أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أكرم شلغين - يوم أن ألقى جورج أورويل بنفسه في السجن عمدا!














المزيد.....

يوم أن ألقى جورج أورويل بنفسه في السجن عمدا!


أكرم شلغين

الحوار المتمدن-العدد: 8598 - 2026 / 1 / 25 - 18:11
المحور: قضايا ثقافية
    


في أواخر عشرينيات القرن الماضي، كان الشاب إريك بلير (الاسم الحقيقي لجورج أورويل) في منعطف في حياته. كان قد عاد لتوه من الخدمة في الشرطة الاستعمارية في بورما، وكان يشعر بغربة عميقة ورفض للمجتمع الطبقي والاستعماري. قرر أن يصبح كاتبا، لكنه شعر أنه يحتاج إلى فهم حقيقي للحياة في قاع المجتمع، أن يعيش مع "المنبوذين" والمعدمين.
وهنا جاءت فكرته "الجنونية" التي عر عنها بالقول: "لن أكتفي بالتجول بين الفقراء وأنا أحمل مذكراتي. يجب أن أصبح واحدا منهم، أن أختبر الجوع والخوف واللامكانة من الداخل..." ولكن... كيف لشاب من خلفية مرموقة ومحترمة (تخرج من إيتون) أن يحقق ذلك!؟ لقد اختار طريقا قصيرا جدا فقد قام عمدا بخرق القانون ليتم اعتقاله! في ربيع عام 1928، سافر أورويل إلى لندن، وتجول في الشوارع بملابس رثة، وبدأ بوعي في البحث عن طريقة سهلة للذهاب إلى السجن. كانت خطته: يرتكب جنحة بسيطة تمنحه بضعة أيام في زنزانة، ليدون تجربته. حاول أولا أن يشرب لدرجة الثمالة عمدا ليثير الشغب، لكن الشرطة لم تهتم به...ثم حاول أن يتحطم في شارع ستراند صارخاً "أقتلوني!"، لكن الناس ظنوه مجنونا وتجنبوه...أخيرا، وجد طريقة غير متوقعة وهي التشرد والنوم في الزنبرك فذهب إلى منطقة إيست إند الفقيرة، وانضم إلى مجموعة من المشردين، ونام في "الزنبرك" – وهو مأوى ليلي قذر يقضي فيه المشردون الليل جالسين على مقاعد خشبية، محاطين ببراميل لشرب المياه. ولكن حتى هذا لم يؤد إلى السجن. كان النظام هو التسامح معهم. إنما المفارقة: رغم أنه فشل في دخول السجن كما خطط، إلا أن هذه التجربة القصيرة كانت غنية جدا. لقد عاش بأبشع ما يمكن، وكان الزمرد الكبير في هذه الحكاية هو اكتشافه لـ مأوى آخر للعجزة والفقراء في ضواحي لندن، اسمه "سبايك" (Spike) وصفه في كتاب له لاحقا "هكذا، وهكذا في لندن وباريس" بأنه كان قذرا، وفوضويا، ومليئا بالحشرات، وكان النزلاء يُجبرون على القيام بأعمال شاقة مقابل وعاء من الشاي وشريحة خبز.
ما كتبته أعلاه عن التعلم من هذا الكبير مرده إلى أن قصة أورويل ليست مجرد مغامرة شاب غريب الأطوار. إنها قصة عن التفاني الفكري والكتابي إلى حد المجازفة. لم يكتف بالبحث النظري أو المقابلات. أراد أن يغوص في أعماق التجربة الإنسانية التي يريد الكتابة عنها، حتى لو كلفه ذلك كرامته وسلامته لفترة. هذا النوع من "الانغماس الصحفي والفكري" هو ما جعل كتاباته لاحقاً (مثل "1984" و"مزرعة الحيوان") قوية ومؤثرة جدا، لأنها نابعة من فهم عميق لجبروت الأنظمة وقمعها، والذي بدأ من ملاحظته لقمع الفقراء والمشردين في مجتمعه.
هذه الحكاية غير المعروفة نسبيا من حياة أورويل تستحق الترويج لها حيث الجميع يعرف روايات أورويل، لكن قلة تعرف هذه المغامرة البشرية الغريبة في بداية مشواره وقلة من يعرفون أنه لم يكن يكتب من ترف فكري أو مجر مراقبة عن بعد...بل يكتب بصدق وإحساس من عاش التجربة.و فكرة أن كاتبا عظيما حاول الذهاب إلى السجن عمدا من أجل الكتابة هي فكرة تلفت الانتباه ومن المفترض أن تكون ملهمة للكتاب والشباب وتذكرنا بأن الفهم الحقيقي يأتي أحيانا من خوض التجربة، وليس من البرج العاجي.
وهذه التجربة تعطي بعدا إنسانيا للعبقري أورويل ليس كمنظر بارد، بل كشاب مضطرب، مليء بالفضول والتضحية، يبحث عن الدقة والحقيقة بأقصى طاقته.
لذا عندما نقرأ عن "الأخ الأكبر"، علينا أن نتذكر أن مؤلف هذا المصطلح المرعب كان ذات يوم شابا يبيت عمدا في مأوى للمشردين، ويبحث عن السجن، فقط ليفهم العالم من حوله، وليجد صوته الحقيقي. هذه هي الرحلة الحقيقية للأديب المفكر.
المصادر الموثقة عديدة، بينها:
Orwell, George. Down and Out in Paris and London . London: Victor Gollancz, 1933.
Orwell, George. Essays, Journalism and Letters.
Orwell, Sonia, and Ian Angus, eds. The Collected Essays, Journalism and Letters of George Orwell . 4 vols. London: Secker & Warburg, 1968.
Crick, Bernard. George Orwell: A Life . London: Secker & Warburg, 1980.
Sheldon, Michael. Orwell: The Authorised Biography . London: William Heinemann, 1991.
The Orwell Foundation. "The Tramping Episode." Orwell Online . Accessed 2024.
Taylor, D.J. Orwell: The Life . London: Chatto & Windus, 2003.



