أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - أكرم شلغين - مأزق الساحل السوري: جذور وتداعيات















المزيد.....

مأزق الساحل السوري: جذور وتداعيات


أكرم شلغين

الحوار المتمدن-العدد: 8450 - 2025 / 8 / 30 - 04:52
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي
    


شكّل الساحل السوري منذ سبعينيات القرن الماضي مسرحاً لسياسات اجتماعية واقتصادية هدفت إلى ربط جزء كبير من شبابه بالمؤسسة العسكرية والأمنية للنظام. فبدلاً من الاستثمار في التنمية المحلية أو التصنيع أو الزراعة، تم توجيه أبناء القرى نحو التطوع بالجيش بوصفه طريقاً إلى التقدير الاجتماعي والاقتصادي كما روجت له الآلة الإعلامية الأسدية وما رافق ذلك من خطاب دعائي صريح يؤكد أن الالتحاق بـ "السرايا" أو القطعات العسكرية أو الأمنية المتنوعة يُكسب صاحبه المكانة في نظر المجتمع، (من تسعفه الذاكرة لايزال يتذكر ما روّجت له مكبرات الصوت التي جابت القرى وهي تلعب على الشبان والمراهقين لترك مدارسهم وأراضيهم والتوجه إلى التطوع وذلك بالنشيد: "من أراد أن تتغنى به الصبايا فليتطوع في السرايا"). كانت كلمات رخيصة، لكنها وصلت. وصلت إلى قلوب شباب نشؤوا في قرى فقيرة، لا كهرباء فيها، ولا مدارس حقيقية، ولا أفق. وُعدوا بالكرامة، بالزي العسكري، بالوظيفة، بالانتماء. لم يُخبروهم أن هذه الكرامة سيكون ثمنها دماء. لم يُخبروهم أن الساحل، الذي خرجوا منه، سيُحرق بعدهم، وستُترك قراهم كأنها مقابر أحياء. باختصار شديد، هذه السياسات أسفرت عن آثار بعيدة المدى على البنية الاجتماعية والاقتصادية للساحل، وخلّفت أزمات عميقة بعد تراجع سلطة النظام وتغير موازين القوى.
اعتمد نظام الأسد منذ بداياته على عسكرة المجتمع الساحلي، مستفيداً من الموقع الجغرافي وتاريخ التهميش الذي عانت منه تلك المناطق. فبدلاً من إطلاق مشاريع استثمارية أو بنى تحتية تعزز الاقتصاد المحلي، تم استنزاف القوى البشرية من القرى، ما أضعف الإنتاج الزراعي وحرم المنطقة من إمكانيات تنموية طويلة الأمد. لقد أراد الأسد الأب — ثم الابن — أن يبني ماكينة أمنية وعسكرية من أبناء الساحل. ليس حبا بهم، بل خوفا من غيرهم. فجندوا، ودرّبوا، ورفعوا، بينما أُهملت مناطقهم. لا استثمارات، لا مصانع، لا طرق، لا أراض تُزرع بل غاباتهم الخضراء تُحرق وتُصحّر بمشهد متكرر حيث الحرائق تأكل الأخضر واليابس، كأن الأرض نفسها تنقم على من خانها.
ترافق ذلك مع غياب شبه كامل للقطاعات الإنتاجية الحديثة، الأمر الذي جعل الارتباط بالمؤسسة العسكرية الخيار شبه الوحيد أمام آلاف الأسر. هذا النموذج رسّخ تبعية اقتصادية واجتماعية للدولة المركزية، وجعل سكان الساحل رهائن لسياساتها.
