أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أكرم شلغين - أثر الكلام في الأفراد والمجتمعات: بين السحر والسلطة














المزيد.....

أثر الكلام في الأفراد والمجتمعات: بين السحر والسلطة


أكرم شلغين

الحوار المتمدن-العدد: 8606 - 2026 / 2 / 2 - 02:48
المحور: قضايا ثقافية
    


ليس الكلام مجرد أصوات تتشكل في الهواء ثم تتلاشى، بل هو قوة خفية تصنع المعنى، وتعيد تشكيل الواقع، وتؤثر في النفوس كما تؤثر الرياح في اتجاه السفن. بالكلمات نبني الثقة أو نهدمها، نُشعل الحروب أو نطفئها، نرفع إنسانًا أو نحطمه أحيانًا دون أن نشعر.
يروى مثال شائع عن رجل أراد بيع بيته، فذهب إلى مكتب عقاري وراح يصف منزله بعبارات جافة: المساحة كذا، عدد الغرف كذا، الموقع كذا. أعاد صاحب المكتب العقاري صياغة الوصف فقال: منزل مشمس حيث تلامس شمسه الأولى سريرك، تتنفس غرفه الضوء، تحيط به جيرة هادئة، وفناء يليق براحة العائلة.... إلخ حين قرأ صاحب البيت الإعلان، دهش وسأل: "أهذا بيتي؟" ثم غيّر رأيه وعدل عن البيع. البيت لم يتغير، لكن اللغة هي التي غيّرت زاوية الرؤية. هذا المثال البسيط يلخص كيف لا يصف الكلام الواقع فقط، بل يصنعه في وعينا.
يتجلى هذا الأثر بوضوح في الأدب والتاريخ، ولعل أوضح مثال مسرحية يوليوس قيصر لشكسبير. فبعد اغتيال قيصر، يخاطب بروتوس الشعب بخطاب عقلاني هادئ يبرر فيه القتل باسم الحرية، فيقتنع الجمهور. لكن ما إن يصعد مارك أنطونيو ويلقي خطابه الشهير أمام جمهور يهتف لقتلة قيصر، حتى تنقلب الجماهير رأسا على عقب. في دقائق، يعيد ترتيب الكون بكلماته:"أيها الأصدقاء والرومان والمواطنون، أصغوا إليّ… أنا آت لأدفن قيصر لا لأمتدحه… لكن أفعاله ستنطق حين تُصمت شفتاي".
لم يُطلق رصاص، ولم يُرفع سيف؛ بل استُخدمت لغة مشحونة بالعاطفة، ملتفة، ذكية، حوّلت التعاطف إلى غضب، والحب إلى كراهية. وهنا يصدق قول شكسبير:
“The evil that men do lives after them the good is oft interred with their bones.”
فاللغة قادرة على بعث الشر أو دفن الخير، بحسب من يمسك بزمامها.
وفي رواية 1984 لجورج أورويل، يُدمّر النظام الأفراد عبر «اللغة الجديدة» التي تُفقر المفردات لتُفقر التفكير. فالحرية، كما يقول أورويل، "أن تقول إن اثنان زائد اثنان يساوي أربعة". أما فيكتور هوغو فيؤكد أن "لا شيء أقوى من فكرة حان أوانها"، والكلمة هي التي تُعلن أن الأوان قد حان. وليس بعيدا عن ذلك، حرّر نيلسون مانديلا شعبه بالكلمات حين قال: "التعليم أقوى سلاح يمكنك استخدامه لتغيير العالم".
من منظور علم النفس، يُفسَّر هذا التأثير بما يُعرف بـ إطار الخطاب (Framing Effect)؛ فالعقل لا يتفاعل مع المعلومة وحدها، بل مع طريقة تقديمها. لذلك قد ينزعج شخص إن قلت له: "أنت عامل خدمات"، لكنه يشعر بالفخر إن قلت: "أنت رئيس مكتب الخدمات". الإنسان هو ذاته، والمهام هي ذاتها، لكن كلمة واحدة قادرة على إضاءة الكرامة أو إطفائها، لأنها تمس حاجة نفسية عميقة: الحاجة إلى التقدير والاعتراف.
وقديما قال أرسطو: "أعطني كلمة وسأحمل العالم". ويقول مالكولم إكس: "الكلمات تطلق العواطف، وتجمع الناس أو تفرقهم". أما روديارد كيبلينغ فرأى أن "الكلمات أقوى المخدرات التي تستخدمها البشرية"، بينما وصفت ريتا ماي براون اللغة بأنها "خريطة وعينا التي تخبرنا من أين أتينا وإلى أين نحن ذاهبون".
وفي الأديان، نجد تأكيدا صريحا على خطورة الكلمة؛ ففي سفر الأمثال جاء: "الموت والحياة في يد اللسان"، وفي الإسلام نقرأ: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ وقال الإمام علي: "اللسان سبعٌ إن خُلّي عنه عقر". وفي أدبنا العربي قال المتنبي: وَخَصلَةُ مِن كَلامِكَ أَن يَكونا سَماعُهُ لَذَّةً وَقَولُهُ حَزَنا
وقال جبران خليل جبران: "الكلمة الطيبة ليست مفتاح القلب فحسب، بل هي اليد التي تمسك بالمفتاح".
أما في علم النفس، فيؤكد ليف فيغوتسكي أن الكلمات ليست مجرد تعبير عن الفكر، بل أداة لتشكيله. ويرى جورج هربرت ميد أن الذات الإنسانية تتكوّن عبر التفاعل مع الآخرين، وأن اللغة هي الوسيط الأساسي لهذا التكوين. ويختصر ويليام جيمس هذه الحقيقة بقوله:
“The deepest principle in human nature is the craving to be appreciated.”
بكلام مختصر، الكلام ليس زينة للفكر، بل هو الفكر حين يمشي بين الناس؛ هو الجرح حين يُقال بلا وعي، والشفاء حين يُقال بمحبة. وبين كلمة تُهين وكلمة تُنقذ، يتحدد مصير إنسان… وأحيانا مصير أمة.
لذلك، تكلّم، كما قال سقراط، لكي نراك، لكن تذكّر دائما: أن نراك جميلا، أو قاسيا، يبدأ من الكلمة الأولى.



