أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أكرم شلغين - قبلة الجلاد: حين يصبح الملاذ مصدرا للعذاب














المزيد.....

قبلة الجلاد: حين يصبح الملاذ مصدرا للعذاب


أكرم شلغين

الحوار المتمدن-العدد: 8588 - 2026 / 1 / 15 - 02:39
المحور: قضايا ثقافية
    


ما أقسى ان تبحث عن يد تمسك بها في قعر الهاوية، فتصافح يدا تدفعك الى أعمق. ليست هذه مجرد خيبة امل عابرة، بل زلزالا في جغرافيا النفس البشرية، حيث تتصدع الحدود بين الملجأ والسجن، بين المعزي والمعذب. هنا لا نكون امام فشل علاقة فحسب، بل امام انهيار المرجع ذاته، حين يصبح من يفترض به ان يمنح الطمأنينة هو المصدر الاكثر كثافة للقلق. انه الانهيار المزدوج: انهيار الحال، وانهيار المعنى.
في هذا السياق، تضيء التفصيلية التي يوردها ميشيل فوكو في مستهل كتابه المراقبة والمعاقبة، تلك الصرخة الغريبة التي أطلقها المعذب وهو على حافة الموت مخاطبا جلاده: قبلني. ليست هذه الصرخة تفصيلا سرديا عابرا، بل مفتاحا نفسيا وفلسفيا بالغ العمق لفهم احدى أخطر آليات التعلق الانساني.
الجسد ممدد وممزق، والاحصنة تشد الاوصال، والحشود تراقب طقس السلطة وهي تكتب حكمها على اللحم الحي. وفي ذروة هذا المشهد، لا يطلب المحكوم الرحمة من السماء، ولا العدالة من الحشود، بل يطلب تماس الجلاد نفسه. هنا يحدث الانزياح الاكثر رعبا: يتحول مصدر الالم الى موضوع للرغبة في الاتصال. ليست مصالحة ولا استسلاما بسيطا، بل محاولة يائسة لإعادة تشكيل العلاقة. كأن النفس، وقد سلبت منها كل اشكال السيادة، تحاول التشبث بسلطة اخيرة: سلطة تحويل القوة الخالصة الى علاقة، حتى لو كانت علاقة وهمية، وحتى لو لم تتضمن سوى قبلة في قلب القسوة.
انها محاولة لانتزاع انسانية من قلب اللامنساني. وكما لو ان المعذب يقول: دعني اموت على الاقل داخل علاقة، لا كجسد مهمل في طقس سلطوي اصم. هنا يلتقي فوكو مع ما لمح اليه لاحقا فلاسفة اخرون: ان السلطة لا تكتفي بتعذيب الجسد، بل تسعى الى احتلال الخيال، واعادة توجيه الرغبة ذاتها.
هذا ما يجعل المأساة اشد عمقا في الحالات التي تصفها، حين يكون الملاذ نفسه مصدرا للرعب. فالمريض الذي يواجه موته، ويجد ان من يفترض ان يكون سنده هو أحد اعمدة خوفه، يعيش التمزق ذاته ولكن بصيغة يومية صامتة. الحاجة الى القرب، الى الاعتراف، الى الحنان، لا تختفي، بل تنقلب رغبة محروقة توجه نحو المصدر ذاته الذي يولد الالم. لماذا؟ لان العقل المأزوم، في حالة الضعف المطلق، يفضل علاقة مؤلمة مع مصدر معروف على مواجهة الفراغ المطلق. كما لو ان الالم المشترك اهون من الوحدة الخالصة.
هنا يتجلى ما يمكن تسميته بمازوشية وجودية لا تبحث عن الاذى لذاته، بل عن المعنى عبره. ان يصرخ الانسان قبلني لمن يجرحه، أسهل عليه من ان يعترف انه وحيد تماما في مواجهة موته. انه يحاول بلا وعي ان يجبر المصدر على تغيير دوره، ان يحوله من معذب الى معطف، وذلك بمنحه استسلاما نفسيا استثنائيا. وكأن الاعتراف بالضعف يصبح اخر اوراق التفاوض.
هذا المنطق ذاته نجده متجسدا بقوة في فيلم طفل روز ماري لرولان بولانسكي. الرعب الحقيقي في الفيلم لا يكمن في الغرائبي، بل في خيانة الحميمي. الحمل، الزوج، الجيران، البيت، كلها تتحول الى مصادر تهديد. لا مهرب، لان السجن هو العلاقة ذاتها. الجلاد ليس قوة خارجية، بل هو الملاذ المفترض. وهذا الانصهار بين الحاجة للحماية والخوف من المصدر هو ما يولد ذلك القلق الوجودي الذي لا اسم له.
عند هذه النقطة، نفهم ان ما نتحدث عنه ليس مجرد خذلان شخصي، بل شكلا من اشكال العقاب النفسي الداخلي. العقاب هنا لا يمارس على الجسد، بل على القدرة على التمييز. كما في طقس فوكو، حيث يجري تفكيك الجسد علنا لتعليم درس في السلطة، يجري هنا تفكيك العالم الداخلي للضحية: ثقته، حاجته، وامله. غير ان هذا التفكيك يتم في صمت العلاقة، لا امام حشود، بل امام عين الجلاد-الملاذ وحده. وهو عقاب أكثر ديمومة، لأنه لا ينتهي بانتهاء المشهد، بل يستمر كصدى داخلي طويل.
الادب مليء بصور هذه الالتباسات القاتلة. في علاقة هيثكليف وكاثرين في مرتفعات وذرينغ، يتحول الحب الى تعذيب متبادل، حيث لا يمكن الفصل بين الملاذ والجحيم. وفي العاشق لمارغريت دوراس، تختلط الهيمنة بالاستسلام، والقوة بالهشاشة، في علاقة لا يمكن فيها فصل الرغبة عن الالم. هذه ليست حكايات حب، بل تشريحات لتلك المنطقة المعتمة حيث تلتقي الحاجة القصوى بالقسوة القصوى، وحيث يمكن لصرخة أنقذني ان تنقلب الى اقتلني، او قبلني وانا اموت.
في الختام، فان فهم آلية طلب القبلة من الجلاد ليس تبريرا لها، بل ادراكا لعمق الجرح الذي تنتجه. الشفاء لا يبدأ بالبحث عن ملاذ جديد، بل بكسر تلك المعادلة النفسية التي تربط الالم بالاهتمام، والقسوة بالحب. يبدأ باستعادة الحق في الغضب دون تحويله الى توق مازوخي. وربما يبدأ بقبول فكرة قاسية: ان بعض الهزائم الوجودية لا تعوض بعلاقة اخرى، بل ببناء سلام داخلي يكون فيه الفرد ملاذ نفسه الاول والاخير، حتى لو كان هذا الملاذ يسمع صدى صرخاته في صمت.
وكما ان صرخة قبلني في مشهد فوكو كانت لحظة افول لعالم العقاب الجسدي العلني، فان التحرر من الحاجة النفسية المشابهة في علاقاتنا قد يكون بداية مؤلمة لعالم أكثر وضوحا، حتى وان كان اكثر وحدة.



