|
|
العبودية والحرية في أدب إبراهيم اليوسف(2-2)
عطا درغام
(Atta Dorgham)
الحوار المتمدن-العدد: 8725 - 2026 / 6 / 3 - 00:21
المحور:
الادب والفن
سادسا:. "مدائح البياض" (فلسفة اللغة والتحرر) هذا العمل يمثل جانباً نقدياً وجمالياً مهماً، حيث يبتعد قليلاً عن السرد الروائي ليغوص في "سردية البياض": العبودية والحرية: يرى اليوسف أن "بياض الورقة" هو فضاء الحرية المطلق الذي لا تطاله يد الرقيب. الكتابة هنا هي فعل "عصيان مدني" ضد القبح والظلم. الدلالة: يحلل كيف يمكن للغة أن تكون أداة للاستعباد إذا تدجنت، وكيف تكون أداة للتحرر إذا ظلت مخلصة لـ "بياضها" ونقائها الإنساني. في كتاب "مدائح البياض"، يخلع إبراهيم اليوسف معطف الروائي ليرتدي ثوب الفيلسوف والناقد الجمالي، محولاً "الورقة" من مجرد أداة للكتابة إلى "ساحة حرب وجودية". في هذا العمل، يرتفع "البياض" ليكون المعادل البصري للحرية المطلقة، بينما يمثل "الحبر التدجيني" قيود العبودية التي تحاول السلطات والأيديولوجيات فرضها على وعي الكاتب. التفصيل السردي لفلسفة اللغة والتحرر في هذا العمل: 1. "بياض الورقة": فضاء الحرية الذي لا يُقهر يرى اليوسف أن البياض هو "الحيز الوحيد" الذي يفلت من رقابة المستبد: البياض كفعل عصيان: يسرد اليوسف أن كل كلمة يضعها الكاتب على الورقة هي "فعل انشقاق". البياض يمثل "الفطرة" والحرية الخام قبل أن تُلوثها أوامر الرقيب. الكتابة هنا هي نوع من "العصيان المدني"؛ فالكاتب الذي يملأ البياض بحقيقته الخاصة، إنما يحطم جدران السجن التي تحاول السلطة بناءها حول عقله. الملاذ الآمن: في زمن المحو الجغرافي والاقتلاع، يتحول "البياض" إلى "وطن بديل". هو الفضاء الذي لا تطاله الأسلاك الشائكة ولا يحتاج إلى تأشيرات دخول. الحرية في "مدائح البياض" هي القدرة على استعادة السيادة فوق مساحة الورقة، حيث يكون الكاتب هو "السيد" والوحيد الذي يقرر مصير المعنى. 2. اللغة بين "التدجين" و"التحرر": سيميائية القيد والإنعتاق يحلل اليوسف في هذا العمل ازدواجية اللغة وكيف يمكن توظيفها كأداة للعبودية أو وسيلة للخلاص: اللغة المُدجنة (أداة العبودية): يحذر اليوسف من اللغة التي تخدم "آلة الاستبداد". هي اللغة التي تفقد عذريتها وبياضها لتصبح مجرد شعارات خشبية وكلمات جوفاء تهدف لترويض الجماهير. عندما تسقط اللغة في فخ "المديح الزائف" أو "التبرير للقبح"، فإنها تتحول إلى أداة استعباد تمحو وعي الإنسان وتدجنه داخل قطيع السلطة. اللغة "البيضاء" (أداة التحرر): في المقابل، تبرز اللغة المخلصة لـ "نقائها الإنساني". هي اللغة التي تسمي الأشياء بأسمائها الحقيقية؛ تسمي القمع قمعاً، والحرية حقاً. التحرر عند اليوسف يبدأ من "تطهير اللغة"؛ أي تخليص المفردات من الأوساخ التي علقت بها جراء الاستخدام المشوه من قِبل الأيديولوجيات المنغلقة. 3. الدلالة الجمالية: الكتابة كـ "رتق" للنقاء الإنساني يوظف اليوسف مفهوم "البياض" ليعبر عن استعادة الجمال في وجه القبح: سردية الضوء: البياض هو الضوء الذي يطرد عتمة العبودية. يحلل اليوسف كيف أن الكتابة الحقيقية هي التي تحافظ على "بياض الروح" رغم كل السواد المحيط بها. هي "مديحة" للقيم الإنسانية العليا التي لا تتغير بتغير الأنظمة. رتق المعنى: تستمر استعارة "الرتق" هنا؛ فالكاتب يرتق "بياض الورقة" بـ "سواد الحبر" المتمرد، ليصنع نسيجاً من الحرية. الدلالة هنا أن الحرية ليست حالة سلبية (غياب القيد)، بل هي حالة إيجابية (فعل الكتابة ذاته). 