أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أكرم شلغين - وجهان للحرية: صمت المعرفة وضجيج الواقع














المزيد.....

وجهان للحرية: صمت المعرفة وضجيج الواقع


أكرم شلغين

الحوار المتمدن-العدد: 8541 - 2025 / 11 / 29 - 16:11
المحور: قضايا ثقافية
    


في قصة أنطون تشيخوف الرهان، نجد أنفسنا أمام سهرة ضمت أفراداً من خلفيات وشرائح فكرية مختلفة، من بينهم مصرفي ومحام شاب. يتحول النقاش بينهما إلى جدل حاد حول سؤال عقابي أخلاقي: أيّهما أرحم للإنسان، السجن المؤبد أم الإعدام الفوري؟ يتمترس كل منهما خلف رأيه إلى درجة يدفعهما فيها التحدي إلى عقد رهان غير مألوف: يسجن المحامي نفسه طواعية في عزلة كاملة لمدة خمسة عشر عاماً، وإن استطاع الصمود حتى النهاية ينال مليوني روبل من المصرفي.
وخلال هذه السنوات الطويلة، يغرق المحامي في عوالم الكتب: الفلسفة، اللاهوت، العلوم، الأدب، والفكر الإنساني بأسره. تتبدل قيمه جذرياً، فينتهي إلى عقلية أخرى لا تشبه عقلية الشاب الذي دخل العزلة. وقبل انتهاء السنوات الخمس عشرة بخمس ساعات فقط، يهرب من سجنه متعمداً كي لا يربح الرهان، فقد أدرك أن المال الذي كان عامل إغراء له في البداية لا يساوي شيئاً أمام المعرفة والمعنى الذي اكتسبه. هنا تبرز حكمة القصة، لكن تبرز معها أيضاً أسئلة مقلقة، من بينها السؤال الأعمق: كيف يمكن لإنسان أعادت الكتب تشكيل وعيه أن يعود إلى عالم مادي لا يسود فيه إلا التنافس والأنانية وانهيار المثاليات؟
بالطبع تبقى المحولة للإجابة على هذا السؤال نظرية وتفتقر إلى الاستماع لآراء من تجارب مماثلة، من منظور علم الاجتماع والتحليل النفسي، يصبح المحامي بعد هذه التجربة الطويلة فرداً متجاوزاً لبيئته. فالقراءة المتواصلة في العزلة ليست مجرد تراكم معلومات، بل عملية إعادة قولبة للقيم والرغبات، على نحو يشبه ما يسميه فوكو "تحوّل الذات" أو قولبتها ((moulding عبر المعرفة. وبمجرد خروجه، سيجد نفسه في مواجهة مجتمع تحكمه ديناميات مادية صرفة، رأسمالية أو إقطاعية، تتناقض مع البنية القيمية المطهرة التي تكوّنت لديه. تشير نظريات الاغتراب عند دوركهايم وبورديو إلى أن الفرد الذي يتجاوز القيم السائدة يعود ليختبر اغتراباً مضاعفاً: فهو غريب عن المجتمع لأنه لم يعد يشترك في منطلقاته، وغريب عن ذاته القديمة لأنه انفصل عنها معرفياً وروحياً.
أما من منظور التحليل النفسي، فإن العزلة الطويلة وما رافقها من انغماس في الفكر تُنتج حالة من "التفرد" بالمعنى اليونغي، أي خروج الفرد من الهوية الجمعية نحو وعي ذاتي مستقل إلى حدّ التناقض مع المحيط. هذا يجعل عودته إلى الحياة العادية صعبة، بل مستحيلة؛ فالمعايير التي تحكم السلوك الاجتماعي لم تعد جزءاً من بنيته النفسية. المعرفة التي حصلها تتحول إلى عبء وجودي، لا امتياز، على نحو ما يشير إليه فرانكل عندما يتحدث عن إنسان اكتشف معنى أعمق من قدرة العالم العادي على احتماله.
في الإطار الفوكوي، يصبح هذا الفرد خارج "آلة الانضباط": خارج الاقتصاد، خارج منظومة الرغبات المصنوعة اجتماعياً، خارج التصنيفات التي تسمح للمجتمع بإدماج أفراده. إنه شخص لا يمكن تكييفه مع المنظومة، ولذلك تكون النتيجة الطبيعية انسحابه من العالم الذي غادره منذ خمسة عشر عاماً، تماماً كما أنهى تشيخوف قصته: لا انتصار، ولا هزيمة، بل خروج هادئ من الحلبة.
هكذا نرى أن المحامي، بعد تجربته، سيجد نفسه أقرب إلى ناسك منه إلى "الفرد الاقتصادي" الذي يتوقعه المجتمع الحديث. يعيش في مسافة من العالم، لا خارجه تماماً ولا داخله بالكامل. لقد أصبح إنساناً يعرف أكثر مما ينبغي، ولذلك لم يعد قادراً على المشاركة في الوهم الجماعي الذي يُبقي الآخرين مندمجين في عالم التنافس والأنانية.
بهذا المعنى، فإن السؤال عن "المحامي ما بعد السجن" هو سؤال عن الإنسان نفسه: ماذا نفعل بالمعرفة حين تصبح أكبر من العالم الذي نعيش فيه؟