#أكرم_شلغين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين تُختبر الحرية من داخلها
- استنقاذا للإنسانية: هل يمكن تحويل الشرير إلى إنسان؟
- بلاد حمزاتوف.. وبلادنا!
- قبلة الجلاد: حين يصبح الملاذ مصدرا للعذاب
- التطرف المختار: سيكولوجية الهوية الحادة بين الرحم والمذهب
- أحلام تتقلص...وأوطان تتلاشى
- مائدة الحنين
- الاقتباس والابداع في الميزان: بين الانفتاح الثقافي واخلاقيات ...
- حارس الإشارة والوادي الصامت: عزلة الوعي في متاهة الحداثة
- رعب التحول: قراءة مع هودجسون*
- حين يتكلم الجمهور: من لوبون إلى شكسبير إلى يومنا
- بين العزلة والنداء: اختبار وجود
- النهر الذي لم نعبره مرتين: قراءة في قصة نجيب محفوظ -نصف يوم-
- وجهان للحرية: صمت المعرفة وضجيج الواقع
- الكلب*… ذلك المخلوق الذي أحبنا أكثر مما نستحق
- الخوف لا يخلق الإنسان السوي: بين الوازع الداخلي وسلطة الخارج
- تبنى المدن وتترك العقول خرابا
- هل نملك الشجاعة لمراجعة ثقافتنا السائدة؟
- مهرجان الحنفية: مسرحيات الفشل في الأنظمة الديكتاتورية
- كلمات من القلب


المزيد.....




- هل مايزال التعليم حقا مُكتسبا لكل الناس في الدول العربية؟
- معرض CES: منصة لبرمجة تقنيات القيادة الذاتية في السيارات الح ...
- أخبار اليوم: العراق يطالب الدول بتسلم رعاياها من عناصر داعش ...
- سوريا: قافلة إغاثية أممية بعين العرب وسط تحذيرات من تدهور ال ...
- ما خلفيات عودة نوري المالكي إلى الساحة السياسية بالعراق؟
- مقتل المئات ونزوح عشرات آلاف الأشخاص إثر تجدد القتال بدولة ج ...
- شهيد وجرحى بغارات على حي التفاح والاحتلال يفجر مربعات سكنية ...
- موارد منطقة الجزيرة السورية.. وفرة طبيعية مقابل تأثير ضعيف ف ...
- مطالبات يمنية بتنفيذ تبادل 2900 محتجز وانتهاء معاينة سجون بح ...
- فضاءات ضيقة وتعبير مقيّد.. هل ينجو فن الجداريات في ليبيا؟


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أكرم شلغين - يوم أن ألقى جورج أورويل بنفسه في السجن عمدا!