4. التحرر من "عبودية النمط" في "مدائح البياض"، يرفض اليوسف القوالب النقدية الجامدة: يرى أن الالتزام بـ "نمط أدبي" واحد هو نوع من العبودية الفنية. لذا، تأتي نصوص هذا الكتاب متحررة، تتأرجح بين النقد، والشعر، والتأمل الفلسفي. هذا التحرر الأسلوبي هو انعكاس لـ "الحرية الفكرية" التي يدعو إليها؛ فالكاتب الحر هو الذي لا يقبل بالقيود حتى في شكل نصه. .......................... سابعا:. "آلة الاستبداد ولذة المواجهة" (سوسيولوجيا القمع) هذا الكتاب هو تشريح دقيق لآليات العبودية الحديثة في ظل النظم الديكتاتورية: التفاصيل: يسرد اليوسف "تقنيات الخوف" التي تتبعها السلطة لتحويل المجتمع إلى قطيع. هو لا يتحدث بلغة الأرقام، بل يسرد قصصاً ومواقف تعكس "عبودية الصمت". المواجهة: يطرح مفهوم "اللذة" في مواجهة الطاغية؛ وهي لذة معنوية يشعر بها الحر حين يمتلك شجاعة قول "لا". المكان هنا هو "المعتقل" أو "غرفة التحقيق" التي تتحول بفعل الصمود إلى "أكاديمية للحرية". في كتاب "آلة الاستبداد ولذة المواجهة"، يتجاوز إبراهيم اليوسف التنظير السياسي التقليدي ليغوص في "سوسيولوجيا القمع"، مستخدماً أدوات الأديب والباحث الاجتماعي لتشريح البنية النفسية للاستبداد. الكتاب ليس مجرد رصد للانتهاكات، بل هو دراسة في كيفية "تأميم" الروح البشرية وصناعة العبودية الحديثة تحت مظلة الخوف. التفصيل السردي الدقيق لآليات القمع وفلسفة المواجهة في هذا العمل: 1. تقنيات الخوف: صناعة "عبودية الصمت" يسرد اليوسف ببراعة كيف تتحول "الدولة" في ظل الديكتاتورية إلى "آلة" لإنتاج الخوف، محولةً المجتمع إلى قطيع مسلوب الإرادة: تسييج المجال العام: يصف اليوسف كيف تزرع السلطة "راداراتها" في كل مكان؛ في المقاهي، الجامعات، وحتى داخل جدران البيوت. الخوف هنا ليس مجرد شعور، بل هو "بيئة حيوية" يضطر الإنسان للتنفس فيها. "عبودية الصمت" في سرد اليوسف هي المرحلة التي يصبح فيها الكائن حارساً على نفسه، يراقب كلماته وهواجسه قبل أن ينطق بها، مخافة أن يرتطم بجدار السلطة الصلب. تحطيم "الأنا" الجمعية: يسرد الكتاب مواقف تجسد كيف يتم تحويل "الفرد" إلى "ترس" في ماكينة السلطة. العبودية هنا هي "فقدان التفرد"؛ حيث يُجبر الجميع على ارتداء قناع واحد، وترديد نشيد واحد، والذوبان في "هوية القائد" التي تبتلع كل الهويات الشخصية والقومية (خاصة في الحالة الكردية التي يركز عليها اليوسف). 2. "غرفة التحقيق": من مكان للتعذيب إلى "أكاديمية للحرية" ينتقل السرد إلى أشد الأماكن عتمة، ليحولها اليوسف إلى مساحة للتنوير والتحرر: سيميائية المعتقل: المكان هنا (السجن أو غرفة التحقيق) ليس مجرد أربعة جدران، بل هو "المختبر النهائي" لاختبار صلابة الكائن. يسرد اليوسف قصصاً عن صمود المثقفين والمناضلين، حيث تتحول "غرفة التحقيق" بفعل الإرادة من مكان لإذلال الروح إلى "أكاديمية" لتعلم فنون الصمود. قلب موازين القوة: في لحظة المواجهة، يصور اليوسف كيف ينهزم السجان أخلاقياً أمام ثبات الضحية. الحرية هنا هي "السيادة الروحية"؛ فحين يفشل الجلاد في انتزاع اعتراف أو انكسار، تتحول "أدوات التعذيب" إلى شهادات على عجز المستبد أمام إنسان امتلك وعيه الكامل. 