مع تغيّر موازين القوى السياسية وفقدان نظام الأسد لسلطته وجد آلاف من أبناء الساحل أنفسهم في مواجهة مصير مجهول. فالمساكن التي وفّرها النظام في أحياء مثل السومرية بدمشق أصبحت مهددة بالإخلاء ويواجه سكانها خطر التشرد في غياب بدائل سكنية أو خطط تعويضية. في ماكن متعددة ولكن ربما في حي السومرية تصبح الصور أوضح مع خطاب: "اخلوا البيوت، أو سندمرها فوق رؤوسكم أو سنرميكم في الشارع".
نساء يبكين، وأطفال ينامون في العراء، ورجال يتسولون نظرة رحمة ونظرة للأعلى إلى السماء لعل الرب يفعلها ولو مرة ويحميهم...!
في الوقت ذاته، شهدت وتشهد المنطقة الساحلية حرائق متكررة تدمر الغابات والأشجار وتزيد من صعوبة العودة إلى الزراعة، فضلاً عن غياب أي مشاريع إعادة إعمار أو استثمارات اقتصادية في المنطقة وسياسة تهميشية متعمدة لأهل المنطقة. هذا الوضع يعكس مأزقاً مزدوجاً: فقدان السكن في المدن الرئيسية من جهة، وانعدام مقومات المعيشة في مناطقهم الأصلية من جهة أخرى.
فيعود السؤال الموجع:
أين يذهبون؟
هل يعودون إلى الساحل؟
الساحل الذي لم تعد له كهرباء، ولا ماء، ولا أمن؟
الساحل الذي تتحكم فيه فصائل مسلحة، تُرهّب الجميع، تقتل الراعي، وتحرق من يزرع؟
الساحل الذي أصبح، في نظر كثيرين، "أرضا ملعونة"؟
لا يمكن قراءة الأزمة بمعزل عن بعدها الإنساني. فهذه الفئة من السكان دفعت ثمن السياسات المركزية التي ربطت مصيرها بالمؤسسة العسكرية دون أن توفر لها ضمانات مستقبلية، بل جعلتها بالمطلق رهينة لسياساتها وحامية لها وخزان دم تغرف منه سلطة الأسد وعصابته متى شاءت... اليوم، ومع تفاقم الأزمة وتعرض أسر بأكملها لخطر فقدان المأوى وانعدام أي ضمان ببدائل للسكن أو لمصادر الرزق، ينذر ذلك بموجة جديدة من التشرد والفقر الحاد.
ومن المفارقات أن الساحل نفسه أصبح إبان مواجهات نظام الأسد مع معارضيه المسلحين ملجأً لآلاف النازحين من مناطق سورية أخرى، حيث عاشوا في أمان واضح دون أن يراهم أهل الساحل غرباء، بينما يواجه أبناء الساحل في دمشق ومحافظات أخرى خطر الترحيل دون بدائل كريمة. وللأمانة التاريخية نستذكر هنا خطاب أهل الساحل حينما التجأ إليهم الفارون من الأعمال العسكرية في مناطق أخرى بالقول: من يأتي إلينا هم الفقراء أمثالنا ولو كان لديهم أموال لهاجروا خارج البلد....،
بكلمة أخيرة، تكشف أزمة أبناء الساحل السوري اليوم في دمشق، وغيرها، عن نتائج سياسات قديمة قامت على عسكرة المجتمع وإهمال التنمية. ورغم تعقيدات المشهد السياسي، يبقى البعد الإنساني والاجتماعي لهذه القضية أولوية ملحة. فالمطلوب ليس فقط معالجة آثار الماضي، بل صياغة مقاربة جديدة تضمن الحق في السكن والعمل والحياة الكريمة، وتعيد بناء العلاقة بين الإنسان والأرض على أسس عادلة ومستدامة. ومن جديد نتساءل:

