|
|
الشخصية الكردية عند إبراهيم اليوسف: بين مطرقة المحو وسندان الانبعاث
عطا درغام
(Atta Dorgham)
الحوار المتمدن-العدد: 8726 - 2026 / 6 / 4 - 00:04
المحور:
الادب والفن
تُعد الشخصية الكردية في منجز إبراهيم اليوسف الأدبي (الروائي والشعري والنقدي) حجر الزاوية الذي يشيّد عليه رؤيته الكونية للإنسان. هو لا يقدّم الكردي ككائن "فلكلوري" أو مجرد رقم في معادلة سياسية، بل يغوص في أعماق "السيكولوجيا الكردية" ليرسم ملامح إنسانٍ يتجاذبه فكّان: فكّ المأساة التاريخية (الجينوسايد، الاغتراب، التهميش) وفكّ العناد الوجودي (البقاء، التشبث بالأرض، والحلم). يمثل إبراهيم اليوسف في الأدب السوري والكردي المعاصر "صوت الذاكرة الجريحة"؛ حيث استطاع عبر مشروع ممتد لعقود أن ينحت شخصية كردية ذات أبعاد درامية مركبة، تنتقل من حيز "الضحية" إلى حيز "الشاهد" و"المقاوم بالجمال". اليوسف أحد أعقد وأعمق المحاور التي اشتغل عليها، حيث حوّل "الكائن الكردي" من مجرد ضحية تاريخية إلى "مخزن قيمي" وقوة دفع أخلاقية. الشخصية الكردية في نصوصه، ولا سيما في شنكالنامه وممحاة المسافة، لا تعيش "في" التاريخ، بل "يسكنها" التاريخ بكل ثقله، محولةً البقاء الفيزيائي إلى موقف سياسي وفلسفي حازم. 1. الكردي كـ "أرشيف حي": الذاكرة كبديل عن الجغرافيا في ظل سياسات "المحو" أو التهميش التي تعرضت لها الهوية الكردية، يطرح اليوسف شخصية الكردي كـ "أرشيف متنقل". تدوين ما لا يُدوّن: عندما تغيب المؤسسات التي تحفظ تاريخ الشعوب المقهورة، تصبح ذاكرة الفرد هي "المؤسسة" البديلة. الكردي في نصوص اليوسف يحمل تفاصيل القرى، أسماء الينابيع، تراتيل الأجداد، وتفاصيل المجازر. هذا "الأرشيف" ليس للبكاء، بل هو مادة "المقاومة"؛ فالذاكرة هنا هي التي تمنع الجلاد من إعلان "النصر النهائي" عبر النسيان. 2. التشبث بالجذور: الوجود كفعل "صوفي" الارتباط بالأرض (القامشلي، شنكال، جبال كردستان) عند شخصيات اليوسف يتجاوز المفهوم العقاري أو الوطني الضيق ليصل إلى "الارتباط الصوفي": الهزيمة النفسية للمستبد: يرى اليوسف أن المستبد يراهن على "اقتلاع" الإنسان من بيئته ليجعله هيولياً بلا هوية. لذا، فإن "البقاء على الأرض" أو حتى استحضارها الدائم في المنفى هو فعل "وجودي". الشخصية الكردية ترفض "العدمية" (أي الشعور بلا جدوى الوجود) من خلال التمسك بـ "الجذر". هذا الجذر هو الذي يمد الكائن بالقوة؛ فما دام الكردي يتذكر "رائحة ترابه"، فإن مشروع "المحو" قد فشل. 3. ثنائية (الوجع / الاعتزاز): البطل التراجيدي ينحت اليوسف شخصية الكردي في سياق "التراجيديا الإنسانية الكبرى"، حيث يجتمع النقيضان: حامل "الفرمانات": الشخصية الكردية (وخاصة الإيزيدية في شنكالنامه) تحمل في ذاكرتها الجينية تاريخاً من "74 فرماناً" (حملة إبادة). هذا "الوجع" ليس مدعاة للاستسلام، بل هو وقود لـ "الاعتزاز". الإصرار على طقوس الحياة: الملحمة تكمن في أن هذا الكردي، رغم الجراح، يصر على الغناء (اللاوجي)، وعلى الاحتفال بعيد "الأربعاء الأحمر"، وعلى ممارسة طقوس الزراعة والحب. هذا الإصرار هو ما يسميه اليوسف "الانتصار الأخلاقي"؛ فالضحية التي ترفض أن تموت روحياً هي ضحية انتصرت على جلادها أخلاقياً وتاريخياً. 