أن بعض الجماهير تتعامل مع المسؤول الرياضي كما يتعامل الدراويش مع صاحب الكرامات؛ فإذا قيل لهم إن هناك تساؤلات عن عقود أو أموال أو قرارات إدارية، أجابوا بغضب: كيف تجرؤون على المساس بالبطل؟ وكأن البطولة في الملاعب تمنح حصانة أبدية ضد المساءلة، مع أن القانون لا يعرف هدافاً ولا حارس مرمى ولا وزيراً ولا رئيس اتحاد، بل يعرف مواطناً ومسؤولاً ومالاً عاماً يجب أن يخضع للرقابة.إن أخطر ما يصيب الأمم ليس الفساد وحده، بل تقديس الأشخاص، لأن الفساد يمكن اكتشافه ومحاربته، أما التقديس فإنه يعمي الأبصار عن رؤية الفساد أصلاً. وحين يصبح المسؤول فوق النقد تتحول الدولة كلها إلى مسرح كبير للتصفيق، ويصبح الجمهور شريكاً في صناعة الوهم وهو يظن أنه يدافع عن الحقيقة.ولقد شهد العراق كثيراً من الشخصيات التي قُدمت للجماهير على أنها المخلّص المنتظر، ثم اكتشف الناس بعد حين أن الألقاب كانت أكبر من الإنجازات، وأن الصور كانت أوسع من الوقائع، وأن الشعارات كانت أسرع من النتائج. ولذلك فإن الحكمة تقتضي ألا نجعل من أحد نبياً في الإدارة، ولا قديساً في السياسة، ولا منقذاً أبدياً في الرياضة.أما الزج بالطائفية والمكونات في معارك الكرة فهو الوجه الأكثر قبحاً في المشهد كله، لأن المنتخب الوطني لم يكن يوماً منتخب مذهب أو قومية أو منطقة، بل كان منتخب العراق، ولأن اللاعب حين يرتدي القميص الوطني لا يحمل معه بطاقة الطائفة بل يحمل علم البلاد. وكل محاولة لتحويل الخلافات الرياضية إلى نزاعات مكونات ليست سوى اعتداء على آخر المساحات التي ما زالت تجمع العراقيين تحت راية واحدة.إن الكرة العراقية لا تحتاج إلى أصنام جديدة، ولا إلى معارك إلكترونية تتبادل فيها الجموع الشتائم والتخوين، بل تحتاج إلى مؤسسات قوية، وعقود شفافة، وإدارات محترفة، وهيئات رقابية يقظة، وقانون يسير فوق الجميع بلا استثناء. وعندما يتحقق ذلك لن يكون مهماً من يجلس على الكرسي، لأن الكرسي نفسه سيكون محكوماً بالقانون لا بالأهواء.وحينها فقط سنكتشف أن المشكلة لم تكن في شخصٍ بعينه، بل في ثقافةٍ كاملةٍ اعتادت أن تبحث عن البطل أكثر مما تبحث عن النظام، وأن ترفع الصور أكثر مما ترفع التقارير، وأن تصفق للأسماء أكثر مما تراقب الأرقام. وتلك هي الحكاية التي تتكرر في الرياضة كما تتكرر في السياسة؛ تتبدل الوجوه، ويبقى السؤال القديم واقفاً عند باب الدولة: متى يصبح القانون هو النجم الأول الذي لا يُهزم؟



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- «خراب يبدأ من القاموس»
- لماذا سقط صدام والقذافي وبقيت إيران؟
- الدوثراكية العراقية: سيرةُ دولةٍ أضاعت الحصانَ واحتفظت بالصه ...
- أمام أنظار رئيس الوزراء العراقي.
- «الثراء الذي يقف في الطابور»
- العراق... مملكة الأصفار المفقودة.
- هيأة التقاعد.. جمهورية الأرقام التي لا تنام .
- جمهورية المرايا الكاذبة.
- ملف السجون السرية بعد 2003.
- كيف تقتلُ أمةً دون أن تُطلقَ رصاصة؟
- الاكتشافُ الذي جعلَ التكنولوجيا تنتحر في العراق.
- العراق بين راعي الصخول وتفلة الملا... ..
- التخريب الذي لا يُرى.
- دموع المتقاعدُ العراقي… هل يسمعُ اللهُ صريرَ عظامِ الوطن؟
- الموت الأخلاقي للمثقف العربي .
- نهاية الأقنعة… وبداية الدولة .
- منظماتٌ تُعلّقُ الوطنَ على جدارِ الشهادات.
- المتقاعدون في العراق… موتٌ بطيء برواتب هزيلة.
- الدولة التي تأكل نفسها.
- في سوق الظلال… تُباع البلاد بصوتٍ خافت.


المزيد.....




- الرئيس اللبناني لـCNN: الحرب أو التفاوض.. وعلى إسرائيل وحزب ...
- في مقابلة نادرة.. مراسلة CNN تلتقي مقاتلًا في حزب الله وتطرح ...
- ما حجم الأضرار التي خلفها فيضان الفرات في سوريا؟
- مكافحة إيبولا.. الكونغو في سباق مع الزمن وتحذير من تفشٍ واسع ...
- مقتل عسكريين من الجيش اللبناني في غارة إسرائيلية
- بوتين يستبعد لقاء زيلينسكي في أي وقت قريب
- انفجارات في الخليج وتعثر مساعي إنهاء الحرب في الشرق الأوسط
- الحرس الثوري يهدد بإعادة إغلاق مضيق هرمز إذا استمر -الأذى- ا ...
- التضليل ونظريات المؤامرة تعرقل جهود مكافحة فيروس إيبولا في ا ...
- الكبد الدهني.. الوباء الصامت الذي لا يتحدث عنه كثيرون


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - «لاهوتُ الكرةِ العراقية: كيف نصنعُ آلهتَنا ثم نبحثُ عن وطن؟»