أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أكرم شلغين - استنقاذا للإنسانية: هل يمكن تحويل الشرير إلى إنسان؟














المزيد.....

استنقاذا للإنسانية: هل يمكن تحويل الشرير إلى إنسان؟


أكرم شلغين

الحوار المتمدن-العدد: 8590 - 2026 / 1 / 17 - 00:48
المحور: قضايا ثقافية
    


هل يستطيع الشرير أن يعود إنسانا؟ هل هناك، في أعماق تلك النفوس التي تبدو مظلمة، بقية من نور يمكن أن تشتعل مرة أخرى؟ أشعل هذه الأسئلة، وما شابهها، في رأسي سؤال صديق في تعليقه على أحد منشوراتي مؤخرا.
نحن نرى في الحياة وفي التاريخ لحظات مُذهلة تُجيب بنعم. لحظات يذرف فيها الطاغية دمعة، أو ينقذ القاسي حياة، أو يندم الظالم على ما فعل. ومع يقيني أن هناك من لايروقه اقتباسي من فيلم بحد ذاته سأفعل والإنسانية لا تتجزأ. في فيلم "قائمة شندلر"، ينظر الرجل الذي كسب ثروته من عمل اليهود في المعسكرات إلى خاتمه ويبكي، لأنه أدرك أنه كان بإمكانه إنقاذ حياة أكثر. تلك الدمعة لم تكن كذبة، بل كانت صدى لإنسانيته التي طالما دفنها تحت طيات الانتهازية والانصياع للنظام. التاريخ يقدم لنا أوسكار شندلر الحقيقي، وجون رابي الدبلوماسي النازي الذي أنقذ آلاف الصينيين، وبول روسيساباجينا في رواندا. هؤلاء لم يكونوا ملائكة، بل كانوا بشراً عاديين وجدوا أنفسهم داخل أنظمة شيطانية، ثم استيقظ فيهم شيء ما.
علم النفس يحاول فهم هذا "الاستيقاظ". فيليب زيمباردو، من خلال تجربته الشهيرة، أرانا كيف يتحول الطلاب العاديون إلى سجّانية قساة عندما نعطيهم سلطة ويضعهم في نظام يبرر القسوة. لكن خلاصة تجربته لم تكن أن البشر وحوش بالطبع، بل أن الأنظمة هي التي تصنع الوحوش. والعكس صحيح: تغيير النظام وتغيير الظروف قد يستخرج ذلك الجانب الإنساني. يتحدث علماء النفس عن "إعادة الاتصال الإنساني"، عندما يتوقف الشخص عن رؤية الآخر كعدو مجرد أو رقم، ويراه إنسانا له اسم، وأم، وقصة. عندها يتزعزع بناء الشر.
حتى كارل يونغ، تلميذ فرويد، يتحدث عن "الظل"، ذلك الجزء من أنفسنا الذي نخفيه لأنه يحوي كل ما ننكره في شخصياتنا. لا يكتمل الإنسان، حسب يونغ، إلا عندما يواجه ظله ويتصالح معه. ربما يكون أقسى الطغاة هم أولئك الذين هربوا من ظلهم، ونسبوا كل شر في العالم إلى الآخر. ولكن لو استطاعوا، ولو للحظة، أن يلتفتوا إلى ذلك الظل ويعترفوا بأنه جزء منهم، لبدأت رحلة العودة.
لكن السؤال يبقى مؤلما: هل هذا ممكن مع الجميع؟ هنا تنقسم الآراء. البعض يقول إن هناك شراً مرضياً، سيكوباتيا، خاليا من التعاطف أساسا، يصعب استخراج إنسانية منه لأنه ببساطة لا يملك المادة الخام لها. لكن آخرين يرجحون أن هذه الحالات القاسية نادرة، وأن أغلب من نراهم "أشرارا" هم ضحايا ظروف متراكمة، وجروح لم تعالج، وأيديولوجيات سامة، وخوف مهول. هم بشر مشوهون، وليسوا شياطين مجسدة.
حنا أرندت، الفيلسوفة، بعد حضورها محاكمة النازي أدولف أيخمان، قدمت فكرة ستظل تلاحقنا: "ابتذال الشر". رأت أن هذا الرجل، الذي نظم ترحيل الملايين إلى الموت، لم يكن شيطانا متأجج الحقد، بل كان موظفا باهتا، يفكر في ترقياته، ويطيع الأوامر دون تفكير. شره كان عاديا، مملا، ناتجا عن عدم القدرة على التفكير النقدي والشجاعة الأخلاقية. وهذا في الواقع أخطر، لأنه يعني أن البذرة تكمن في الكسل العقلي والطاعة العمياء التي قد نجدها في أنفسنا.
حتى الأدب العالمي استشرف هذا التناقض المأساوي داخل النفس الواحدة. فعلى سبيل المثال، لا الحصر، في مسرحية بريخت العبقرية "السيد بونتيلا وخادمه ماتي"، يقدم لنا نموذجا مذهلا: سيد إقطاعي متغطرس، قاس، ومستبد في حالته الطبيعية (وهي حالته الأطول)، لكنه يتحول إلى إنسان لطيف، كريم، ومتضامن مع الفقراء فقط عندما يكون ثَمِلاً! السُكر هنا ليس مجرد حالة هزلية، بل هو استعارة عميقة. إنه ذلك المثبط الاجتماعي، أو تلك الأقنعة التي تسقط، فيُطلَق العنان للجانب الإنساني المكبوت. بريخت يسألنا: أيهما هو الرجل الحقيقي؟ المتغطرس الصاحي الذي يلتزم بقواعد السلطة والطبقة، أم الوديع الثمل الذي يظهر تعاطفه الحقيقي؟ المسرحية تقترح أن "الشر" قد يكون مجرد دور مفروض، وأن "الخير" قد يكون هو الجوهر المطمور تحت طبقات من التقاليد الاجتماعية والجشع والسلطة. مشكلة بونتيلا ليست في افتقاده للإنسانية، بل في أن نظام حياته والنظارة التي يرتديها وهو صاح لا تسمح لهذه الإنسانية بالظهور إلا في لحظات "ضعف" غير مقبولة اجتماعيا. إنها نفس إشكالية "ابتذال الشر" عند أرندت، ولكن بشكل شعبي وساخر، يكاد يقول: الإنسان الطيب حبيس داخل ذلك الشرير، وهو يحتاج فقط إلى ما يذيبه، ليس كحولا بالضرورة، بل ربما جرعة من الحقيقة، أو لحظة من الضعف، أو مواجهة مع الإنسانية المجردة.
ربما هذه هي النقطة الجوهرية! عندما نسأل "هل يمكن استخراج الجانب الإنساني من الشرير؟"، نحن نفترض أن هناك حاجزا واضحا يفصل بين "نحن" البشر و"هم" الأشرار. ولكن الحقيقة الأكثر إزعاجاً هي أن الخط الفاصل يمر داخل كل قلب منا. الظروف، وليس الجوهر فقط، هي التي تحدد أي جانب سنغذّي.
في النهاية، الإيمان بإمكانية عودة الإنسانية ليس سذاجة أو تسامحا أعمى مع الجرم. بل هو إقرار بعمق الروح البشرية وتعقيدها. هو رفض للإجابة السهلة التي تصنف الناس إلى صناديق مغلقة. نيلسون مانديلا، الذي عانى من شرّ الفصل العنصري، خرج من سجنه الطويل ليقول: "لا أحد يولد يكره إنسانا آخر... الناس تتعلم الكراهية، وإذا كان بإمكانهم تعلم الكراهية، فيمكن تعليمهم الحب".
من هنا، فإن الجواب على السؤال أعلاه يكمن في النظر إلى الشرير ليس ككائن غريب، بل كإنسان ضال. والعودة إلى الإنسانية ليست معجزة، بل هي رحلة شاقة تحتاج إلى جرأة لمواجهة الظل، وشجاعة لكسر النظام الذي ينتج القسوة، وقصص تذكرنا بجذرنا المشترك. قد لا ننجح دائما في استنقاذ كل إنسان سقط في ظلمة شرّه، ولكن محاولة الاستنقاذ هذه هي بالضبط ما يحفظ إنسانيتنا نحن.



