أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أكرم شلغين - بين العزلة والنداء: اختبار وجود














المزيد.....

بين العزلة والنداء: اختبار وجود


أكرم شلغين

الحوار المتمدن-العدد: 8542 - 2025 / 11 / 30 - 23:57
المحور: قضايا ثقافية
    


يتكاثر الضجيج وتندر وسطه الآذان الصافية، ويجد الانسان نفسه معلقا بين عزلة الداخل ونداء الروح الباحثة عن من يصغي. ليست الكآبة هنا مجرد حالة نفسية، بل امتحان وجودي يضع الفرد أمام اسئلة لا يجيب عنها الزمن ولا يلتفت اليها الآخرون. وفي هذا الفراغ المزدحم بالسكون، يتكشف معنى ان ننادي لا طمعًا في حل، بل رغبة في ان نكون مرئيين. فبين العزلة والنداء يبدأ اختبار الوجود الحقيقي: هل نصغي لأنفسنا وسط هذا الصمت المطبق، ام نظل نطرق ابوابًا لا تفتح
كثيرا ما يحتل الكرب والهم مساحة من قلوبنا دون استئذان، فنجد انفسنا عاجزين عن حسم السؤال البسيط الظاهر والعميق الباطن: مع من نشارك همومنا؟ هذا السؤال ليس شكوى عابرة، بل مرآة تكشف عزلة الروح وسط زحام البشر، وتفضح غربتنا الوجودية في عالم يمضي بلا التفات
قال البعض قديما ان الكآبة هي في ان تعرف اكثر مما ينبغي، وقال آخرون ان الكآبة ليست غياب السعادة، بل حضور سؤال ثقيل لا يجد اذنا تستقبله. وهذه الفكرة الاخيرة قريبة من رؤية البير كامو حين جعل الانسان في مواجهة صامتة مع عبث لا يجيب
حيرتنا في اختيار من نصارحه تختزل ازمة الانسان المعاصر الذي لا يبحث عن حل بقدر ما يبحث عن شاهد. انه يريد صدى لوجوده قبل ان يريد شفاء لجرحه. الاغتراب هنا ليس اجتماعيا فحسب، بل وجودي، وهو ما اشار اليه كارل ياسبرز عندما تحدث عن المواقف الحدية التي يمتحن فيها الانسان ذاته فيرى هشاشته بوضوح موجع
ولعل المفارقة ان السؤال الاكبر ليس ماذا نحكي، بل لمن نحكي. وهذا يذكرنا بقول جان بول سارتر: الجحيم هو الآخرون. لكن ماذا لو اصبحت الذات نفسها جحيما؟ هنا يعيش الانسان انشقاقا داخليا يجعله غير قادر على تحمل وعيه، كما لو كان الفكر سيفا مصلتا عليه. هذا ما حذر منه فريدريك نيتشه حين قال: من يحارب الوحوش عليه ان يحذر لئلا يصبح هو نفسه وحشا واذا نظرت طويلا الى الهاوية، نظرت الهاوية اليك. والهاوية في حالتنا هي كآبة يحدق فيها المرء حتى تكاد تبتلعه
وتبدأ الرحلة بحثا عن اذن تنصت، وهي رحلة فلسفية بامتياز، لان البحث عن آخر يسمعك هو في جوهره بحث عن شريك في الوجود. لكننا نصطدم بواقع يبرره هايدغر حين وصف الانسان الحديث بانه غارق في الهم وفي وجود زائف يكتفي بما يقوله الناس ويفعله الناس دون ان يسائل كينونته الخاصة. يكتشف المرء ان العالم من حوله مشغول، وان اللامبالاة صارت مرضا عاما، تماما كما صورها كامو في رواية الطاعون حيث يصبح عدم الاهتمام وباء يفوق كل الاوبئة
وهنا نستعيد عبارة ايلي فيزل: اللامبالاة هي اعظم خطيئة تجاه الانسانية. من يشكو لا يطلب دواء بقدر ما يطلب اهتماما، حضور شخص يثبت ان معاناته مرئية. فالمعاناة غير المرئية اشد قسوة من المعاناة نفسها
رحلتنا هذه تكشف ان الكآبة ليست اعتلالا نفسيا فحسب، بل شرطا انسانيا اصيلا. انها النتيجة الطبيعية لوعي يرى ما وراء القشور ولا يجد اجوبة جاهزة. وهذا قريب مما سماه سورين كيركغور مرض الموت، اي اليأس الذي يتولد من مواجهة الذات لحريتها الثقيلة ومسؤوليتها القاسية. لكن هل ينتهي الطريق هنا؟
ربما لا. فكامو يدعونا في اسطورة سيزيف الى تخيل سيزيف سعيدا. الاعتراف بالعبث ليس استسلاما، بل بداية تمرد. وربما تكون الشكوى نفسها، حتى حين لا تجد مستمعا، شكلا من اشكال المقاومة ضد الصمت القاتل. فالانسان حين يبحث عن من يسمعه انما يبحث عن معنى، والبحث ذاته معنى مؤقت يمنع سقوطه
وفي النهاية، من نبوح له بكربنا ليس سؤالا نفسيا فقط، بل سؤال يكشف روح العصر. انه تشريح لانهيار العلاقات الانسانية التي فقدت عمقها وصارت سطحية كصفحة شاشة. شكوانا لا تبوح بحزن فرد، بل بخيبة جيل يبحث عن من يصغي. وفي عالم لا يسمع، تصبح الشكوى دليلا على اننا ما زلنا احياء. واذا كان لمن اشكو سؤالا بلا جواب، فان اشكو نفسها جواب على سؤال لماذا انا موجود
وهنا نستعيد كلمات دوستويفسكي: اننا نعاني لكي نكون افرادا. معاناتنا في البحث عن من نفضي اليه هي الثمن الذي يدفعه الانسان ليظل فردا، ليظل موجودا، في عالم يحاول باستمرار ان يجعله مجرد رقم في طوابير النسيان
ربما لا ننجو من العزلة، وربما يظل النداء معلّقا في هواء لا يرد الصدى، لكن قيمة الانسان لا تقاس بما يسمعه الآخرون، بل بما يجرؤ على قوله حتى في العتمة. فأن نبحث عن معنى هو في حد ذاته شكل من اشكال المقاومة، وان نصر على السؤال يعني اننا ما زلنا ننتمي للحياة رغم كل ما تخفيه من هاويات. وبين عزلة لا ترحم ونداء لا يُستجاب، يظل الانسان يختبر وجوده في كل خطوة، وفي كل محاولة صغيرة لقول: انا هنا. ففي هذا القول وحده، يطلّ معنى الوجود، ولو للحظة عابرة



