أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أكرم شلغين - قلب لا يهدأ وهوية معلّقة و وجع منفى














المزيد.....

قلب لا يهدأ وهوية معلّقة و وجع منفى


أكرم شلغين

الحوار المتمدن-العدد: 8692 - 2026 / 4 / 29 - 20:13
المحور: قضايا ثقافية
    


ثمّة اعترافات لا تُقال صراحة، لكنها تتسرّب من بين نبرات الصوت، من تردّد الجملة، ومن تلك الوقفة القصيرة قبل أن يكتمل الكلام. حين يقول بعض السوريين في المنافي الأوروبية أو الأمريكية إنهم لا يفهمون لماذا ما زالوا يهتمّون بالشأن السوري، فإنهم في الحقيقة لا يطرحون سؤالا بقدر ما يخفون جوابا. إنهم يتحدثون بلسانٍ يحاول التخفف، لكن قلوبهم تفضحهم؛ قلوب لا تزال هناك، في مكانٍ ما، حيث لم تعد الأجساد تقيم.
ليس الانتماء قرارا إراديا يُتخذ، ولا هو قميص يمكن خلعه عند أول منعطف. إنّه طبقة عميقة من الوجود، تتشكّل في الطفولة، وتترسّخ في تفاصيل الحياة اليومية: في رائحة الخبز، في أسماء الشوارع، في ضحكات الجيران، في أول خفقة قلب ارتبطت بوجه ما. هذه الأشياء لا تُنسى لأنها ببساطة ليست "ذكريات" فقط، بل هي مكوّنات للذات. لذلك، حين يحاول الإنسان أن يتنكّر لها، فإنّه في الحقيقة يحاول أن يتنكّر لنفسه.
المنفى، سواء كان قسرياً أو اختيارياً، ليس انتقالا جغرافيا فحسب، بل هو انزياح وجودي. هو أن تعيش في مكان لا يشبهك تماما، وأن تتذكّر مكانا لم يعد كما كان. وفي هذا التمزّق تنشأ حالة غريبة: لا أنت تنتمي كليا إلى هنا، ولا أنت قادر على العودة حقا إلى هناك. إنك تقف في منطقة وسطى، هشّة، بلا تعريف واضح.
السوري في المنفى يعيش هذا التوتر مضاعفا. فهو، من جهة، خرج من واقعٍ كان في كثير من الأحيان ضاغطا أو مؤلما، و سياسيا خانقا خلال سنوات طويلة. ومن جهة أخرى، لم يدخل بالكامل في نسيج المجتمعات الجديدة التي احتضنته. وبين الخروج والدخول، يبقى شيء معلق: شعور بالانتماء لا يجد أرضا يستقر عليها.
لذلك، حين يتابع أخبار ارتفاع الأسعار في سوريا من كهرباء وخبر وغز ووقود وسلع كثيرة...، أو يتألم لخصخصة مؤسساتها، أو يقلق على مصير أهلها رغم غياب روابط عائلية مباشرة، فهو لا يمارس "اهتماماً سياسياً" فحسب، بل يستجيب لجرحٍ داخلي. إنّه يرى في تلك الأخبار امتدادا لذاته، لا لمجرّد بلد بعيد. وكأنّ كلّ خبر هناك يوقظ فيه سؤالا هنا: من أنا، إذا لم أكن من ذلك المكان؟
غير أنّ المأساة لا تقف عند حدود الحنين. فثمة شعور آخر أكثر تعقيدا: شعور بأن البلد نفسه يتغيّر، يُعاد تشكيله، وربما يُعاد تعريفه بطرق لا تشبه ما كانه في الذاكرة. حين يُنظر إلى الوطن بوصفه مشروعاً اقتصادياً أو "سوقاً مفتوحة"، فإن العلاقة العاطفية معه تتعرّض لاهتزاز عميق. كيف يمكن أن تحبّ مكاناً يُعاد تسويقه؟ كيف يمكن أن تنتمي إلى شيء يُعاد إنتاجه بمعايير لا تخصّك؟
وهنا تتفاقم المعضلة: في الخارج، هؤلاء ليسوا أبناء البلد الجديد بالكامل؛ وفي الداخل، لم يعودوا أبناء البلد القديم كما كان. إنهم يعيشون حالة "اللا-بين": لا وطن مكتمل، ولا هوية مستقرة. وهذا ليس توصيفا بلاغيا، بل تجربة يومية من التمزّق الصامت.
ومع ذلك، ربما تكمن إنسانية هذه التجربة في هذا التناقض ذاته. فهؤلاء الذين يقولون إنهم لا يعرفون لماذا يهتمون، هم في الحقيقة الدليل الحيّ على أن الانتماء لا يُقاس بالمسافة، ولا يُلغى بالجوازات الجديدة. إنهم يثبتون، دون أن يقصدوا، أن الإنسان يمكن أن يعيش بأكثر من زمن، وأكثر من مكان، وأكثر من وجع في آن واحد.
كارثتهم، نعم، كبيرة. لكنها أيضاً تكشف شيئاً عميقاً عن طبيعة الإنسان: أنه كائن لا يستطيع أن يبدأ من الصفر، ولا أن يمحو جذوره بالكامل. قد يبتعد، قد يتغيّر، قد يتكيّف، لكنه يحمل دائماً، في مكان خفي، خريطةً أولى للعالم… خريطةً لا تُمحى.