#أكرم_شلغين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التطرف المختار: سيكولوجية الهوية الحادة بين الرحم والمذهب
- أحلام تتقلص...وأوطان تتلاشى
- مائدة الحنين
- الاقتباس والابداع في الميزان: بين الانفتاح الثقافي واخلاقيات ...
- حارس الإشارة والوادي الصامت: عزلة الوعي في متاهة الحداثة
- رعب التحول: قراءة مع هودجسون*
- حين يتكلم الجمهور: من لوبون إلى شكسبير إلى يومنا
- بين العزلة والنداء: اختبار وجود
- النهر الذي لم نعبره مرتين: قراءة في قصة نجيب محفوظ -نصف يوم-
- وجهان للحرية: صمت المعرفة وضجيج الواقع
- الكلب*… ذلك المخلوق الذي أحبنا أكثر مما نستحق
- الخوف لا يخلق الإنسان السوي: بين الوازع الداخلي وسلطة الخارج
- تبنى المدن وتترك العقول خرابا
- هل نملك الشجاعة لمراجعة ثقافتنا السائدة؟
- مهرجان الحنفية: مسرحيات الفشل في الأنظمة الديكتاتورية
- كلمات من القلب
- ما لا يعود
- بين ناطحات السحاب وسحابات الدم: هل أصبح التقسيم مصيرا محتوما ...
- الدين لله والوطن للجميع: رؤية في السياق السوري*
- العدو الذي لا نعرفه: التأمل في الصراع الداخلي عبر Face/Off-


المزيد.....




- زيلينسكي يعلن -طوارئ الطاقة-.. 400 مبنى بلا تدفئة وسط موجة ا ...
- كأس أفريقيا - المغرب يهزم نيجيريا ليواجه السنغال في النهائي ...
- -العفو ونزع السلاح-.. تسريبات حول محادثات مرتقبة بين حماس وو ...
- طهران تحذر من عواقب التصعيد وتشكك في جنوح واشنطن للدبلوماسية ...
- مصر تودّع كأس أمم أفريقيا بعد خسارتها أمام السنغال في نصف ال ...
- إحراق صور خامنئي في تل أبيب.. تحرّك تضامني في إسرائيل دعماً ...
- تحقيقات فساد تطال رئيسة وزراء أوكرانيا السابقة يوليا تيموشين ...
- الاحتجاجات في إيران: أمريكا تسحب جنودها من قطر وطهران تؤكد أ ...
- كأس الأمم الأفريقية: المغرب يطيح بنيجيريا بركلات الترجيح ويب ...
- فرنسا ترفض أي ضربة عسكرية أميركية ضد إيران


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أكرم شلغين - قبلة الجلاد: حين يصبح الملاذ مصدرا للعذاب