#أكرم_شلغين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بلاد حمزاتوف.. وبلادنا!
- قبلة الجلاد: حين يصبح الملاذ مصدرا للعذاب
- التطرف المختار: سيكولوجية الهوية الحادة بين الرحم والمذهب
- أحلام تتقلص...وأوطان تتلاشى
- مائدة الحنين
- الاقتباس والابداع في الميزان: بين الانفتاح الثقافي واخلاقيات ...
- حارس الإشارة والوادي الصامت: عزلة الوعي في متاهة الحداثة
- رعب التحول: قراءة مع هودجسون*
- حين يتكلم الجمهور: من لوبون إلى شكسبير إلى يومنا
- بين العزلة والنداء: اختبار وجود
- النهر الذي لم نعبره مرتين: قراءة في قصة نجيب محفوظ -نصف يوم-
- وجهان للحرية: صمت المعرفة وضجيج الواقع
- الكلب*… ذلك المخلوق الذي أحبنا أكثر مما نستحق
- الخوف لا يخلق الإنسان السوي: بين الوازع الداخلي وسلطة الخارج
- تبنى المدن وتترك العقول خرابا
- هل نملك الشجاعة لمراجعة ثقافتنا السائدة؟
- مهرجان الحنفية: مسرحيات الفشل في الأنظمة الديكتاتورية
- كلمات من القلب
- ما لا يعود
- بين ناطحات السحاب وسحابات الدم: هل أصبح التقسيم مصيرا محتوما ...


المزيد.....




- الاتحاد الأوروبي يوصي شركات الطيران بتجنّب المجال الجوي الإي ...
- ما دلالة شعارات مشجعي المنتخب المغربي وكيف يُنظمون صفوفهم؟
- اتحاد الشغل في تونس: أزمة شرعية؟
- ترامب يعلن عن أعضاء مجلس السلام في غزة وتوقعات بتوسيعه لمناط ...
- لوكورنو يُشهر آخر أوراقه بشأن الميزانية تفاديا لإسقاط حكومته ...
- تحذيرات أوروبية وأميركية من الطيران فوق إيران والكاريبي بسبب ...
- تعرّف على مرسوم الشرع بشأن حقوق أكراد سوريا
- ترامب يعرض استئناف الوساطة بين مصر وإثيوبيا بشأن تقاسم مياه ...
- رضا بهلوي يدعو الإيرانيين إلى النزول إلى الشوارع مجددا
- دمشق تخطط لعملية عسكرية ضد قسد وواشنطن تلوح بعقوبات -قيصر-


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أكرم شلغين - استنقاذا للإنسانية: هل يمكن تحويل الشرير إلى إنسان؟