3. "لذة المواجهة": النشوة الأخلاقية لقول "لا" يطرح اليوسف مفهوم "اللذة" كمعادل موضوعي للحرية في أقسى تجلياتها: لذة الانشقاق: يسرد اليوسف أن قول "لا" في وجه الطاغية يمنح الحر "لذة معنوية" تفوق الوصف. هي لذة "استعادة الكرامة" وتطهير الذات من دنس التبعية. هذه اللذة هي التي تجعل المثقف يتقبل التضحية، لأن ثمن "الحرية الوجدانية" أغلى من ثمن "الأمان المستعبد". تحرير الوعي: المواجهة عند اليوسف هي فعل "تطهري"؛ فهي تخلص الروح من "صدأ الخوف" المتراكم لسنوات. عندما يمتلك الإنسان شجاعة المواجهة، فإنه يكسر "سوسيولوجيا القمع" داخل نفسه أولاً، وبذلك ينتهي مفعول "آلة الاستبداد" حتى لو ظل الجسد مقيداً. 4. التوثيق كفعل "نقض" للعبودية الحديثة في هذا الكتاب، يسرد اليوسف مواقف وقصصاً حقيقية بعيداً عن لغة الأرقام الجافة: هو يؤمن بأن "الحكاية" هي العدو اللدود للديكتاتور. الأرقام يمكن نسيانها أو تزييفها، لكن "القصة الإنسانية" التي تعكس وجعاً حقيقياً تظل محفورة في الوجدان الجمعي. التوثيق هنا هو "فعل مقاومة"؛ فبمجرد تدوين ما حدث في "المعتقل"، ينتزع اليوسف من المستبد سلطة "المحو"، ويجعل من "عبودية الصمت" صرخة حرية عابرة للأجيال. ............................................ ثامنا:. "استعادة عفرين" (سلسلة المقالات والنصوص التوثيقية) بعيداً عن "عفرين نامه"، كتب اليوسف مئات النصوص التي ترصد "بيئة الاقتلاع" بشكل يومي ومكثف: المفردات البيئية: يركز هنا على "سيرة الشجر المذبوح". يسرد تفاصيل دقيقة عن سرقة "معاصر الزيتون" وتغيير أسماء القرى، معتبراً أن هذه الأفعال هي قمة "عبودية الجغرافيا"؛ أي إجبار الأرض على نطق اسم غير اسمها. الحرية: تظهر في هذه النصوص كفعل "تشبث بالحق التاريخي"، حيث تصبح الذاكرة هي "خط الدفاع الأخير" ضد المحو. في سلسلة نصوصه ومقالاته التوثيقية التي تلت مأساة "عفرين"، ينتقل إبراهيم اليوسف من السرد الملحمي إلى "السرد اليومي للمحو". هذه النصوص لا تعمل كأدب فحسب، بل كـ "مرصد حقوقي وجداني" يرصد كيف تتحول البيئة والجغرافيا إلى ضحايا للاستلاب، وكيف يمكن للكلمة أن تصبح أداة لاستعادة الأرض التي تُسرق ملامحها في وضح النهار. التفصيل السردي الدقيق لمحور "استعادة عفرين": 1. "عبودية الجغرافيا": إجبار الأرض على الخيانة يسرد اليوسف في هذه المقالات تقنيات "المحو الجغرافي" التي تتجاوز السيطرة العسكرية لتصل إلى "تغيير هوية المكان": سيرة الشجر المذبوح: يتتبع اليوسف بأسى دقيق مصير أشجار الزيتون، ليس كخسارة اقتصادية، بل كـ "إبادة بيئية". يسرد تفاصيل اقتلاع الأشجار المعمرة وبيعها كحطب، معتبراً أن قطع الزيتونة هو قطع لشريان الذاكرة الكردية. الشجرة في هذه النصوص هي "مواطن" يُذبح بصمت، وسرقة "معاصر الزيتون" هي محاولة لتعطيل "دورة الحياة" الطبيعية للمكان. تزييف أسماء القرى: يركز اليوسف على "عبودية الجغرافيا" من خلال تغيير الأسماء الكردية التاريخية للقرى والشوارع إلى أسماء غريبة عنها. يرى أن إجبار الأرض على نطق "اسم مستعار" هو قمة الاستعباد؛ فالأرض التي يُنزع عنها اسمها تُسلب من تاريخها، ويتحول سكانها الأصليون إلى "غرباء" في جغرافيتهم الخاصة. 2. الحرية كـ "تشبث بالحق التاريخي" تتحول الحرية في هذه النصوص التوثيقية من مفهوم سياسي إلى "فعل صمود ثقافي": الذاكرة كخط دفاع أخير: يسرد اليوسف أن الحرية في زمن الاقتلاع تبدأ من "عدم النسيان". الكتابة اليومية والمكثفة عن تفاصيل عفرين (الحارات، الوجوه، الطقوس، روائح المعاصر) هي فعل تحرري يرفض الاستسلام لواقع "الأمر الواقع". الذاكرة هنا هي "الحصن" الذي لا يمكن للمدافع اختراقه، والتمسك بالاسم القديم للقرية هو ممارسة للسيادة والحرية. استعادة المكان بالكلمة: يرى اليوسف أن استعادة الأرض تبدأ من "استعادتها في النص". كل مقال يكتبه هو "عودة رمزية" تحرر المكان من قيود الاحتلال الثقافي. الحرية هنا هي الإصرار على أن عفرين تظل "عفرين" في اللغة، مهما تغيرت الأعلام فوق قمم جبالها. 