أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - هيأة التقاعد.. جمهورية الأرقام التي لا تنام .














المزيد.....

هيأة التقاعد.. جمهورية الأرقام التي لا تنام .


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8725 - 2026 / 6 / 3 - 07:50
المحور: قضايا ثقافية
    


في بلادٍ تضيع فيها المدن أحيانًا ولا تضيع فيها الفلسات، تقف هيئة التقاعد شامخة كقلعة رياضية متخصصة بحساب أنفاس المتقاعدين وعدّ أيامهم وساعاتهم ودقائقهم، حتى ليخيل للمرء أن نيوتن لو كان عراقياً لترك قوانين الجاذبية واشتغل مدققاً في سجلاتها، فهناك فقط تُقاس العدالة بالمسطرة الإلكترونية ويُوزن الزمن بالميزان الذري، وتُحسب الدنانير كما تُحسب النجوم في السماء.إنها مؤسسة عجيبة تستحق أن تُدرّس في معاهد الفلسفة الحديثة، لأنها استطاعت أن تحل أعقد معضلة عرفتها البشرية: كيف يمكن للحق أن يكون سريعاً عندما يكون للدولة، وبطيئاً عندما يكون للمواطن؟ وكيف تستطيع المعاملة الواحدة أن تركض بسرعة الضوء إذا كانت تطالب متقاعداً بدينار واحد، لكنها تتحول إلى سلحفاة عجوز عندما يكون المتقاعد هو من يطالب بحقه؟.. المتقاعد العراقي، ذلك الكائن الذي أمضى عمره بين الخدمة والحروب والوظائف والانتظار، يكتشف بعد تقاعده أنه دخل مرحلة جديدة من الخدمة الوطنية، لكن هذه المرة في طوابير المراجعات. يراجع اليوم فيقال له غداً، ويأتي غداً فيقال له الأسبوع القادم، ويأتي الأسبوع القادم فيقال له إن المعاملة تحت التدقيق، ثم يكتشف بعد سنوات أن التدقيق نفسه قد أُحيل إلى التقاعد.
المفارقة المضحكة المبكية أن بعض الحقوق المالية المعلقة منذ عقود تبدو وكأنها دخلت في غيبوبة قانونية طويلة، فلا أحد يعرف متى تستيقظ، ولا أحد يعرف أي طبيب إداري قادر على إنعاشها. سنوات تمر، ووجوه تتغير، ومدراء يتقاعدون، وحكومات تتبدل، بينما تبقى الحقوق معلقة في مكان ما بين درجٍ مغلق وملفٍ أصفر وعبارة خالدة اسمها "راجعنا بعد فترة".لكن ما إن يتعلق الأمر بمبلغ صغير تدين به الدولة على مواطن، حتى تتحول المؤسسة إلى وكالة فضاء تمتلك أدق أجهزة الرصد والمتابعة. فجأة تصبح الأيام واضحة، والساعات محسوبة، والدقائق موثقة، وكأن الملائكة نفسها تشرف على جداول الحسابات. لا تضيع فلسة، ولا يختبئ دينار، ولا يفلت يوم واحد من العدسة المكبرة للبيروقراطية العراقية.
وهنا تبدأ الكوميديا السوداء التي لا يستطيع أعظم كتاب المسرح العبثي تخيلها. فالمواطن الذي أمضى عشرين عاماً يطالب بفروقات أو مستحقات أو حقوق مؤجلة، يسمع ألف تفسير وتأويل وتأجيل، بينما يُطلب منه في المقابل أن يسدد ما عليه فوراً وكأن الزمن لم يعرف يوماً معنى التأخير. الدولة تمتلك ذاكرة فولاذية عندما تتذكر ما لها، لكنها تصاب أحياناً بفقدان ذاكرة مزمن عندما يتعلق الأمر بما عليها.إنها عدالة غريبة تشبه بائع الميزان الذي يزن لك الريشة إذا كانت لك، ويزن لك الجبل إذا كان عليه. عدالة تجعل المواطن يتساءل إن كانت الدنانير تمتلك جنسية مختلفة؛ فالدينار الذي يدخل خزينة الدولة يبدو مقدساً ومحاطاً بكل أنواع الحماية والرعاية، أما الدينار الذي يجب أن يخرج منها فيدخل رحلة طويلة من التأملات الفلسفية والإجراءات الروتينية واللجان والدراسات والمخاطبات التي قد تحتاج إلى عمر إضافي كي تكتمل.