#أكرم_شلغين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- النهر الذي لم نعبره مرتين: قراءة في قصة نجيب محفوظ -نصف يوم-
- وجهان للحرية: صمت المعرفة وضجيج الواقع
- الكلب*… ذلك المخلوق الذي أحبنا أكثر مما نستحق
- الخوف لا يخلق الإنسان السوي: بين الوازع الداخلي وسلطة الخارج
- تبنى المدن وتترك العقول خرابا
- هل نملك الشجاعة لمراجعة ثقافتنا السائدة؟
- مهرجان الحنفية: مسرحيات الفشل في الأنظمة الديكتاتورية
- كلمات من القلب
- ما لا يعود
- بين ناطحات السحاب وسحابات الدم: هل أصبح التقسيم مصيرا محتوما ...
- الدين لله والوطن للجميع: رؤية في السياق السوري*
- العدو الذي لا نعرفه: التأمل في الصراع الداخلي عبر Face/Off-
- سوريا ليست لفئة واحدة، بل تعددية جميلة لا تُستبدل
- ورقة خريفية في مهب الوجود
- بين ديكنز والخلود: حين يشيخ الزمن ولا نزال نحلم بالشباب
- الماضي بوابة للتأمل… والمستقبل أفق للخلق
- بين الحلم والهيمنة....نحن هنا
- -طلّقني!-
- سألتنا كولا إن كنّا سنعود... فبكى البحر قبلنا
- التعايش والاحترام


المزيد.....




- فيديو متداول لـ-انفجار بركان هايلي غوبي في إثيوبيا-.. ما صحت ...
- كولومبيا ترفض خطوة ترامب بإغلاق المجال الجوي الفنزويلي
- التوتر في الكاريبي.. ماذا بعد إغلاق مجال فنزويلا الجوي؟
- مستوطنون يقتحمون الأقصى وقوات الاحتلال تواصل هدم منازل بالضف ...
- قوات الاحتلال تعلن قتل 40 مقاوما في رفح خلال أيام
- تأسيس رابطة الجالية العراقية وتكريم الكفاءات في بودابست
- الإدمان العائلي على الشاشات.. هروب جماعي إلى الضوء الأزرق
- جنرال إسرائيلي: لتل أبيب هدفان رئيسيان في سوريا
- لماذا يشتد القتال على جبهة مدينة بابنوسة السودانية؟
- أبرز محطات محاكمات الفساد ضد نتنياهو


المزيد.....

- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت
- التجربة الجمالية / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أكرم شلغين - بين العزلة والنداء: اختبار وجود