4. الذاكرة كـ "ممحاة مسافة" التوسع في هذا الجانب يوضح أن الشخصية الكردية عند اليوسف تستخدم الذاكرة لـ "إلغاء المنفى". الكردي "حارس الذاكرة" لا يشعر باليتم في برلين أو باريس، لأنه يحمل "وطنه" داخل حكاياته ولغته. الذاكرة هنا تعمل كـ "ممحاة مسافة"؛ تقرب البعيد وتجعل المكان الأول حاضراً دائماً كفعل طهارة يومي. الكردي هو الكائن الذي "يمشي والوطن في حقيبته الروحية"، مما يجعله عصياً على الذوبان في الثقافات الأخرى دون "بصمته" الخاصة. 5. من "المظلومية" إلى "الشهادة العالمية" نجح اليوسف في نقل الشخصية الكردية من حيز "المظلومية المحلية" إلى حيز "الشهادة الإنسانية العالمية". الكردي حارس الذاكرة في أدبه يمثل كل إنسان على وجه الأرض يرفض أن يُسحق تحت أقدام الطغاة. هو رمز للإنسان الذي يحول "ندوبه" إلى "أوسمة"، ويحول "عويله" إلى "نشيد" للحرية. تُعد سيكولوجيا الشخصية الكردية في المنفى عند إبراهيم اليوسف، وتحديداً في رواية "جمهورية الكلب" ونصوصه السردية المتأخرة، مختبراً لتحليل "تفتت الكائن" وإعادة تشكله. اليوسف لا يكتفي بوصف اللجوء كحالة قانونية، بل يغوص في "البرزخ" الروحي الذي يسكنه الكردي المقتلع، حيث يصبح المنفى مكاناً لتجميد الزمن وفقدان الاتجاه. 1. مفهوم "البرزخ": الوجود المعلق بين موتين يستخدم اليوسف استعارة "البرزخ" ليعبر عن الحالة الوجودية للكردي في ألمانيا؛ فهو ليس في "الجنة" الغربية كما يتخيل البعض، ولم يعد في "الجحيم" الوطني الذي غادره: انفصال الجسد عن الروح: يصور اليوسف الشخصية الكردية ككائن "مشطور"؛ الجسد يخضع لقوانين البيروقراطية الألمانية، يستهلك الطعام ويتقاضى المعونة، لكن الروح تظل عالقة في "جغرافيا الوجع" (القامشلي، كوباني، عفرين). هذا التشظي يجعل الكردي يعيش حالة "اللا-استقرار" النفسي، حيث الحاضر مجرد انتظار مؤلم، والماضي وطن لا يمكن العودة إليه. الاغتراب المزدوج (اللغة والاعتراف): * لغوياً: يعاني الكردي من صمت قسري؛ فلغته الأم التي كانت سلاحه في المقاومة، تتحول في المنفى إلى "لغة صامتة" لا يفهمها المحيط، مما يشعره بالعجز عن التعبير عن عمقه الإنساني. اجتماعياً: يصطدم الكردي بـ "الجدار البارد" للمجتمع المادي الذي يختزله في صفة "لاجئ" (Refugee). هذا الاختزال يقتل "الأنا" الحضارية للكردي، الذي يرى نفسه صاحب إرث وتاريخ، بينما يراه الآخر مجرد رقم في سجلات الهجرة. 