أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أكرم شلغين - التطرف المختار: سيكولوجية الهوية الحادة بين الرحم والمذهب















المزيد.....

التطرف المختار: سيكولوجية الهوية الحادة بين الرحم والمذهب


أكرم شلغين

الحوار المتمدن-العدد: 8584 - 2026 / 1 / 11 - 18:27
المحور: قضايا ثقافية
    


الانتماء المختار... بين التشبث والتمرد
ذات يوم هزتنا فجأة أصوات عائلية حادة لمن استأجروا بنفس الحي في موسم قطاف الزيتون: امرأة وابنها في خندق، يقابلهما الابن الآخر في خندق مضاد. السبب ليس مالا ولا ميراثا، بل حدود السماء نفسها: دين. الأبناء البيولوجيان من رحم واحد، يشتركان في ذاكرة الطفولة ونبرة صوت الأم، لكنهما افترقا عند سؤال الوجود الكبير. هذه ليست مشاجرة عابرة، بل هي مشهد كوني مصغر لصراع الهوية الأكثر إيلاما: صراع الانتماء المختار ضد الانتماء الموروث....
إنها ظاهرة تظهر بأشكال عدة: مثل ذلك الذي وُلد من أبوين مختلفي الملة فتشبث بملة أحدهما بشراسة، أو ذاك الذي حمل اسما أعجميا لكنه صار أكثر دفاعاً عن العروبة ممن نبتت جذورهم في الصحراء. هذه "المغالاة في الانتماء" ليست شذوذا، بل هي نافذة نفوسية وفلسفية على أعماق الكينونة الإنسانية في عالم تتصادم فيه اليقينيات. إنها رحلة الفرد اليائسة نحو بناء معنى خاص في فضاء من المعاني المتضاربة.
جغرافيات الروح المتصارعة
1. صراع الدم والدين: مشهد الجيران هو القلب النابض للظاهرة. إنه يعيد تمثيل "عقدة أوديب الأيديولوجية"، حيث يتحول تمرد الابن على سلطة الأب (أو الأم) البيولوجية إلى انزياح نحو سلطة أب روحي أعظم (دين، مذهب، أيديولوجيا). الابن لا يرفع سلاحه ضد والدته، بل ضد الشقيق الذي يمثل الامتداد الحي لذلك الموروث الذي تخلى عنه. التاريخ مليء بهؤلاء: "القديس بولس" اليهودي الفريسي الذي أصبح الرسول الأعظم للمسيحية، محاربا بضراوة "البدعة" التي نشأ عليها. إنه تحول من الدفاع عن الهوية بالقوة إلى الدفاع عن الهوية الجديدة بقوة مضاعفة.
2. المعتنق الجديد: حَمَلَة المشاعل الأكثر توهجا: ظاهرة "المُستَعْرِب" أو "المُستَغْرِب" المتعصب هي الأمثلة الأوضح. الفيلسوف الفرنسي "جان جينيه"، لص ومتشرد، وجد قضيته القصوى في دفاعه عن "الفهود السود" ثم عن الثورة الفلسطينية، وكتب عنها بنبرة أكثر حدة من الكثيرين من أبناء القضية أنفسهم. إنه يبحث عن "وطن روحي" يعوض عن اغترابه في وطنه الجغرافي والاجتماعي. لقد أشارإدوارد سعيد إلى هذه الحالة في "الثقافة والإمبريالية"، حين لاحظ أن بعض أشد المدافعين عن ثقافة ما هم من خارجها، لأنهم يروا فيها نقاء مثاليا فقدوه في ثقافتهم الأصلية المعقدة.
3. أبناء البيوت المختلطة: ولاءات مُجزأة وولاءات مُبالغ فيها: هنا تكمن الدراما النفسية الأعمق. الطفل الذي ينشأ بين أب مسلم وأم مسيحية، أو بين أب شيعي وأم سنية، يواجه منذ البداية "حرب تمثيل" داخل البيت الواحد. رد الفعل النفسي قد يكون واحداً من اثنين: إما اللامبالاة والانسحاب (رفض الانتماء إلى أي من المعسكرين)، أو، وهذا محط اهتمامنا هنا – "التشبث التعويضي" المفرط بأحد الجانبين. هذا التشبث هو آلية دفاع نفسي ضد شعور عميق بـ "الانقسام" و "اللاانتماء". الابن يحاول أن يثبت لنفسه وللعالم أصالة انتمائه ووحدة هويته، فيبالغ في أداء دوره حتى يفوق أولئك الذين ورثوا الانتماء بسلاسة. إنه يحارب شكوكه الداخلية بقناعة خارجية صاخبة.
