أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أكرم شلغين - ما لا يعود














المزيد.....

ما لا يعود


أكرم شلغين

الحوار المتمدن-العدد: 8514 - 2025 / 11 / 2 - 02:43
المحور: الادب والفن
    


إنه ذاك الألم الهادئ الذي ينشأ عندما تكتشف أن الجذور التي كنت تحسبها تمتد في أعماق الأرض، قد صارت ذكرى تحملها في حقيبة سفر. ذلك العالم الذي رباك - بأصواته، وروائحه، وأضوائه - يتحول فجأة إلى شريط سينمائي تشاهده من خلف زجاج كثيف. يمكنك رؤية كل شيء، يمكنك سماع كل شيء، لكنك لا تستطيع العودة. تلك الشجرة التي تسلقتها، وذاك الدرب الذي عرفته بحذائك الصغير،
هناك أشياء لا نغادرها حين نرحل، بل تظلّ معنا في أماكن لا نراها.
نسير بعيدا، نغيّر المدن، الوجوه، واللهجات، لكننا نحمل في أعماقنا ظل شجرة قديمة، وصوت الريح بين أغصان شجرة لم تعد موجودة، وظل جدار انهار قبل أن تدرك أنك ستفتقده ونبرة صوت نادتنا يوما من شرفة نُسيت ملامحها؛ نادتنا للعشاء... كلها تصير كطابع بريد على رسالة مغلقة، لا يمكنك فتحها مجددا. أنت تحمل وطنا كاملا في ذاكرتك، لكنك لا تستطيع العيش فيه. إنه مثل حب انتهى، لا خصام أو جفاء، بل لأن الزمن نفسه قد انتزعه من بين يديك بهدوء. تظل تبحث عن رائحة ذلك المكان في كل هواء جديد، وتظل تلمس طينه في كل تراب غريب، لكنك تعرف، في صميم قلبك، أن ما ذهب لن يعود أبدا. لقد صرت غريبا عن ماضيك، وسياحا في ذاكرتك. واحدنا لا يفقد الأماكن بقدر ما يفقد الطريقة التي كان يراها بها. فحين نكبر، يتبدل البصر إلى بصيرة، وتفقد الأشياء براءتها الأولى. كان المطر يوما فرحا صافيا، صار اليوم ذكرى تُوجِع. كانت الطرقات تفتح العالم، صارت تُغلقه بالحنين.
وما أقسى أن تكتشف أن ما كنت تبحث عنه في المدن البعيدة، كان يسكنك منذ البداية، وأنك لم تكن تفتّش عن مكان، بل عن زمن مضى.
ذلك الزمن الذي كان كل ما حولك فيه حيا على نحو لا يُفسر: الضوء، والريح، وصوت الأم، ودفء المساء الذي لا يشبه أي مساء آخر.
نعم، ثمة مكان لا يُعوض، مهما سافرت أو ارتحلت، مهما بنيت من علاقات جديدة أو سعيت لغرس أشجار غريبة. هو ذلك الركن الذي نشأتَ فيه، حيث تعلّمت رائحة الصبح من نوافذ أمك...ليس الحنين إليه مجرد ذكرى، بل جرح صامت ينزف كلما مررت بشارعٍ يشبهه، أو سمعت لهجة تذكرك بلغة طفولتك. لكن ما يذهب لا يعود. فالمكان إن ظل كما هو، يتغير فينا. والزمن الذي نحاول استعادته يرفض أن يتكرر، لأننا لم نعد أولئك الذين كناهم. ذلك المكان لا يُعاد بناؤه، ولا يُسترد بزيارة عابرة؛ لأنه لم يكن حجارة وترابا فحسب، بل كان جزءا من روحك قبل أن تعرف أن للروح وطنا. وما يُفقد منه لا يُعوض، لأن الزمن لا يعود، والطفولة لا تُكرر، والبيوت التي تُهجر لا تنتظر عودة ساكنيها… بل تذوب في ذاكرة الأرض، كأنها لم تكن.
ربما هذا هو سر الحياة — أن نمضي ونحن نترك أجزاءنا الصغيرة في الطرقات القديمة، نخلف وراءنا ما لا يمكن استعادته، ونواصل المسير بقلوب تعرف أن الفقد هو الثمن الوحيد للنضج.



#أكرم_شلغين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين ناطحات السحاب وسحابات الدم: هل أصبح التقسيم مصيرا محتوما ...
- الدين لله والوطن للجميع: رؤية في السياق السوري*
- العدو الذي لا نعرفه: التأمل في الصراع الداخلي عبر Face/Off-
- سوريا ليست لفئة واحدة، بل تعددية جميلة لا تُستبدل
- ورقة خريفية في مهب الوجود
- بين ديكنز والخلود: حين يشيخ الزمن ولا نزال نحلم بالشباب
- الماضي بوابة للتأمل… والمستقبل أفق للخلق
- بين الحلم والهيمنة....نحن هنا
- -طلّقني!-
- سألتنا كولا إن كنّا سنعود... فبكى البحر قبلنا
- التعايش والاحترام
- الخير والشر: معادلة الإنسان والكون بين الفطرة والضرورة
- جلنار والفراشة
- السوري… الحلم المؤجل والحرية الغائبة
- النقاء السياسي واللغة
- الاغتراب الجيلي وابتعاد الشباب عن الشأن العام في سوريا
- الروبوت الحامل: بين التحرر من العقم وفقدان قدسية التجربة الإ ...
- مأزق الساحل السوري: جذور وتداعيات
- مومياء الفارس
- اختطاف النساء


المزيد.....




- اغتيال الثقافة في الرّقة؟
- التطور لغةً ونقداً: سيمياء الحركة
- حين تُدار الثقافة على مقاعد الصداقة
- افتتاح معرض دمشق الدولي للكتاب وسوريون للجزيرة مباشر: لا رقا ...
- تأجيل موعد الانتهاء من وضع اختبارات اللغة للحصول على الجنسية ...
- خريف الكتاب بمعرض القاهرة.. أي طريق لإنقاذ القراءة في مصر؟
- مؤثرو منصات التواصل يشعلون صداما جديدا بين نقابة الممثلين وص ...
- في معرض استثنائي بمراكش.. إيف سان لوران يخرج من عالم الموضة ...
- ولهذا مات الشاعر!... إلى صديقي عبد الناصر صالح
- مهرجان فجر في دورته 44 يشهد حالة من التوهج للسينما الإيرانية ...


المزيد.....

- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أكرم شلغين - ما لا يعود