2. التهكم والسخرية المريرة: "الدرع" النفسي الأخير عندما يعجز الكردي عن تغيير واقعه في "البرزخ"، يلجأ عند اليوسف إلى "التهكم" كآلية دفاعية وسلاح معنوي: مواجهة ازدواجية المعايير: في "جمهورية الكلب"، يراقب الكردي بمرارة كيف يحظى الكلب بحقوق وتدليل يفوق ما يحصل عليه الإنسان الهارب من الموت. السخرية هنا هي وسيلة لـ "تحطيم هيبة المنفى"؛ فالكردي يضحك بمرارة لكي لا ينكسر تماماً. التهكم هو الطريقة التي يثبت بها الكردي "فوقيته الأخلاقية" على واقع مادي يفتقر للروح. الذاكرة كـ "مصل" ضد الذوبان: يستخدم الكردي ذاكرته التراثية (حكايات الجدات، أمثال القامشلي، طقوس الأعياد) ليعزل نفسه عن "الصقيع" القيمي للغرب. التراث هنا ليس حنيناً سلبياً، بل هو "مصل مضاد" يحمي الهوية من التحلل والذوبان في القالب الغربي الجاهز. 3. سيكولوجيا "الانتظار" وتأجيل الحياة يبرز اليوسف في شخصياته الكردية حالة "الحياة المؤجلة". الكردي في المنفى لا يبني حياة حقيقية، بل يعيش في "محطة قطار" دائمة: هو لا يشتري أثاثاً ثقيلاً، ولا يغرس شجراً، لأنه ينتظر "العودة" المستحيلة. هذا الانتظار يحول الشخصية الكردية إلى شخصية قلقة، تعاني من اضطراب الانتماء للمكان الجديد، وتظل مسكونة بـ "فوبيا" الترحيل أو الضياع. 4. تحويل "الوجع الشخصي" إلى "سردية جمعية" التوسع في هذا الجانب يظهر أن إبراهيم اليوسف نجح في جعل "قهر المنفى" الذي يعيشه الكردي معبراً عن "المأساة الإنسانية العامة". الكردي في "البرزخ" هو رمز لكل إنسان يفقد "مركزه" في العالم ويضطر للبحث عن ذاته في مرايا الغرباء المشوهة. تمثل المرأة الكردية في أدب إبراهيم اليوسف "النواة الصلبة" التي يتشكل حولها الوعي القومي والإنساني؛ فهي ليست مجرد ضحية ترصد المعاناة، بل هي "الفاعل الثقافي" الذي يحمي الكيان من التلاشي. اليوسف يمنحها هالة من القدسية الفنية، محولاً إياها من كائن مهمش في الواقع إلى "أيقونة سيادية" في النص. 1. "سادنة الأرشيف": المرأة كحارسة للغة والذاكرة في المجتمعات التي تتعرض لمحاولات محو لغوي، يرى اليوسف أن المرأة هي التي خاضت معركة البقاء الحقيقية: "اللاوجي" والذاكرة الصوتية: المرأة عند اليوسف هي التي حفظت الأغاني الملحمية (اللاوجي) وحكايات الأجداد. وبينما كان الرجل ينشغل بالصراعات السياسية أو العمل، كانت المرأة تعيد إنتاج الهوية داخل البيت عبر اللغة الأم. هي "القاموس الحي" الذي نقل "شيفرة البقاء" للأبناء، مما جعل اللغة الكردية عصية على الانكسار. التعليم الفطري: يصور اليوسف الأم والجدة كـ "مدرسة أولى"؛ ففي نصوصه (مثل ممحاة المسافة)، تظهر المرأة وهي تبني الوجدان القومي للطفل عبر "الخرافة" والحكاية، محولةً التراث الشفهي إلى جدار صدّ ضد الاستلاب الثقافي. 