3. سيكولوجيا "الاقتلاع" والانتصار للضحية يسرد اليوسف في مقالاته تحولات "الإنسان المقتلع" الذي يراقب من منفاه البعيد سرقة تفاصيل حياته: يصف اليوسف بمرارة دقيقة سرقة "جرار زراعي" أو "بيت طيني" أو "طاحونة قديمة"، محولاً هذه الأشياء المادية إلى "رموز للكرامة المنهوبة". الانحياز للضحية في هذه النصوص ليس عاطفياً فقط، بل هو "انحياز أنطولوجي"؛ أي الانتصار للحق في الوجود والارتباط بالأرض. الحرية هي رفض "عبودية الاقتلاع" عبر تحويل كل واقعة سرقة أو محو إلى "شهادة دولية" عصية على التزوير. 4. التوثيق كـ "مانيفستو" للبقاء تتميز هذه السلسلة بأنها لا تكتفي بالبكاء على الأطلال، بل تضع "خارطة طريق للعودة الروحية": من خلال "إبرة الذهب"، يرتق اليوسف جراح عفرين بذاكرة القامشلي وشنكال، ليخلق "وحدة وجع" عابرة للمدن. التوثيق اليومي والمكثف هو الصرخة التي تمنع "عبودية الجغرافيا" من أن تصبح قدراً نهائياً. هو يثبت أن الأرض التي يسكنها أصحابها في كلماتهم، هي أرض حرة لا تقبل الاستلاب. ..................... تاسعا:. "إبرة الذهب" (كتاب المنهج والفلسفة) رغم أننا ذكرناه كمرجع، إلا أن محتواه السردي يستحق التوقف: هو يسرد فيه كيف يمكن لـ "الناقد" أن يكون حراً. يرفض اليوسف هنا "عبودية المناهج المستوردة" التي لا تشبه واقعنا، ويدعو إلى "رتق" النقد بالواقع المعاش. المكان في هذا الكتاب هو "النص" ذاته، حيث يتحول النص إلى "وطن متخيل" يجمع شتات المبدعين المطرودين من خرائطهم الأصلية. يُعتبر كتاب "إبرة الذهب" المختبر الفلسفي والمنهجي الذي صاغ فيه إبراهيم اليوسف أدواته "الجراحية" للتعامل مع النص والواقع. في هذا العمل، يتحول النقد من "تمرين أكاديمي" بارد إلى "فعل تحرر"؛ حيث يسرد اليوسف رحلة البحث عن منهج يشبهنا، رافضاً أن يظل العقل العربي والكردي مستعبداً لقوالب جاهزة لا تشم رائحة ترابنا ولا تفهم عمق جراحنا. التفصيل السردي الدقيق لفلسفة المنهج والتحرر في هذا الكتاب: 1. تحرر الناقد: كسر "عبودية المناهج المستوردة" يسرد اليوسف في "إبرة الذهب" ثورة على التبعية الفكرية، معتبراً أن الحرية تبدأ من استقلال الأدوات: رفض القوالب الجاهزة: يهاجم اليوسف ما يسميه "عبودية المناهج المستوردة" التي يتم إسقاطها قسراً على نصوصنا. يرى أن الناقد الذي يكتفي بتطبيق نظريات غربية (بنيوية أو تفكيكية) دون تبيئتها، هو ناقد "مُستلب" يمارس نوعاً من التبعية الثقافية. الحرية في "إبرة الذهب" هي القدرة على ابتكار منهج ينبع من خصوصية النص ووجع صاحبه. رتق النقد بالواقع المعاش: يدعو اليوسف إلى "رتق" (خياطة) الفجوة بين النظرية النقدية والواقع الميداني. الناقد الحر عنده هو الذي "يشم" رائحة الدم، والبارود، والطين في النص، ولا يحبسه في مختبرات لسانية جافة. المنهج هنا يصبح "إبرة" تعيد وصل الأدب بالحياة، محولةً النقد من "سلطة" على النص إلى "شراكة" في الألم والأمل. 