أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أكرم شلغين - جورة حسني














المزيد.....

جورة حسني


أكرم شلغين

الحوار المتمدن-العدد: 8620 - 2026 / 2 / 16 - 18:14
المحور: الادب والفن
    


كان ذلك في شهر آب في منتصف السبعينات وذلك الوقت لم يكن يعرف الرحمة، فالشمس فوق المنطقة المعروفة باسم الخضر تلتهب كجمرة معلقة على كتف البحر. الصخر وفوقه المياه المتبخرة متحولة لملح يلمع بحرارة تكاد تحرق الأقدام، والهواء لم يكن يخفف من شيء بل كان يلسع الجلد قبل أن تلامسه المياه المالحة. لم يكن المكان يملك رفاهية الظل أو النعومة؛ هو شاطئ الفقراء، البعيد عن مسابح الأثرياء حيث المقاعد المظللة والمياه النقية.
المزار الصغير بقبته يقف كعلامة قديمة وسط البقعة. بجواره غرفتان متداعيتان وإلى شمالهما بئر ماء لم يكن عذبا بل كان حلوا، فيما يقف وراءه حقل من أشجار التين تحيطه أعواد القصب بورقها الكثيف، تصنع جدارا طبيعيا يختبئ خلفه من يريد تبديل ملابسه بعيدا عن العيون.
غير بعيد عن المزار، وإلى الغرب منه تظهر "جورة حسني"، الحفرة الصخرية الدائرية التي لا نعرف من صنعها أهو الإنسان أم هو البحر، التي أصبحت مسبحا طبيعيا لجيل لا يملك سوى الحيلة ليصنع فرحه. لكن الطريق إليها محفوف بالمخاطر لحافي القدمين ومعظم لزائرين للمكان حفاة: تجاويف حادة قد تجرح الجلد والقدم في احسن الاحوال، بقع من الزفت المتسرب من البواخر، زجاج ملون مكسور متناثر كالشرر، وحصى مكسر لا يرحم القدمين الحافيتين.، بقايا أصداف بحرية مكسرة وكذلك بقايا أشواك من الحيوان البحري كروي الشكل ذو الأشواك المعروف محليا باسم التوتيا (وهو ليس إلا قنفذ البحر في الواقع).
في تلك الظهيرة، ظهر شاب غريب عن المكان. يمشي بخفة، يحمل بيده راديو ترانزستور أو ربما مسجلة صغيرة لم يعتد الناس هنا رؤيتها. ومن الجهاز يتدفق صوت أم كلثوم، كأنه طالع من زمن أرقى:
"آه كم أخشى غدي هذا وأرجوه اقترابا
كنت أستدنيه لكن هبته لما أهابا
وأهلت فرحة القرب به حين استجابا
هكذا أحتمل العمر نعيماً وعذابا
مهجة حرة وقلباً مسه الشوق فذابا..."
لم يكن أحد يهتم كثيرا بالكلمات، لكن البحر بدا وكأنه يصغي، والريح توقفت قليلا لتلتقط النغمة.
على مقربة، يمشي رجل مسنّ يضع قبعة من القش فوق رأسه، يغني بصوت رخيم أغنية قديمة لكارم محمود:
"على شط بحر الهوى... رسيت مراكبنا..."
غير أن ابتسامة ساخرة ارتسمت على شفتيه، وكأن همًّا خفيا حرّف الكلمات إلى:
"على شط بحر الخر...ا غرقت مراكبنا..."
هل كان يعترض على القمامة، على بقع الزفت والزجاج المكسور؟ أم كان يبوح بجرحٍ داخلي، يحوّل البحر نفسه إلى مرآة شاحبة؟
بعد مرور عقود، تعود الصورة كما لو كانت التقطت بالأمس: حرارة صيفية لا تُطاق، موسيقى أم كلثوم تذيب الصخر، وغناء رجل مسن ينسج بين السخرية والوجع.
وأتساءل الآن:
هل كان في ذلك المشهد جمال يليق بفتنة البحر؟ أم كان فيه شقاء الفقر والحرّ والملوحة؟
ربما كان الاثنان معا... مثل الحياة تماما.



#أكرم_شلغين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين القرب والبعد: تأملات في المسافة والحنين
- أثر الكلام في الأفراد والمجتمعات: بين السحر والسلطة
- يوم أن ألقى جورج أورويل بنفسه في السجن عمدا!
- حين تُختبر الحرية من داخلها
- استنقاذا للإنسانية: هل يمكن تحويل الشرير إلى إنسان؟
- بلاد حمزاتوف.. وبلادنا!
- قبلة الجلاد: حين يصبح الملاذ مصدرا للعذاب
- التطرف المختار: سيكولوجية الهوية الحادة بين الرحم والمذهب
- أحلام تتقلص...وأوطان تتلاشى
- مائدة الحنين
- الاقتباس والابداع في الميزان: بين الانفتاح الثقافي واخلاقيات ...
- حارس الإشارة والوادي الصامت: عزلة الوعي في متاهة الحداثة
- رعب التحول: قراءة مع هودجسون*
- حين يتكلم الجمهور: من لوبون إلى شكسبير إلى يومنا
- بين العزلة والنداء: اختبار وجود
- النهر الذي لم نعبره مرتين: قراءة في قصة نجيب محفوظ -نصف يوم-
- وجهان للحرية: صمت المعرفة وضجيج الواقع
- الكلب*… ذلك المخلوق الذي أحبنا أكثر مما نستحق
- الخوف لا يخلق الإنسان السوي: بين الوازع الداخلي وسلطة الخارج
- تبنى المدن وتترك العقول خرابا


المزيد.....




- متحف القرآن الكريم بمكة يعرض مصحفا مذهبا من القرن الـ13 الهج ...
- مكتبة ترامب الرئاسية.. ناطحة سحاب -رابحة- بلا كتب
- شوقي السادوسي فنان مغربي قدّم المعرفة على طبق ضاحك
- حين تتجاوز الأغنية مبدعها: كيف تتحول الأعمال الفنية إلى ملكي ...
- بين الخطاب والوقائع.. كيف تفضح حرب إيران الرواية الأمريكية؟ ...
- مصر.. تطورات الحالة الصحية للفنان عبدالرحمن أبو زهرة
- هل استوحتى ترمب وصف إنقاذ الطيار الأمريكي من فيلم -فجر الإنق ...
- اللغة العربية في بنغلاديش.. جذور تاريخية ضاربة وآفاق اقتصادي ...
- هل انتهى زمن الشعر؟
- إنقاذ الطيار الأمريكي من إيران.. من ينتصر في معركة الصورة وا ...


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أكرم شلغين - جورة حسني