2. "شنكالنامه" والضحية المقاومة: إعادة صياغة المأساة في روايته "شنكالنامه"، يقدم اليوسف أرقى مستويات "الأنسنة" للمرأة الكردية الإيزيدية التي تعرضت لأبشع أنواع القهر: من "مسبية" إلى "صرخة": يرفض اليوسف حصر المرأة في خانة "الضحية المنكسرة". هو يصور "الناجية" كقوة أخلاقية هائلة. إن صمودها وحفاظها على كرامتها الروحية رغم الانتهاك الجسدي يتحول إلى صرخة توقظ ضمير العالم. المرأة هنا هي التي "تحاكم" التاريخ والمنظمات الدولية بصمتها أو بشهادتها. قدسية المعاناة: يمنح اليوسف للمرأة الإيزيدية بُعداً ميثولوجياً؛ فهي سليلة "طاووس ملك" وشموخ الجبال، وصمودها في وجه "الظلاميين" هو تأكيد على انتصار قيم النور والجمال الأزلية. 3. "الوجع المزدوج": الصراع ضد الاستبداد والتقاليد يرصد اليوسف ببراعة فائقة ما يسميه "الوجع المزدوج" للمرأة الكردية: قهر الآلة العسكرية: المعاناة من القصف، التهجير، والاعتقال. قهر المنظومة الاجتماعية: المعاناة من العادات الراديكالية والقيود التي تفرضها العقلية الذكورية المتشددة. المرأة كـ "ترمومتر" للحرية: يطرح اليوسف فكرة فلسفية مفادها أن حرية المجتمع تُقاس بحرية المرأة. إذا كانت المرأة مقهورة، فإن المجتمع كله سجين. لذا، تظهر المرأة في نصوصه كشخصية متمردة، تحاول كسر القيود الاجتماعية لتكون شريكة كاملة في معركة التحرر الوطني والإنساني. 4. الجمال كفعل مقاومة الجمال عند المرأة الكردية في أدب اليوسف ليس جمالاً شكلياً فحسب، بل هو "جمال وجودي": الزي القومي والألوان: يسهب اليوسف في وصف الألوان الزاهية للأزياء الكردية، معتبراً إياها رموزاً للفرح الممنوع وللربيع الذي يرفض الانكسار. الجمال هنا هو ردّ فعل على قبح الحرب وسواد الأيديولوجيات القاتلة. الأنوثة المتجذرة: المرأة هي "الأرض" في حالة خصوبة دائمة؛ هي التي تزرع السنابل وتعيد بناء البيوت الطينية بعد هدمها. هذا التلازم بين "الأنوثة" و"الأرض" يجعل من الدفاع عن المرأة دفاعاً عن قدسية الوجود ذاته.. تمثل شخصية "المثقف الكردي" في مشروع إبراهيم اليوسف الأدبي، وتحديداً من خلال استعارة "رسول الممالك"، القنطرة التي يعبر فوقها الوجع القومي ليصل إلى رحاب الوعي الإنساني الشامل. هذا المثقف ليس "برجياً" معزولاً، بل هو كائن عضوي مشتبك مع تفاصيل المأساة، يحمل "إبرة الذهب" ليقوم بمهمة تاريخية تتمثل في رتق ما مزقه الجهل والاستبداد. 1. "رسول الممالك": سيكولوجيا المثقف الجوّال يستعير اليوسف صفة "الرسول" ليشير إلى قدسية المهمة وصعوبتها؛ فالمثقف الكردي في نصوصه هو الذي يطوف "الممالك" (المنافي والأوطان البديلة) حاملاً رسالة شعبه: حامل "صندوق الوجع": المثقف هنا هو "صوت من لا صوت لهم". إنه "رسول" لا يبحث عن مجد شخصي، بل يسعى لتدويل القضية الكردية والسورية بأسلوب جمالي رفيع. هو الشخصية التي تحول "الأنات" الفردية المنبعثة من زنازين الشرق أو خيام اللاجئين إلى "سردية عالمية" يفهمها القارئ في كل مكان. المثقف كـ "برزخ" معرفي: يعيش هذا المثقف في حالة قلق دائم؛ فهو ينتمي بفكره للعالم، وبقلبه للقامشلي. هذا القلق هو الذي يدفعه لإنتاج أدب "عابر للحدود"، حيث يمزج بين الفلسفة العالمية وبين الأساطير الكردية المحلية. 