#أكرم_شلغين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين يعيش الإنسان… ويترك غيره يعيش
- والخلود يصبح عبئا
- -هام-* في انتظار المستحيل: حيث تتمرد الأمنية على قوانين الزم ...
- المرأة المناسبة التي لا تأتي: عطب الرغبة
- أين يختبئ واحدنا؟
- الحقيقة التي تتسع للجميع
- جورة حسني
- بين القرب والبعد: تأملات في المسافة والحنين
- أثر الكلام في الأفراد والمجتمعات: بين السحر والسلطة
- يوم أن ألقى جورج أورويل بنفسه في السجن عمدا!
- حين تُختبر الحرية من داخلها
- استنقاذا للإنسانية: هل يمكن تحويل الشرير إلى إنسان؟
- بلاد حمزاتوف.. وبلادنا!
- قبلة الجلاد: حين يصبح الملاذ مصدرا للعذاب
- التطرف المختار: سيكولوجية الهوية الحادة بين الرحم والمذهب
- أحلام تتقلص...وأوطان تتلاشى
- مائدة الحنين
- الاقتباس والابداع في الميزان: بين الانفتاح الثقافي واخلاقيات ...
- حارس الإشارة والوادي الصامت: عزلة الوعي في متاهة الحداثة
- رعب التحول: قراءة مع هودجسون*


المزيد.....




- شاهد: بلغاريا تفوز بمسابقة يوروفيجن ودارا تحتفل بانتصار تاري ...
- وزير العدل الفرنسي يزور الجزائر لفتح -فصل جديد- ومناقشة -قضا ...
- بيان رسمي مصري بعد حادثة اصطياد نوع نادر من أسماك القرش
- -يوروفيجن 2026-.. بلغاريا تحصد اللقب لأول مرة في تاريخها
- فنزويلا ترحّل حليف مادورو المقرّب إلى الولايات المتحدة
- على طريقة -جيمس بوند-.. البيت الأبيض ينشر صورة لترامب
- إسرائيل تعترض صواريخ أطلقها حزب الله على قواتها بجنوب لبنان ...
- -الغضب الملحمي- و -أظافر القدم-.. أسماء حروب أمريكا بين السخ ...
- -هدوء ما قبل العاصفة-.. هل قرر ترمب أخيرا استئناف الحرب على ...
- بعد استقالة سيلينا.. رئيس لاتفيا يكلف نائبا من المعارضة بتشك ...


المزيد.....

- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أكرم شلغين - قلب لا يهدأ وهوية معلّقة و وجع منفى