#أكرم_شلغين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الكلب*… ذلك المخلوق الذي أحبنا أكثر مما نستحق
- الخوف لا يخلق الإنسان السوي: بين الوازع الداخلي وسلطة الخارج
- تبنى المدن وتترك العقول خرابا
- هل نملك الشجاعة لمراجعة ثقافتنا السائدة؟
- مهرجان الحنفية: مسرحيات الفشل في الأنظمة الديكتاتورية
- كلمات من القلب
- ما لا يعود
- بين ناطحات السحاب وسحابات الدم: هل أصبح التقسيم مصيرا محتوما ...
- الدين لله والوطن للجميع: رؤية في السياق السوري*
- العدو الذي لا نعرفه: التأمل في الصراع الداخلي عبر Face/Off-
- سوريا ليست لفئة واحدة، بل تعددية جميلة لا تُستبدل
- ورقة خريفية في مهب الوجود
- بين ديكنز والخلود: حين يشيخ الزمن ولا نزال نحلم بالشباب
- الماضي بوابة للتأمل… والمستقبل أفق للخلق
- بين الحلم والهيمنة....نحن هنا
- -طلّقني!-
- سألتنا كولا إن كنّا سنعود... فبكى البحر قبلنا
- التعايش والاحترام
- الخير والشر: معادلة الإنسان والكون بين الفطرة والضرورة
- جلنار والفراشة


المزيد.....




- -تمهيدا لعمليات برية-.. ترامب يعلن إغلاق المجال الجوي فوق فن ...
- -الأعظم على الإطلاق-.. بيضة إمبراطوية نادرة من تصميم فابرجيه ...
- -بمسيرات تحت الماء-.. أوكرانيا تُعلن استهداف ناقلات نفط روسي ...
- مشاركة عزاء بوفاة الدكتور المحامي الرفيق وليم الياس زهران (أ ...
- رئيس جبهة الخلاص الوطني التونسية لفرانس24: الحكم ضدي كان متو ...
- قوات الدعم السريع تغتال مدير مكتب وكالة السودان للأنباء بالف ...
- اختتام أعمال منتدى الاتحاد من أجل المتوسط في برشلونة.. وهذه ...
- أبرز تفاصيل العملية العسكرية الإسرائيلية في بيت جن جنوبي سور ...
- الاحتلال يستهدف الصحفيين ويمنع فلسطينيين من الوصول إلى أراضي ...
- سوريا.. هدوء حذر يسود بلدة بيت جن عقب عملية عسكرية إسرائيلية ...


المزيد.....

- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت
- التجربة الجمالية / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أكرم شلغين - وجهان للحرية: صمت المعرفة وضجيج الواقع