الأسباب النفسية-الاجتماعية
1. البحث عن المعنى والتميز: الإنسان كائن "ساعي نحو معنى" بتعبير فيكتور فرانكل. الهوية الموروثة قد تبدو عادية، مجرد حادث ميلاد. لكن الهوية المختارة هي "إنجاز شخصي"، قصة بطولة يرويها الفرد لنفسه: "لقد وجدت الحقيقة". هذا الاكتشاف يمنح حياته وزناً وهدفا فريدا، وغالبا ما يقترن برغبة غير واعية في تمييز الذات عن القطيع الذي ولد فيه.
2. التطهر والخلاص الشخصي: يشبه المعتنق الجديد أو المتشدد في هويته المكتسبة شخصا يغسل عارا أو ذنبا. لقد تحدث الفيلسوف الألماني "كارل ياسبرز" عن "ذنب التضامن" حيث يشعر الفرد بمسؤولية أخلاقية عن خطايا جماعته الأصلية. الانتماء الجديد هو وسيلة للتبرؤ من ذلك الماضي والخلاص منه، عبر الدفاع الحار عن "الحقيقة الجديدة". إنه تطهير ذاتي عبر الانقلاب على الذات السابقة. (في الأدب لدينا أمثلة هي مرآة لواقع يظهر ذلك، مثال أبيغيل في مسرحية مارلو، يهودي مالطا...)
3. الانتماء كسلعة نادرة: ومن جانب اجتماعي ، يرى "بيير بورديو" أن رأس المال الرمزي (الذي يشمل الانتماء) مصدر للقوة. من لا يملك انتماء موروثا قويا، يسعى لبناء رأس مال رمزي مضاعف عبر الحماس الاستثنائي. حماسته هي عملة يدفعها لشراء مقعد في النخبة الجديدة. إنها إستراتيجية للبقاء والاعتراف في عالم اجتماعي جديد.
4. الاستقطاب والجماعة البديلة: في عالم يزداد فردانية وانهيارا للروابط التقليدية (العائلة الممتدة، الحي، الطائفة التقليدية)، تقدم الهويات المكتسبة والمتشددة "جماعة بديلة" صلبة توفر اليقين والانضباط والحماية النفسية. الخصم الخارجي (الشقيق المختلف، الآخر الديني أو الفكري) يصبح أداة ضرورية لتوثيق عرى التماسك الداخلي لهذه الجماعة البديلة، كما يذكرنا عالم الاجتماع "إميل دوركهايم" بوظيفة "الطقس السلبي" في توحيد الجماعة ضد منتهك المحرمات.
نحو تفهم التعصب... لا لتبريره
ظاهرة المغالاة في الانتماء المختار، إذن، ليست دليلا على "الجنون" أو "الشر"، بل هي في جوهرها تراجيديا البحث عن الهوية في عصر الانهيارات الكبرى. إنها صرخة روحية ضد العدمية واللامعنى. الفرد، محملا بصراعاته الوجودية وشكوكه الوراثية، يلقي بنفسه في أحضان يقين جامد، كي لا يضيع في فضاء التساؤل الفسيح.
لكن فهم الأسباب النفسية والاجتماعية لا يعني التسليم بنتائجها المدمرة. عندما يتحول البحث الشخصي عن المعنى إلى حرب هويات، وعندما يستخدم الشقيق المختلف أو الجار المخالف كـ "آخر" ضروري لتأكيد الذات، فإننا نخلق جحيما أرضياً من الانقسامات. التحدي الحضاري الكبير هو كيف نصنع مجتمعات تسمح بـ "انتماءات مرنة"، حيث يمكن للفرد أن يحمل أكثر من هوية دون أن يشعر بالخيانة أو النقص، وحيث لا تكون المغالاة في الانتماء هي الثمن الوحيد للاعتراف. ربما تكون النضج الروحي والفكري الحقيقي هو القدرة على حمل الانتماء بشغف، من دون أن يحملنا هذا الانتماء إلى معاداة الآخر المختلف، خاصة إذا كان هذا الآخر يجلس معنا على مائدة طعام واحدة، أو شاركنا غرفة نوم واحدة في طفولتنا. كما كتب الشاعر والفيلسوف "طاغور: "إن الحجر الذي يرفض الاندماج مع الآخرين يُبنى به السجون، أما الذي يتحد مع غيره فيحب بعضهم بعضا، فيشاد به المعابد.



