أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أكرم شلغين - بلاد حمزاتوف.. وبلادنا!














المزيد.....

بلاد حمزاتوف.. وبلادنا!


أكرم شلغين

الحوار المتمدن-العدد: 8589 - 2026 / 1 / 16 - 02:52
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في رحلة بحث عن وطن روحي، يصير كتاب الأديب الأفاري رسول حمزاتوف "بلادي داغستان" خارطة تؤدي إلى عالم ترفل تناقضاته في ثوب من الجمال والمحبة. فالعالم الذي يصفه حمزاتوف لا يخلو من الخصام والاختلاف، لكنه يظل محكوما بروح جماعية تتسم بالوئام والمحبة والتضامن. وهنا يخطر لي قول الرومي: "أمسكنا القلوب ببعضنا، ونسينا أننا غرباء". وبحق تصبح هذه هي الروح التي تنبض في كتاب حمزاتوف: روح تُذيب الغربة حتى في قلب الخلاف، وتحفظ للإنسان قداسته. حتى صراعاتهم هناك تحمل في طياتها شيئا من الرومانسية الإنسانية، حيث تظل الحياة المقدسة وحق العيش بكرامة خطا أحمر لا يُمس، وكأنهم جميعا يجسدون حكمة أنطون تشيخوف: "إن مهمتنا ليست في الانتصار، بل في الصمود أمام الأعداء، وعدم الانضمام إليهم".
أما في بلادنا، فقد انقلبت الصورة رأسا على عقب. لقد تحولت "الرجولة" في قاموس الكثيرين من معنى الحماية والتضحية، إلى مقياس للقوة التدميرية، وقدرة الفرد على إقصاء الآخر وإزالته من درب الحياة. وكأن تحذير نيتشه يتحقق بمرارة: "احترز من أولئك الذين يدفعهم الشعور العميق بالذل إلى الكراهية، فسيصبحون في النهاية أكثر إرهابا من أي شرير عارض". لقد فقد المجتمع نسيجه الأخلاقي تحت وطأة الذل والهيمنة، وأصبحت الأنماط الاجتماعية السائدة غريبة عن فطرة البشر المجبولة على التعايش.
وما يجري في سوريا اليوم، في مرحلة ما بعد الأسد (التي نسفت كل المعايير والأعراف الاجتماعية والقيمية)، هو النموذج الأقسى لهذا الانهيار. إنه مجتمع مرهق تعلن بعض مكوناته صراحة، بعد طول معاناة، أنها لم يعد تريد العيش تحت سقف واحد مع غيرها، أو أنها تريد نوعا من الحكم يبعدها عن أشقاء الأمس خصوم اليوم. لقد شوِّهت روابط المجتمع الأساسية بوحشية نظام "رتب الجميع في مراتب تحت سلطته وحمايته"، وهي آلية تشبه ما وصفه جورج أورويل بدقة حين قال إن الهدف هو إعادة صياغة الماضي والحاضر لخدمة السلطة. وهذه السياسة تؤدي إلى كسر حلقة التسامح التي تحدث عنها نيلسون مانديلا: "إن لم تسامح، فإن الكراهية تمضي قدما. وعندما يبدأ الناس في الكراهية، لا يكون من السهل كسر تلك الدائرة".
الآن هل يوجد سبيل للخروج؟ بل، كيف نعود من دوامة الكراهية التي تحول الاختلاف إلى خلاف ثم إلى حرب إبادة؟ سياسة الانتقام تهدم ولا تعمر ومقولة "العين بالعين" التي حذر منها مهاتما غاندي لأنها "تجعل العالم بأكمله أعمى"، هي بالضبط ما نعيشه. نحن نتبادل العمى بدل أن نتبادل النظرات التي تبحث عن إنسانيتنا المشتركة.
بعبارة وجيزة، قد يكون الحل كامنا في إعادة مفاهيمنا كما فعل بريخت في تقويل "لا" لمن اعتاد أن يقول "نعم" لما هو خاطئ إنسانيا ووطنيا وقيميا، وأيضا في إعادة تعريف الرفض. ليس الرفض الذي يدمر، بل الرفض الذي يبني، كما فهمه ألبير كامو في قوله عن الإنسان المتمرد: "إنه رجل يقول لا. لكن رفضه لا يعني التخلي: إنه أيضا رجل يقول نعم، منذ حركته الأولى". نعم على الحياة، نعم على التعايش، نعم على الكرامة التي يولد بها كل إنسان.
أين بلادك يا حمزاتوف.. وأين بلادنا؟ هل فعلا صرنا غرباء إلى الأبد؟!



#أكرم_شلغين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قبلة الجلاد: حين يصبح الملاذ مصدرا للعذاب
- التطرف المختار: سيكولوجية الهوية الحادة بين الرحم والمذهب
- أحلام تتقلص...وأوطان تتلاشى
- مائدة الحنين
- الاقتباس والابداع في الميزان: بين الانفتاح الثقافي واخلاقيات ...
- حارس الإشارة والوادي الصامت: عزلة الوعي في متاهة الحداثة
- رعب التحول: قراءة مع هودجسون*
- حين يتكلم الجمهور: من لوبون إلى شكسبير إلى يومنا
- بين العزلة والنداء: اختبار وجود
- النهر الذي لم نعبره مرتين: قراءة في قصة نجيب محفوظ -نصف يوم-
- وجهان للحرية: صمت المعرفة وضجيج الواقع
- الكلب*… ذلك المخلوق الذي أحبنا أكثر مما نستحق
- الخوف لا يخلق الإنسان السوي: بين الوازع الداخلي وسلطة الخارج
- تبنى المدن وتترك العقول خرابا
- هل نملك الشجاعة لمراجعة ثقافتنا السائدة؟
- مهرجان الحنفية: مسرحيات الفشل في الأنظمة الديكتاتورية
- كلمات من القلب
- ما لا يعود
- بين ناطحات السحاب وسحابات الدم: هل أصبح التقسيم مصيرا محتوما ...
- الدين لله والوطن للجميع: رؤية في السياق السوري*


المزيد.....




- زعيمة المعارضة الفنزويلية تقدم ميدالية جائزة نوبل الخاصة بها ...
- بينهم علي لاريجاني.. أمريكا تفرض عقوبات على كيانات وأفراد إي ...
- ما تأثير فتح جبهة قتال في شرق السودان على العمليات العسكرية؟ ...
- مسؤول أممي: إزالة أنقاض غزة قد تستغرق 7 سنوات
- ترامب يشيد بزعيمة المعارضة الفنزويلية لإهدائه ميدالية نوبل ل ...
- ترامب يشيد بمبادرة -ميدالية نوبل-.. خطوة تثير الجدل
- بوتين يتجنب ملفات ساخنة.. ويوجه -رسالة بلا تفاصيل-
- البيت الأبيض يعلق على وجود قوات أوروبية في غرينلاند
- رسالة من ويتكوف للشعب الإيراني.. وتحديد 4 قضايا مفصلية
- إيران و-الرسائل الخفية-.. هل تتقدّم الدبلوماسية على الضربة؟ ...


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أكرم شلغين - بلاد حمزاتوف.. وبلادنا!