ما العمل؟
هل يعاد بناء الساحل؟
ليس بالحجارة فقط، بل بالعدالة.
هل يتم الاعتراف بأن هؤلاء ليسوا "أعداء"، بل ضحايا آلة دكتاتورية استخدمتهم ثم تخلّت عنهم؟
هل يُفتح الباب لهم بالعودة، لا كجنود، بل كمواطنين؟
هل تُعاد لهم الأرض التي حرقت؟
هل يُعاقب من أشعل النار في الغابات، لا مرة، بل عشرات المرات؟
هل سيتم إنشاء فرص عمل؟ إصلاح ما هو مخرّب؟ وهل تُعاد الكهرباء؟
أم أن نفس الجريمة ستكرر: يتم إهمالهم اليوم، كما أُهملوا بالأمس، والنتيجة ستكون معروفة؟
أيُعاقبون على انتمائهم، كما استُخدموا بسببه؟

غنهم ليسوا أعداء بل هم مرآة لمجتمع
من هنا يجب أن نسأل:
هل نحن أمة تُعيد الكرامة لمن خُدعوا باسمها؟
أم نحن أمة تُكمل الجريمة بطردهم من الذاكرة، ثم من البيت؟
إذا لم نُجب، فسنبقى جميعا في الشارع.
ليس بالجسد، بل بالضمير.
إزاء ما يحصل الآن من تهجير من البيوت وتشريد يصبح لزاما على الجميع التفكير بما يجب العمل عليه والوضع هكذا. ربما سيخلص المعنيون بالحل فعلا بالتفكير في:
إعادة دمج اقتصادي واجتماعي: إطلاق مشاريع تنموية صغيرة ومتوسطة في القرى الساحلية، تشمل الزراعة الحديثة والصناعات الغذائية والخدمات السياحية.
ضمانات سكنية وقانونية: منح سكان الأحياء المهددة بالإخلاء حق البقاء المؤقت مع خطط إسكان بديلة تراعي ظروفهم الاقتصادية.
برامج دعم إنساني: توفير مساعدات عاجلة للأسر المهددة بالتشرد، بما في ذلك قسائم سكنية أو دعم مالي مباشر.
شراكات مدنية محلية: إشراك منظمات المجتمع المدني والهيئات المحلية في رسم سياسات تنموية تراعي الخصوصية الاجتماعية للساحل.
استعادة الأراضي المتضررة: تنفيذ برامج لإعادة تشجير الغابات المتضررة واستصلاح الأراضي الزراعية لتعزيز فرص العيش المحلي.



#أكرم_شلغين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مومياء الفارس
- اختطاف النساء
- السلطة الحقيقية: الثقة بدلا من الخوف و المساواة بدلا من التف ...
- حين تموت الأحاسيس ببطء
- المثقف المستقل والولاء للحقيقة في عصر الانتماءات الجامدة
- حين تُحرق الكتب وتنجو الأفكار: من ابن رشد إلى فهرنهايت 451
- الحرية والإبداع: ركيزتا التقدم ونهضة الأمم
- التسامح والمصالحة: قوة الأمم في مواجهة أحقاد الماضي
- الدين: من مصدر للسلام إلى أداة للصراع
- أرض تأكل أبناءها
- بين العنف والعفو: مقاربات أدبية وفلسفية في طبيعة الإنسان
- ونتساءل عن لوطن
- الموت: التأمل في اللايقين الحتمي
- تأمل سريع في مرور الزمن ودروس الحياة
- الحلم بالنهوض بعد الظلم والقمع
- أهمية القاعدة الشعبية في الحكم
- فراق أبدي
- سوريا: ملتقى الشعوب ونموذج للتعايش الثقافي
- أمل سوريا الجديد
- الانتقام والهدم: نحو تجاوز إرث الثأر لبناء سوريا المستقبل


المزيد.....




- أمريكا ترفض منح تأشيرات لمسؤولين فلسطينيين لحضور الجمعية الع ...
- اليوم الـ694 للحرب: غارات كثيفة على غزة وسط تصعيد ميداني واس ...
- من الكاسيت إلى المهرجانات: كيف صمد الهيفي ميتال في العالم ال ...
- وُصفت بالأصعب منذ 7 أكتوبر: كمائن للقسام في غزة توقع قتلى وج ...
- روسيا تسقط 86 مسيرة أوكرانية.. وهجوم بحري روسي نادر
- خدمة تقصي الحقيقة من رويترز تكذب اتهامات سلطة بورتسودان
- -التعاون الإسلامي- تعلق على إلغاء ورفض أمريكا منح تأشيرات لل ...
- فستان خطوبة تايلر سويف نفد من الأسواق.. من صمّمه؟
- بسبب سؤال عن أصوله اللبنانية.. نائب أسترالي يثور غضبًا في وج ...
- محكمة استئناف أمريكية: معظم الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب ...


المزيد.....

- المسألة الإسرائيلية كمسألة عربية / ياسين الحاج صالح
- قيم الحرية والتعددية في الشرق العربي / رائد قاسم
- اللّاحرّية: العرب كبروليتاريا سياسية مثلّثة التبعية / ياسين الحاج صالح
- جدل ألوطنية والشيوعية في العراق / لبيب سلطان
- حل الدولتين..بحث في القوى والمصالح المانعة والممانعة / لبيب سلطان
- موقع الماركسية والماركسيين العرب اليوم حوار نقدي / لبيب سلطان
- الاغتراب في الثقافة العربية المعاصرة : قراءة في المظاهر الثق ... / علي أسعد وطفة
- في نقد العقلية العربية / علي أسعد وطفة
- نظام الانفعالات وتاريخية الأفكار / ياسين الحاج صالح
- في العنف: نظرات في أوجه العنف وأشكاله في سورية خلال عقد / ياسين الحاج صالح


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - أكرم شلغين - مأزق الساحل السوري: جذور وتداعيات