أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة النبض الراجع : حطبٌ لموجِ العشق وردّ على ركضِ النساء الواقفات.















المزيد.....

مقامة النبض الراجع : حطبٌ لموجِ العشق وردّ على ركضِ النساء الواقفات.


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8726 - 2026 / 6 / 4 - 10:33
المحور: الادب والفن
    


كتبت د . ناديا حماد نص بعنوان (( نبض الحياة )) , تقول فيه : (( النساءُ يركضْنَ دائما حتّى وهنّ واقفات , ولا يسترحنَ أبداً في هذا العالم , ربّما تكتفي الواحدة منهن بكلمة أحبكِ لتتمدّدَ وتصيرَ حضناً , وَ..وطن , تُنبتُ ورداً في تربةِ الخذلان , وتُعلّمُ الريحَ كيفَ تهدأُ حينَ تمرُّ من بابِها , الرجالُ يتذكّرون ملحَ الحروب فوق الجراحِ النازفة , ويدركون الكارثة لكنّهم جميعاً أتوا من أجل امرأة , امرأةٌ يشتعلُ العشقُ في بحرِها , وكلّما ارتفعَ الموج احترقت أكثر )) , نص يحمل تكثيفاً شاعرياً وعمقاً إنسانياً لافتاً , ويغوص في فلسفة العلاقة بين الرجل والمرأة , ويُعيد تعريف مفهوم (( القوة )) و(( العطاء )) من منظور أنثوي ووجودي ,يبدأ بافتتاحية مدهشة وموجعة في آن واحد: ((النساءُ يركضْنَ دائما حتّى وهنّ واقفات)) , تعبير يختزل حجم المسؤولية والعبء النفسي والجسدي الذي تحمله المرأة , إنه - الركض الداخلي - (( القلق , التفكير , رعاية الآخرين , وتدبير الحياة )) الذي لا يتوقف حتى في لحظات السكون الظاهري , بما يفيد بالركض الأبدي والعطاء اللامشروط , والمفارقة بثنائية (( الركض / الوقوف )) التي تعكس استلاب الراحة , فالمرأة في هذا النص كائن (( مُحرك )) للكون من حولها , لكنه محروم من الاستراحة المستحقة.

تقول سيمون دي بوفوار في كتابها (( الجنس الآخر )) : (( لا تولد المرأة امرأة , وإنما تُصبح كذلك )) , فهي ترى أن الأنوثة ليست شيئًا بيولوجيًا فطريًا , بل بناء اجتماعي وثقافي يُفرض على المرأة منذ طفولتها , وأن المجتمع جعل من الرجل هو (( الذات )) والمرأة هي (( الآخر )) فالمرأة لا تُعرّف بذاتها , بل بما ينقصها عن الرجل , ولهذا كانت دائمًا موضوعة في موقع التبعية والتقييم , إن الأنوثة حسب دي بوفوار ليست طبيعة حتمية , بل مشروع وجودي , فهي تعتبر أن الحرية هي جوهر الإنسان , وأن المرأة لا تحقق ذاتها إلا عندما ترفض أن تكون مجرد موضوع للآخر (( الرجل أو المجتمع )) , وتبدأ في اختيار مصيرها بنفسها.

تبرزالكلمة كـ (( مفتاح )) للتحول الإنساني عندما تنتقل الكاتبة بسلاسة من حالة الشقاء والركض إلى حالة التجلي العاطفي: ((ربّما تكتفي الواحدة منهن بكلمة أحبكِ لتتمدّدَ وتصيرَ حضناً , وَ..وطن)) , ليظهرهنا (( زهد )) المرأة الاقتصادي والمادي مقابل (( جوعها )) العاطفي , كلمة صادقة واحدة قادرة على تحويل هذا الكائن المُتعب إلى فضاء شاسع (( وطن وحضن )) , وتلك هي الجمالية , الانتقال من (( الحضن )) الخاص والمحدود إلى (( الوطن )) العام والشامل , حين يعكس كيف يمكن للمرأة أن تستوعب العالم وتمنحه الأمان بمجرد شعورها بالتقدير والحب.