#أكرم_شلغين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- يوم أن ألقى جورج أورويل بنفسه في السجن عمدا!
- حين تُختبر الحرية من داخلها
- استنقاذا للإنسانية: هل يمكن تحويل الشرير إلى إنسان؟
- بلاد حمزاتوف.. وبلادنا!
- قبلة الجلاد: حين يصبح الملاذ مصدرا للعذاب
- التطرف المختار: سيكولوجية الهوية الحادة بين الرحم والمذهب
- أحلام تتقلص...وأوطان تتلاشى
- مائدة الحنين
- الاقتباس والابداع في الميزان: بين الانفتاح الثقافي واخلاقيات ...
- حارس الإشارة والوادي الصامت: عزلة الوعي في متاهة الحداثة
- رعب التحول: قراءة مع هودجسون*
- حين يتكلم الجمهور: من لوبون إلى شكسبير إلى يومنا
- بين العزلة والنداء: اختبار وجود
- النهر الذي لم نعبره مرتين: قراءة في قصة نجيب محفوظ -نصف يوم-
- وجهان للحرية: صمت المعرفة وضجيج الواقع
- الكلب*… ذلك المخلوق الذي أحبنا أكثر مما نستحق
- الخوف لا يخلق الإنسان السوي: بين الوازع الداخلي وسلطة الخارج
- تبنى المدن وتترك العقول خرابا
- هل نملك الشجاعة لمراجعة ثقافتنا السائدة؟
- مهرجان الحنفية: مسرحيات الفشل في الأنظمة الديكتاتورية


المزيد.....




- الأمل في المشروع العربي وسط عالم متصارع
- بمعدات بدائية.. الدفاع المدني يعيد افتتاح أول نقطة له شمالي ...
- الاحتلال يكشف عن ممر -ريغافيم- لمراقبة معبر رفح
- بعد تحذير خامنئي من حرب إقليمية.. ترامب يأمل في التوصل إلى ا ...
- -لتكون حرة مرة أخرى-.. ترامب يتحدّث عن اتفاق محتمل مع كوبا
- مطار الخرطوم يستأنف عملياته بهبوط أول طائرة ركاب منذ اندلاع ...
- أخبار اليوم: حظر تجول بشمال شرق سوريا مع بدء اتفاق دمشق وقسد ...
- بوندسليغا: دورتموند يواصل ملاحقة بايرن وشتوتغارت يؤكد صحوته ...
- هل تدفع إسرائيل واشنطن إلى توجيه ضربة لإيران؟
- واشنطن تُرسل كبير مسؤوليها لأفريقيا إلى مالي


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أكرم شلغين - أثر الكلام في الأفراد والمجتمعات: بين السحر والسلطة