2. النص بوصفه "وطناً متخيلاً" (سيمياء المكان البديل) ينتقل مفهوم المكان عند اليوسف في هذا الكتاب من الجغرافيا الأرضية إلى "جغرافيا الورق": مأوى المطرودين: يسرد اليوسف كيف يتحول "النص" إلى الخريطة الوحيدة التي لا يمكن احتلالها. بالنسبة للمبدعين المطرودين من خرائطهم الأصلية (بفعل النفي أو الاستبداد)، يصبح النص هو "الوطن المتخيل". النص هنا هو المكان الذي يجمع شتات الهوية، حيث يلتقي فيه الكردي والسوري والعربي ليعيدوا بناء ما تهدم في الواقع. السيادة النصية: في هذا "الوطن المتخيل"، يمارس الكاتب سيادته الكاملة. الكتابة هي فعل "استرداد للمكان"؛ فإذا كانت عفرين أو القامشلي قد سُلبت جغرافياً، فإنها تظل حرة وعصية على الكسر داخل النص. "إبرة الذهب" هي الأداة التي تثبت أركان هذا الوطن البديل، مانعةً إياه من التلاشي أمام رياح النسيان. 3. "إبرة الذهب": فلسفة الرتق والوصل يوظف اليوسف استعارته المركزية ليشرح دور الناقد والمبدع في لملمة الشتات: رتق الهوية: يرى اليوسف أن الشخصية الإنسانية في منطقتنا تعاني من "تمزقات" حادة (بين التراث والحداثة، بين القومية والإنسانية). دور "إبرة الذهب" هو رتق هذه الشقوق لصناعة "نسيج هوية متماسك" وقابل للحياة. الجمال كفعل مقاومة: يسرد الكتاب أن المنهج النقدي يجب أن يبحث عن "الجمال" حتى في قلب القبح، لأن الجمال هو أرقى أشكال الحرية. الناقد الذي يحرر الجمال الكامن في نص يكتبه مهجر أو سجين، هو في الحقيقة يمارس فعلاً تحررياً يكسر به قيود القبح التي فرضها المستبد. 4. التحرر من "عبودية المصطلح" يسعى اليوسف في كتابه لتجريد المصطلح النقدي من سلطته القمعية: يدعو إلى لغة نقدية "بيضاء" (بالإحالة إلى مدائح البياض)، لغة قريبة من نبض الناس وبسيطة بساطة "الطين"، لكنها عميقة عمق "الجبل". هذا التحرر من تعقيدات المصطلحات "المُقعرة" هو دعوة لعودة الروح إلى جسد الثقافة، بحيث يصبح الأدب ملكاً للجميع، وليس حكراً على "نخبة مستعبدة" لترجمات جافة. خاتمة العبودية والحرية في أدب إبراهيم اليوسف ليسا مجرد نقيضين، بل هما "معركة مستمرة" تُخاض على ورق الذاكرة. الحرية هي "الانتصار على الخوف" واستعادة صوت الضحية، بينما العبودية هي الصمت الذي يسبق المحو. ومن خلال "إبرة الذهب"، يحاول اليوسف دائماً رتق ثوب الحرية الذي مزقته مخالب الاستبداد. المراجع : اليوسف، إبراهيم. رسول الممالك الجريحة، منشورات إلكترونية/ورقية، 2020. اليوسف، إبراهيم. مدائح البياض، دار نينوى، دمشق. اليوسف، إبراهيم. آلة الاستبداد ولذة المواجهة، 2017. اليوسف، إبراهيم. استعادة عفرين: نصوص في الذاكرة والجرح، 2018-2022. بهذه الأعمال، تكتمل صورة إبراهيم اليوسف كأديب لا يحصر نفسه في "ثلاثية" معينة، بل يمد خيوط "إبرته الذهبية" لتشمل كل زاوية من زوايا الوجع الإنساني، مستخدماً السرد كأداة وحيدة لترميم كرامة الإنسان المهدورة. ................................. المراجع الداعمة لهذا السرد: اليوسف، إبراهيم. شنكالنامه: وقائع فاجعة، دار أوراق، القاهرة، 2018. (تحليل العبودية والتحرر في سياق الإبادة). اليوسف، إبراهيم. جمهورية الكلب (رواية)، دار خطوط وظلال، عمان، 2020. (ثنائية الحرية والعبودية في المنفى). اليوسف، إبراهيم. آلة الاستبداد ولذة المواجهة (مقالات)، 2017. (سردية الصراع مع السلطة المستبدة). هبون، ريبر. بلاغة الأنسنة في سرديات إبراهيم اليوسف، 2022. (دراسة في كيفية تحرر الشخصية الروائية من النمطية). الناشف، ثائر. سوسيولوجيا الوجع في الأدب السوري المعاصر، 2023.