تستمر الصورة الشاعرية في التصاعد : ((تُنبتُ ورداً في تربةِ الخذلان , وتُعلّمُ الريحَ كيفَ تهدأُ)) , وذلك هو ترويض الخيبات وقوى الطبيعة , وهنا تكمن ذروة القوة الأنثوية , إنها ليست قوة عنيفة , بل قوة (( إحيائية )) و(( ترويضية )) , فالمرأة هنا قادرة على تحويل القبح والخذلان إلى جمال (( ورد )) , وقادرة على امتصاص غضب الطبيعة والحياة (( الريح )) وتحويله إلى سكينة , لنأتي الى جدلية الرجل بين قسوة التاريخ والحقيقة الوجودية بما يحدث قطعاً موضوعياً لتدخل إلى عالم الرجل: ((الرجالُ يتذكّرون ملحَ الحروب فوق الجراحِ النازفة , ويدركون الكارثة , لكنّهم جميعاً أتوا من أجل امرأة )) , وترتبط صورة الرجل هنا بالصراع , الخشونة , الحروب , والكوارث , بأعتبار ان الرجل هو صانع التاريخ العنيف ومتحمل نتائجه (( الملح فوق الجراح )) , والمفارقة الكبرى أنه رغم كل هذه القوة الخشنة والنزوع نحو الصراع , يظل الرجل في النهاية كائناً يبحث عن ملاذه الأول والأخير , المرأة , فكل حروب الرجل وسعيه في الأرض يعودان في النهاية لينحنيا أمام عتبة الأنثى (( الأم , الحبيبة , الملجأ )) .

انها فقرة مكتوبة بنبرة وجدانية عميقة , تُحاكي ذلك المزيج بين وعي الرجل بقسوة العالم , وانحنائه الطوعي أمام عذوبة عاطفتها , لتكون جواباً على ذاك (( الركض الأبدي )) الذي تسكن فيه , وفي الخاتمة الصوفية حيث الاحتراق في بحر العشق , تصل الدكتورة بصورة سريالية شديدة العذوبة والغموض : ((امرأةٌ يشتعلُ العشقُ في بحرِها , وكلّما ارتفعَ الموج احترقت أكثر)) , وهنا تجمع بين متناقضين (( الماء/البحر والنار/الاشتعال والاحتراق )) , هذا الاندماج يعبر عن (( الفناء في الحب )) أو العشق الصوفي , بكل مايحمله من معنى عميق , فتضحية المرأة وعاطفتها ليست هادئة , بل هي بحر متلاطم , وكلما زادت حدة العواطف والتحديات (( ارتفاع الموج )) كلما تماهت المرأة في هذا العشق واحترقت بناره , وهو احتراق مجازي يعني العطاء والتفاني الشديدين حتى الذوبان.

يقول عبد الرحمن منيف : (( قلب الرجل لا يخلو من امرأة , دائمًا توجد امرأة , إذا رأيت رجلاً ليس في قلبه امرأة فتأكد أن ما تراه ليس رجلاً , إنه جثة )) , وبمعنى أن المرأة ليست مجرد حضور عاطفي في حياة الرجل , بل هي رمز للحياة نفسها , النبض الذي يمنحه المعنى , فالقلب الذي يخلو من حب أنثى يتحول إلى فراغ بارد , كيان يتحرك بلا روح , ويؤكد علم النفس أن الحاجة إلى الارتباط العاطفي جزء أساسي من بنية الإنسان , فالمودة والأنس ليست ترفًا بل شرطًا لامتلاء التجربة الإنسانية , والفلسفة الوجودية ترى في الحب وسيلة لاكتشاف الذات عبر الآخر , لذلك فغيابه ليس مجرد فقدان علاقة , بل موت بطيء للروح , وكلمات منيف تكشف أن الحب ليس دورًا ثانويًا , بل هو المعيار الذي يفرّق بين حياة تنبض , وجسد يتحرك بلا حياة.