2. "إبرة الذهب": دور المثقف في الترميم الاجتماعي يتقاطع المثقف في أدب اليوسف مع رمزية "إبرة الذهب" التي ناقشناها سابقاً، لكنه هنا يتخذ بعداً "سلوكياً": رتق النسيج الممزق: يرى اليوسف أن المثقف الكردي هو الوحيد القادر على رتق الشروخ التي أصابت المجتمع (بين المكونات القومية، أو بين الأجيال). هو الذي يحاول إعادة بناء "الثقة" في الهوية من خلال الكتابة والتوثيق. مواجهة التشويه: يعمل المثقف كـ "مصفاة" للوعي؛ فهو يصحح المفاهيم المغلوطة التي زرعها الاستبداد حول الشخصية الكردية، ويقدمها كشخصية صانعة للجمال والحضارة وليست مجرد ضحية أو مادة للنزاع. 3. "جسور الثقافة": الكتابة بالعربية بـ "قلب كردي" تعد هذه النقطة من أبرز سمات المثقف عند اليوسف؛ حيث يرفض الانغلاق القومي الضيق: اللغة كفضاء مفتوح: المثقف الكردي عند اليوسف يتقن "العربية" حد الإبداع، ويستخدمها كأداة لاختراق الوجدان العالمي. هو يكتب بالعربية "ليسكنها" ويجعلها تحمل همومه، لكن "النبض" والصورة والخيال تظل كردية بامتياز. هذا التلاقح الثقافي يجعل من المثقف "جسر عبور" بين العرب والكرد، وبين الشرق والغرب. الانفتاح الإنساني: المثقف الكردي في نصوصه هو قارئ نهم للتراث العالمي (من شكسبير إلى كافكا، ومن المتنبي إلى درويش). هذا الانفتاح هو الذي يحمي "الكردية" من التحول إلى عصبية منغلقة، ويجعلها قضية "حق إنساني" شاملة. 4. تحويل "الأنين الشخصي" إلى "إبداع عابر للحدود" أهم وظيفة للمثقف "رسول الممالك" هي القدرة على "التحويل الكيميائي" للمشاعر: أنسنة الفجيعة: المثقف هو الذي يأخذ "أنين" أمه في مخيم النزوح ويحوله إلى قصيدة تدمع لها عيون القراء في أوروبا. هو الذي يأخذ "ذكريات" صديقه المعتقل ويحولها إلى رواية تدين الظلم في كل زمان. التوثيق كفعل خلود: يدرك المثقف عند اليوسف أن "السياسة تزول، والكلمة تبقى". لذا، فهو يكرس حياته لتدوين "اللحظة الراهنة" لكي لا تضيع في غياهب النسيان. المثقف هو "الحارس" الذي يضمن ألا تذهب تضحيات شعبه هباءً عبر تخليدها في أرشيف الجمال. يُعتبر محور "الأنسنة مقابل التنميط" الانعطافة الأهم في مشروع إبراهيم اليوسف السردي؛ فبينما غرق الكثير من الأدباء في تقديم الشخصية الكردية كنموذج بطولي خارق (السوبرمان) أو ضحية مستسلمة تماماً، اختار اليوسف الدرب الأصعب وهو "استعادة الكائن البشري" من تحت ركام الأيديولوجيا والشعارات. 