#أكرم_شلغين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أحلام تتقلص...وأوطان تتلاشى
- مائدة الحنين
- الاقتباس والابداع في الميزان: بين الانفتاح الثقافي واخلاقيات ...
- حارس الإشارة والوادي الصامت: عزلة الوعي في متاهة الحداثة
- رعب التحول: قراءة مع هودجسون*
- حين يتكلم الجمهور: من لوبون إلى شكسبير إلى يومنا
- بين العزلة والنداء: اختبار وجود
- النهر الذي لم نعبره مرتين: قراءة في قصة نجيب محفوظ -نصف يوم-
- وجهان للحرية: صمت المعرفة وضجيج الواقع
- الكلب*… ذلك المخلوق الذي أحبنا أكثر مما نستحق
- الخوف لا يخلق الإنسان السوي: بين الوازع الداخلي وسلطة الخارج
- تبنى المدن وتترك العقول خرابا
- هل نملك الشجاعة لمراجعة ثقافتنا السائدة؟
- مهرجان الحنفية: مسرحيات الفشل في الأنظمة الديكتاتورية
- كلمات من القلب
- ما لا يعود
- بين ناطحات السحاب وسحابات الدم: هل أصبح التقسيم مصيرا محتوما ...
- الدين لله والوطن للجميع: رؤية في السياق السوري*
- العدو الذي لا نعرفه: التأمل في الصراع الداخلي عبر Face/Off-
- سوريا ليست لفئة واحدة، بل تعددية جميلة لا تُستبدل


المزيد.....




- غرينلاند تواجه حالة عدم يقين وسط تهديدات ترامب.. وهذا أكثر م ...
- الحكومة السورية -تفرض- سيطرتها على حلب، والجيش يقول إنه -رصد ...
- عين ترامب على غرينلاند: ما سر هذه الجزيرة النائية؟
- كأس الأمم الأفريقية: الجماهير العربية تتطلع لتأهل مصر والمغر ...
- صور أقمار صناعية تكشف إزالة إسرائيل أنقاض مئات المنازل في بي ...
- المغرب.. أخنوش يعلن عدم الترشح لرئاسة التجمع الوطني للأحرار ...
- -فاوضوا قبل فوات الأوان-.. ترامب يهدد كوبا وهافانا تصف أميرك ...
- وصول 12 أسيرا محررا إلى مستشفى شهداء الأقصى بدير البلح
- لماذا تركز إسرائيل قصفها على كفرحتى في لبنان؟ الدويري يجيب
- مؤشرات جينية جديدة ترفع دقة تشخيص السكري لدى الأفارقة


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أكرم شلغين - التطرف المختار: سيكولوجية الهوية الحادة بين الرحم والمذهب