ولعل أعظم إنجاز حققته هذه البيروقراطية أنها جعلت المتقاعد خبيراً في علوم الانتظار. فهو يعرف أنواع الطوابير، ودرجات المراجعات، وفصول التأجيل الأربعة، ويستطيع أن يميز بين عبارة "راجعنا الأسبوع القادم" وعبارة "راجعنا الشهر القادم" كما يميز عالم الأحياء بين أنواع الكائنات النادرة.ووسط هذا المشهد كله، يبقى السؤال معلقاً في سقف الدائرة كساعة قديمة لا تتوقف عن الدق: إذا كانت العدالة قادرة على أن تحسب الأيام بدقة عندما يكون المواطن مديناً، فلماذا تعجز عن العد نفسه عندما يكون المواطن دائناً؟ وإذا كانت الذاكرة الإدارية تحفظ كل فلس مطلوب، فلماذا تنسى كل دينار مستحق؟.. ربما لأننا ما زلنا نعيش في جمهورية الأرقام التي لا تنام عندما تبحث عن حقوقها، لكنها تنام نوماً عميقاً كلما جاء المواطن يبحث عن حقه. وهناك، خلف النوافذ الزجاجية والأختام الكثيرة والملفات المتراكمة، يجلس الزمن العراقي متقاعداً هو الآخر، ينتظر أن تُصرف له فروق العدالة المتأخرة منذ سنوات طويلة.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جمهورية المرايا الكاذبة.
- ملف السجون السرية بعد 2003.
- كيف تقتلُ أمةً دون أن تُطلقَ رصاصة؟
- الاكتشافُ الذي جعلَ التكنولوجيا تنتحر في العراق.
- العراق بين راعي الصخول وتفلة الملا... ..
- التخريب الذي لا يُرى.
- دموع المتقاعدُ العراقي… هل يسمعُ اللهُ صريرَ عظامِ الوطن؟
- الموت الأخلاقي للمثقف العربي .
- نهاية الأقنعة… وبداية الدولة .
- منظماتٌ تُعلّقُ الوطنَ على جدارِ الشهادات.
- المتقاعدون في العراق… موتٌ بطيء برواتب هزيلة.
- الدولة التي تأكل نفسها.
- في سوق الظلال… تُباع البلاد بصوتٍ خافت.
- مهرجان الوجوه… وجنازة الفكرة.
- القانون يجرؤ… والهيبة تتوسّل .
- وطن يُجبِي أبناءه بدل أن يُعلِّمهم .
- البصرة… ذاكرةُ الضوء وسيرةُ العين التي تعلّمت أن ترى .
- العراق… حين يتبدّل القاتل ولا تتبدّل الجريمة..
- في مقام الدولة… حين يصبح العدل لغة الحكم.
- شرف الكلمة في زمن السقوط: أزمة المصداقية في الإعلام العربي-


المزيد.....




- بعد أن كانت بمنأى عنها.. الحرب تقترب من أكبر مدن روسيا
- ماذا يخطط زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون بتفقد منشأة نووية ...
- فيديو يوثق لحظة اصطدام طائرة مسيرة بمبنى في مطار الكويت
- -علينا كسر حزب الله لإنقاذ لبنان- – مقال في التايمز
- هل يطوي نصب باريس صفحة الخلافات بين فرنسا ورواندا؟
- بدبلوماسية الجوار النشطة.. كيف يعيد رئيس بنين الجديد رسم خري ...
- الاحتلال يسرق أراضي الفلسطينيين بنابلس لصالح المستوطنين
- بين غزة ولبنان.. عائلات تُمحى من السجل المدني تحت القصف الإس ...
- بعد سنوات من الآلام تمضي الصومال بثبات إلى انتخابات جديدة
- انتكاسة لطموحها الدولي.. ألمانيا تفشل لأول مرة في دخول مجلس ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - هيأة التقاعد.. جمهورية الأرقام التي لا تنام .