أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أكرم شلغين - حين تُختبر الحرية من داخلها














المزيد.....

حين تُختبر الحرية من داخلها


أكرم شلغين

الحوار المتمدن-العدد: 8595 - 2026 / 1 / 22 - 14:33
المحور: قضايا ثقافية
    


لأن الأسئلة الكبرى أصبحت موضع ريبة في هذا الزمن، ولأن التفكير في قضايا الهوية والدين والحرية أضحى محفوفا بسوء الفهم وربما الاتهام، يبدو التوقف عند بعض السيناريوهات الفكرية ضربا من المجازفة. ومع ذلك، فإن المجتمعات الحية لا تتقدم بالصمت، بل بقدرتها على طرح الأسئلة الصعبة بهدوء ومسؤولية.
انطلاقا من تساؤل طُرح في سياقات فكرية غربية أخيرا، لا بوصفه توقعا ولا دعوة، بل كتمرين ذهني، يحاول هذا النص أن يتأمل سؤالا افتراضيا: ماذا يحدث حين تُختبر الحرية من داخلها؟ وحين تُستخدم أدوات الانفتاح نفسها لإنتاج نماذج إلغائية جديدة؟ ما يأتي أدناه ليس موقفا، بل محاولة تفكير، ولا حكما، بل قلقا مشروعا على مصير الإنسان حين تغلق الأسئلة باسم اليقين.
لم يكن الهاربون إلى أوروبا وأمريكا يفرّون من الفقر وحده، بل من الخوف؛ من الدولة حين تتحول إلى عصا، ومن العقيدة حين تصبح أمرا إداريا، ومن الهوية حين تفرض بالقوة. كان الوصول إلى "العالم الحر" أشبه بولادة ثانية، وعداً غير مكتوب بأن الإنسان هنا يُترك ليكون نفسه، لا نسخة مما يُراد له أن يكون.
غير أن التاريخ، كما نعرف، لا يسير في خط مستقيم. فالملاذ الذي فتح أبوابه باسم الحرية، بدأ يواجه أسئلة لم تكن في الحسبان. ماذا لو استُخدمت الحرية نفسها لنقضها؟ ماذا لو تحوّل بعض ممن نجوا من القمع إلى حَمَلة نموذج إلغائي جديد، لا يختلف في جوهره عمّا هربوا منه، وإن اختلف في اللغة والرموز؟
لا يتعلق الأمر هنا بدين بعينه، بقدر ما يتعلق بنمط ذهني يتكرّر عبر العصور: حين يتحول الإيمان، أي إيمان، من تجربة شخصية إلى مشروع سلطة، وحين يستبدل السؤال باليقين، والاختيار بالطاعة. في مثل هذه اللحظات، لا يعود الصراع بين "غرب" و"شرق"، بل بين تصورين للإنسان: إنسان يُسمح له أن يخطئ ويجرب، وآخر يُطلب منه أن يطيع كي يُقبل.
تبدو بعض أشكال التشدد جذابة في عالم مرتبك. فهي تقدّم إجابات بسيطة عن أسئلة معقّدة، وهوية صلبة في زمن السيولة، وعدواً واضحاً يبرّر الإخفاقات الفردية والجماعية. في مجتمعات تعاني فراغاً في المعنى، يصبح هذا الخطاب أكثر قدرة على النفاذ، لا بقوته الفكرية، بل بقدرته على تهدئة القلق الوجودي.
ومع ذلك، فإن تحويل هذا الميل إلى مشروع شامل يصطدم بواقع أكثر تعقيداً. فالدول الحديثة، مهما بدت مترددة أو متساهلة، تقوم على بنى قانونية وثقافية عميقة، وعلى تاريخ طويل من الصراع مع كل أشكال السلطة المطلقة، سواء جاءت باسم الدين أو القومية أو الخلاص الأخلاقي. التعددية، رغم هشاشتها الظاهرة، ليست فراغاً، بل تراكماً صعباً لا يُمحى بسهولة.
الخطر الحقيقي، إذاً، لا يكمن في "أسلمة الغرب" أو "تديينه" بالمعنى السطحي، بل في تآكل الفكرة التي قامت عليها الحداثة نفسها وهي: أن الإنسان قيمة في ذاته، لا وسيلة، وأن الاختلاف ليس خطيئة، بل شرط حياة. حين تخاف المجتمعات من الدفاع عن هذه الفكرة، لا بدافع الشك فيها، بل بدافع التعب أو اللامبالاة، تفتح الباب أمام كل خطاب يعد بالنظام مقابل الحرية.
ليس هذا المقال دعوة إلى الخوف، ولا إلى الشك المرضي، بل إلى اليقظة. فالحضارات لا تنهار فقط حين تُهاجَم، بل حين تتعب من شرح نفسها، أو تخجل من قيمها، أو تفوّض غيرها ليعرّف الإنسان نيابةً عنها. والسؤال الذي يبقى، لا بوصفه نبوءة بل مسؤولية: هل تستطيع المجتمعات الحديثة أن تحمي إنسانيتها دون أن تتحول إلى نسخة أخرى من النماذج التي قامت أصلاً لتجاوزها؟



#أكرم_شلغين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- استنقاذا للإنسانية: هل يمكن تحويل الشرير إلى إنسان؟
- بلاد حمزاتوف.. وبلادنا!
- قبلة الجلاد: حين يصبح الملاذ مصدرا للعذاب
- التطرف المختار: سيكولوجية الهوية الحادة بين الرحم والمذهب
- أحلام تتقلص...وأوطان تتلاشى
- مائدة الحنين
- الاقتباس والابداع في الميزان: بين الانفتاح الثقافي واخلاقيات ...
- حارس الإشارة والوادي الصامت: عزلة الوعي في متاهة الحداثة
- رعب التحول: قراءة مع هودجسون*
- حين يتكلم الجمهور: من لوبون إلى شكسبير إلى يومنا
- بين العزلة والنداء: اختبار وجود
- النهر الذي لم نعبره مرتين: قراءة في قصة نجيب محفوظ -نصف يوم-
- وجهان للحرية: صمت المعرفة وضجيج الواقع
- الكلب*… ذلك المخلوق الذي أحبنا أكثر مما نستحق
- الخوف لا يخلق الإنسان السوي: بين الوازع الداخلي وسلطة الخارج
- تبنى المدن وتترك العقول خرابا
- هل نملك الشجاعة لمراجعة ثقافتنا السائدة؟
- مهرجان الحنفية: مسرحيات الفشل في الأنظمة الديكتاتورية
- كلمات من القلب
- ما لا يعود


المزيد.....




- هجوم كلب شرس في دورشستر يخلّف صدمة نفسية وإصابات خطيرة
- يُلقّب بـ-الهامس في أذن ترامب-.. من هو مارك روته الأمين العا ...
- أول تعليق لترامب بعد انتهاء اجتماعه مع زيلينسكي في دافوس
- مسؤول فلسطيني: معبر رفح سيُفتح الأسبوع المقبل في كلا الاتجاه ...
- بريطانيا تقرر إعادة جزر تشاغوس، وترامب يعترض
- الرئيس الإسرائيلي: مستقبل إيران -لا يمكن أن يكون إلا بتغيير ...
- إطلاق دينامية جديدة لحزب التقدم والإشتراكية بالفداء مرس السل ...
- من السخرية إلى الحملات التسويقية.. الطلبيات تنهال على نظارات ...
- بيان صادر عن الملتقى الوطني لدعم المقاومة وحماية الوطن
- مجلس السلام: ماهي آليات عمله وماهي مهامه؟


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أكرم شلغين - حين تُختبر الحرية من داخلها