#عطا_درغام (هاشتاغ)
Atta_Dorgham#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
العبودية والحرية في أدب إبراهيم اليوسف(1-2)
-
أصالة الذاكرة ومعاصرة النص.. توظيف التراث في أدب إبراهيم الي
...
-
مفردات البيئة في أدب إبراهيم اليوسف
-
سردية القهر والمقاومة بالكلمة: قراءة في أدب إبراهيم اليوسف
-
المرأة في أدب إبراهيم اليوسف: من قداسة الرمز إلى مأساة الواق
...
-
شهادة معلمي الكلية الألمانية في حلب –الإبادة الأرمنية 1915
-
من شهادات الإبادة الجماعية للأرمن في الأرشيف الألماني
-
من الأرشيف الألماني إبان المذبحة الأرمنية 1915- 3
-
من الأرشيف الألماني إبان المذبحة الأرمنية 1915-4
-
من أرشيفات السفارة الإمبراطورية الألمانية إبان مذابح الأرمن
...
-
من أرشيفات السفارة الإمبراطورية الألمانية إبان مذابح الأرمن
...
-
تقرير صادر عن اللجنة الأمريكية بنيويورك حول الفظائع المرتكبة
...
-
كيف أنقذ علمٌ أربعة آلاف أرمني: رواية القس ديكران أندرياسيان
-
تقرير صادر عن اللجنة الأمريكية بنيويورك حول الفظائع المرتكبة
...
-
تقرير صادر عن اللجنة الأمريكية بنيويورك حول الفظائع المرتكبة
...
-
إبادة جماعية نموذجية، أرمينيا 1915(15-16 )
-
إبادة جماعية نموذجية، أرمينيا 1915(16-16 )
-
إبادة جماعية نموذجية، أرمينيا 1915(13-16 )
-
إبادة جماعية نموذجية، أرمينيا 1915(14-16 )
-
إبادة جماعية نموذجية، أرمينيا 1915(11-16 )
المزيد.....
-
موجة من الموسيقى القاتمة تسيطر على إصدارات نجمات البوب هذا ا
...
-
-ليست مجرد مهنة-.. مكتبات الخرطوم تعاود نشاطها رغم ندوب الحر
...
-
وفاة الممثلة المصرية سهام جلال عن 54 عامًا
-
وفاة الفنانة المصرية سهام جلال
-
الرحم الاصطناعي وهندسة الجنين.. هل تبتلع الآلة -مركزية- الإن
...
-
الفن والكلمات.. أمسية ثقافية في تعز تفتح أبواب الذاكرة والأل
...
-
استذكار الشاعر الكبير مظفر النواب في جمعية المهندسين
-
ترقب في دمشق لإعلان تشكيلة البرلمان الجديد: حصة رئاسية لتعوي
...
-
محمود سعيد.. رائد الحداثة التشكيلية الذي صهر الضوء الأوروبي
...
-
-تيلا برازيل-.. منصة مجانية لبث إنتاج السينما والتلفزيون بال
...
المزيد.....
-
جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال
/ كمال التاغوتي
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث
...
/ السيد حافظ
-
سِنّمار
/ كمال التاغوتي
-
مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد
...
/ عيسى بن ريمة
-
يونان أو قهر النبوّة
/ كمال التاغوتي
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي
/ ريتا عودة
-
طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة
/ احمد صالح سلوم
-
حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي
/ نايف سلوم
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
-
رواية هروب بين المضيقين
/ أمين أحمد ثابت
المزيد.....
|