1. تحطيم "القوالب الجاهزة" يرى اليوسف أن حصر الكردي في قوالب (المقاتل الجبلي) أو (اللاجئ الباكي) هو نوع آخر من القهر الثقافي. لذا، عمل على: تفكيك صورة "المقاتل": في نصوصه، المقاتل ليس مجرد بندقية، بل هو إنسان يغني، ويفتقد عائلته، ويشعر بالخوف من الموت. اليوسف "يُؤنسن" القوة، ليجعلها نابعة من ضعف بشري نبيل. تجاوز "المظلومية الصامتة": أخرج الكردي من دور "المتلقي السلبي" للظلم، ليجعله كائناً فاعلاً، يُناقش، يُحلل، يسخر، ويتمرد. الشخصية لديه تملك "صوتاً" متميزاً لا يكتفي بالأنين، بل يطرح أسئلة وجودية كبرى. 2. "الإنسان المكتمل": الحق في الضعف والخطأ الكمال في أدب اليوسف يكمن في "النقص البشري". الشخصية الكردية عنده تمتلك: الحق في الخوف والتردد: يصور اليوسف أبطاله وهم في لحظات ضعفهم الإنساني؛ يترددون أمام قرار الهجرة، يخافون من عتمة الزنزانة، ويحلمون بأشياء بسيطة (رغيف خبز، جلسة على نهر جغجغ). هذا "الضعف" هو ما يجعل القارئ (من أي جنسية) يتعاطف معهم؛ لأنه يرى فيهم نفسه. الحق في الحب والحلم: الكردي في "جمهورية الكلب" أو "شنكالنامه" ليس مشغولاً بالسياسة 24 ساعة، بل هو كائن يحب، ويغار، ويبحث عن الدفء الإنساني. هذا الانتقال من "القضية" إلى "القلب" هو ما يمنح الشخصية "صفة العالمية". 3. الكردي كـ "معادل كوني" للإنسان المقهور بمجرد أن جرّد اليوسف الشخصية من نمطيتها القومية الضيقة، تحولت إلى رمز لكل إنسان واجه الظلم: "كل إنسان": الكردي عند اليوسف هو "الفلسطيني" في مخيمه، و"الأرمني" في هجرته، و"الأفريقي" في صراعه ضد العنصرية. عندما يكتب اليوسف عن "وجع الكردي"، فإنه يكتب "مانيفستو" إنسانياً عالمياً ضد التهجير واقتلاع الجذور. التمسك بـ "إبرة الضوء": رغم الاعتراف بالضعف والخطأ، تظل شخصيات اليوسف متمسكة بخيط رفيع من الأمل. هذا التوازن بين "واقعية الألم" و"رومانسية الأمل" هو ما يمنح أدبه صبغة الخلود. 4. سوسيولوجيا "الحياة العادية" يحتفي اليوسف بـ "تراكم التفاصيل الصغيرة" التي تشكل حياة الكردي: إن كتابته عن طقوس شرب الشاي، أو المشي في أسواق القامشلي، أو العلاقات الاجتماعية البسيطة، هي محاولة لقول: "نحن هنا، نعيش، ونستحق الحياة العادية". الأنسنة هنا تعني استعادة الحق في "الحياة الطبيعية" التي سرقها الاستبداد والحرب... خلاصة: الشخصية الكردية عند إبراهيم اليوسف هي "ملحمة بشرية مستمرة"؛ إنها الشخصية التي تُثبت أن الحبر قادر على هزيمة السيف، وأن الذاكرة هي الوطن الحقيقي الذي لا يستطيع أي منفى أن ينتزعه من صاحبه. المراجع الموثقة للدراسة: اليوسف، إبراهيم. شنكالنامه (رواية)، دار أوراق، القاهرة، 2018. اليوسف، إبراهيم. جمهورية الكلب (رواية)، دار خطوط وظلال، عمان، 2020. اليوسف، إبراهيم. ممحاة المسافة (سيرة)، دار أوراق، 2016. اليوسف، إبراهيم. الأعمال الشعرية الكاملة، دار أروقة، القاهرة، 2023. هبون، ريبر. "سيكولوجيا الشخصية الكردية في أدب إبراهيم اليوسف"، دراسة نقدية، 2022. الناشف، ثائر. "صورة اللاجئ في الرواية السورية المعاصرة"، 2023.