وفي ملحمة هوميروس ظل اوديسيوس تائه في البحر إلى أن وصل إلى جزيرة أوجيجيا حيث كانت الخالدة الفاتنة ساحرة الجمال , كاليبسو , تنتظره فكانت عبارتها الأولى له بعد أن سقته القليل من الماء , أقترب مني لتعرف معنى الراحة الأبدية , فابتسم اوديسيوس وقال: لم تخبرني قصص كل من رحلوا وقصص كل أسلافي عن أن احدهم أكتشف كيف تكون الراحة الأبدية بجانب امرأة , تلك وجهة نظر اوديسيوس , وفي رد الرجل على د. ناديا يقول : (( أعلمُ أنَّكِ تركضينَ حتى في صمتِك , وأنَّ التعبَ قد حفرَ في روحِكِ ممراتٍ خفيةً من الصبر , لذلك , تركتُ خلفي ملحَ الحروبِ وضجيجَ المعاركِ التي يخوضُها الرجالُ في هذا العالم , وجئتُ أحملُ خيباتي وانكساراتي لأرميها عند عتبةِ بابِك , إنْ كانَ قَدَرُكِ أن تحترقي كلما ارتفعَ موجُ العشقِ في بحركِ , فخُذي من عُمري حطباً ليدومَ دفؤكِ , وإنْ ضاقتْ بكِ الأرضُ بعد خذلانِها , فها أنا أخلعُ كبريائي , وأبسطُ لكِ روحي لتكونَ لكِ أرضاً بديلةً , وسماءً تُظلكِ , لستِ وحدَكِ مَنْ يَصنعُ الأوطانَ من كلمةِ حُب , فأن تبتسمي أنتِ وتستريحي من ركضِكِ الطويل , فذلك هو وطني الذي أقاتلُ من أجله , وتلك هي التضحيةُ التي أراها أعلى مراتبِ وجودي )) .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة قناع القطط ومخاتلة القارئ : آلية الإزاحة وأنسنة الغريز ...
- مقامة فيض خير اضطرار الروح .
- سُوقُ الأَدَبِ وَمَبَاهِجُ العَقْل: تَحِيَّةُ إِجْلَالٍ وَشُ ...
- مَقَامَةُ اللَّمَعَانِ وَظِلَالِ البَيَانِ .
- مقامة الشيطنة و صحوة صنّاع التضليل .
- مقامة قراءة في شذرات القيلولة .
- مقامة أسطورة المدني .
- مقامة ثنائية الأرض والمصنع : جدلية السلطة الوطنية وسلطة التب ...
- مقامةُ الألم : كيمياءُ المعاناةِ وصياغةُ العظمة .
- مقامة عن مُعَايَدَةٌ سِيَّاقُهَا: خَارِجَ السِّيَاقِ .
- مقامة الموت الهين : تجليات (( نكد الدنيا )) في عراق ما بعد 2 ...
- مقامة خرسى العيد : في وداع زمن ماء الورد والكليجة وحين يصبح ...
- مَقامَةُ القَلْبِ المَيَّال .
- مقامة خيوط القنصل ورقبة الآغا : أرض السواد , والأيادي الممدو ...
- مقامة الجحشنلوجيا : قراءة في مفهوم فلسفة السقوط الأخلاقي .
- مقامة الرعي : بين عزة (( أغْمات )) وذل التبعية .
- مقامة حوارات الدراويش : سديم يتنفس بين الأضلع في شطحات المرا ...
- مقامة في حضرة الأفندي : منسى موسى ورحلة الذهب من سجدة الطاعة ...
- مقامة خوال الروح وعمام الهيبة : في مديح العزوة والمدنية .
- مقامة موال أنت وأنا : فلسفة الفقر النبيل في حنجرة فيروز.


المزيد.....




- كريم عبدالعزيز يبدأ تصوير فيلم -الفيل الأزرق 3-
- إحصائيات تشير لتصدر فيلم -7DOGS-.. ومحمد رمضان يواصل الحديث ...
- فرنسا: فيلم -معركة ديغول- يحيي الجدل حول إرث الجنرال الذي لا ...
- وفاة الفنانة الفرنسية الإيرانية مرجان ساترابي صاحبة -برسيبول ...
- مغامرات، رعب وعودة أيقونات الطفولة.. أفلام ضخمة تُشعل شباك ا ...
- رواية التخشبوش للكاتبة د. نعيمة عبد الجواد
- أخبار الفنون البصرية حول العالم: يونيو 2026 السينما والتقني ...
- رحيل مارجان ساترابي الفنانة التي كسرت الصور النمطية عن إيران ...
- لماذا ندفع المال لنشعر بالفزع؟.. خريطة لأبرز أنواع الرعب في ...
- فيلم -برشامة- يفتح سجالاً محتدماً في مصر بين حرية الفن والثو ...


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة النبض الراجع : حطبٌ لموجِ العشق وردّ على ركضِ النساء الواقفات.