#عطا_درغام (هاشتاغ)
Atta_Dorgham#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
العبودية والحرية في أدب إبراهيم اليوسف(2-2)
-
العبودية والحرية في أدب إبراهيم اليوسف(1-2)
-
أصالة الذاكرة ومعاصرة النص.. توظيف التراث في أدب إبراهيم الي
...
-
مفردات البيئة في أدب إبراهيم اليوسف
-
سردية القهر والمقاومة بالكلمة: قراءة في أدب إبراهيم اليوسف
-
المرأة في أدب إبراهيم اليوسف: من قداسة الرمز إلى مأساة الواق
...
-
شهادة معلمي الكلية الألمانية في حلب –الإبادة الأرمنية 1915
-
من شهادات الإبادة الجماعية للأرمن في الأرشيف الألماني
-
من الأرشيف الألماني إبان المذبحة الأرمنية 1915- 3
-
من الأرشيف الألماني إبان المذبحة الأرمنية 1915-4
-
من أرشيفات السفارة الإمبراطورية الألمانية إبان مذابح الأرمن
...
-
من أرشيفات السفارة الإمبراطورية الألمانية إبان مذابح الأرمن
...
-
تقرير صادر عن اللجنة الأمريكية بنيويورك حول الفظائع المرتكبة
...
-
كيف أنقذ علمٌ أربعة آلاف أرمني: رواية القس ديكران أندرياسيان
-
تقرير صادر عن اللجنة الأمريكية بنيويورك حول الفظائع المرتكبة
...
-
تقرير صادر عن اللجنة الأمريكية بنيويورك حول الفظائع المرتكبة
...
-
إبادة جماعية نموذجية، أرمينيا 1915(15-16 )
-
إبادة جماعية نموذجية، أرمينيا 1915(16-16 )
-
إبادة جماعية نموذجية، أرمينيا 1915(13-16 )
-
إبادة جماعية نموذجية، أرمينيا 1915(14-16 )
المزيد.....
-
ترمب يتقمص شخصية العميل 007: رسائل سياسية بصبغة سينمائية تثي
...
-
ربيع للقلب المنهك.. حين يلون الأرجوان إسطنبول
-
النقابات الفنية في مصر ترد على أزمة فيلم -برشامة- برفض -التك
...
-
من القاعدة إلى داعش.. قصة الجذور الفكرية المثيرة للجدل
-
الكويت تخفض التمثيل الدبلوماسي الإيراني وتطلب مغادرة دبلوماس
...
-
مئوية إدريس الشرايبي.. سيرة روائي شرح أعطاب الاستعمار بالفرن
...
-
الشاعر السيريالى عبدالرؤوف بطيخ ضيفا على نادى أدب دمنهور برئ
...
-
منشأة -الكهف- العملاقة للفنان الفرنسي جي آر في باريس تبدو مت
...
-
بعد فوزها بجائزة دولية.. وجدان أبو شمالة: كتابي دعوة أخلاقية
...
-
مدعومة من ترامب.. فنانون ينسحبون من حفلات بمناسبة الذكرى الـ
...
المزيد.....
-
نافذة ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال
/ كمال التاغوتي
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث
...
/ السيد حافظ
-
سِنّمار
/ كمال التاغوتي
-
مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد
...
/ عيسى بن ريمة
-
يونان أو قهر النبوّة
/ كمال التاغوتي
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي
/ ريتا عودة
-
طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة
/ احمد صالح سلوم
-
حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي
/ نايف سلوم
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
المزيد.....
|