أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أكرم شلغين - بين القرب والبعد: تأملات في المسافة والحنين














المزيد.....

بين القرب والبعد: تأملات في المسافة والحنين


أكرم شلغين

الحوار المتمدن-العدد: 8614 - 2026 / 2 / 10 - 03:00
المحور: الادب والفن
    


من نافذة مطبخي أرى بيتا مضيئا تحيط به اشجار كثيفة. لا اعرف من يسكنه ولا ما قصته، لكنني اعرف أثره في داخلي. هذا المشهد على بساطته يوقظ فيَّ شيئا دافئا يشبه مكان نشأتي الاولى في سوريا، تلك الالفة التي لا تحتاج الى تفسير ولا تطلب برهانا. كلما ذهبت الى المطبخ في أي ساعة من الليل، ارجع بنظري الى ذلك الاتجاه كمن يكحل عينيه طقسا لا يجوز اهماله. النظر اليه ليس فعل رؤية فقط، بل فعل تذكر واستعادة وربما مقاومة صامتة للغربة.
الغريب انني حين عرضت هذا المشهد على أحدهم وهو يعرف المكان البعيد الذي أقصده، اقترح ان نقترب لنمر بالقرب من البيت ونراه عن قرب. رفضت الفكرة فورا، ليس لأنني لا اريد المعرفة، بل لأنني أخشى الحقيقة وأخاف على الصورة. فالصورة حين ترى من بعيد لا تكون مقيدة بالتفاصيل؛ انها حرة، رحبة، قابلة ان تحمل ما نشتهي من معان. أما القرب، فكثيرا ما يكون محكمة قاسية تدين الخيال باسم الواقع. نعم، أخشى ان يكون البيت لا كما رأيته من بعد، أو أن تكون الاشجار اقل كثافة، او الضوء اشد برودة مما في مخيلتي. أخشى ان ينكسر ما بنيته في رأسي من معنى. فالاقتراب احيانا ليس كشفا، بل خيانة للصورة.
هذه الفكرة ليست شخصية تماما، انها انسانية بامتياز. لطالما كان البعيد أكثر جمالا، وأكثر قدرة على حمل أحلامنا مما هو قريب. البعد يمنح الاشياء فرصة ان تكون ما نريدها ان تكون، لا ما هي عليه فعلا. ولهذا قال نيتشه: نحن لا نحب الاشياء كما هي، بل كما نتصورها. هذه الفكرة تجد جذورها منذ افلاطون. ففي أسطورة الكهف لا يواجه الانسان الحقيقة مباشرة، بل عبر ظلالها. والمفارقة ان هذه الظلال، رغم زيفها، هي التي تمنح السجناء نظاما للمعنى. يقول افلاطون في الجمهورية الكتاب السابع: ما يراه الناس ليس الحقيقة ذاتها، بل ظلال الحقيقة. وليس المقصود هنا تمجيد الوهم، بل الاشارة الى ان المسافة شرط للرؤية. فالقرب الشديد قد يعمي، كما يعمي الضوء المباشر العين.
هذا المعنى يتكرر عند كانط في تمييزه بين الشيء في ذاته والشيء كما يظهر لنا. بحسب كانط في نقد العقل المحض، لا ندرك الاشياء كما هي في ذاتها، بل كما تشكلها أطر إدراكنا. وبذلك، فالصورة البعيدة ليست كذبا، بل الطريقة الوحيدة الممكنة للإدراك.
القمر، ذلك الكائن السماوي الذي تغنى به الشعراء واضاء دروب العشاق وسهر على ضوئه الاحباب، كان رمزا للصفاء وللعشق وللسهر الانساني الهادئ، لكنه لم يعد كما كان حين وطأه الانسان. حين اقتربنا منه صار صخرا باردا بلا أسرار...! لم يتغير القمر، لم يسقط القمر من السماء، بل سقط سحره وتغيرت علاقتنا به. فالسحر كما يرى ماكس فيبر لا يموت الا حين يفسر، وهي حالة نزع السحر عن العالم. المسافة هنا ليست جغرافية فقط، بل رمزية. انها المسافة التي تسمح للخيال بالعمل وللذاكرة بالانتقاء وللقلب بالترميم. ولهذا كتب مارسيل بروست: الرحلة الحقيقية لا تكون في البحث عن مناظر جديدة، بل في امتلاك عيون جديدة. نحن نرى ما نحتاج ان نراه، لا ما هو موجود بالضرورة.
ربما لهذا السبب يخشى الانسان الاقتراب من بعض الاحلام، ونحافظ على مسافة معينة مع بعض الاشياء: مع الوطن، مع الذكريات، مع الاشخاص، لان القرب يفرض الحقيقة، والحقيقة في كثير من الاحيان اقل رحمة من الوهم. يخطرني قول لأحد المفكرين: انت يا من ترى الشعب بهذه العين الجميلة، لو اقتربت منه ورأيت حقيقته، لغيّرت رأيك. وهنا ليست الفكرة ادانة للشعوب، بل تحذير من فتنة النظر من بعيد.
ربما لهذا نحب الاوطان من الخارج أكثر، ونحب الذكريات أكثر من اللحظات، ونحب الاشخاص في الغياب أكثر من الحضور. يقول ميلان كونديرا: الانسان يحن الى ما لم يعد ممكنا، لا لأنه كان اجمل، بل لأنه اصبح بعيدا.
ذلك البيت المضيء من نافذتي لا اريده ان يكون حقيقة. اريده ان يبقى نافذة على ذاتي، على طفولتي، على سوريا التي في داخلي لا تلك التي في نشرات الاخبار. اريده ان يبقى بعيدا بما يكفي ليكون صادقا. احيانا، وبكل حسرة، الحكمة ليست في الاقتراب، بل في معرفة متى نتوقف. فبعض الاشياء خُلقت لتُرى من بعيد كي تبقى جميلة.
في هذا السياق، يقدم الفيلسوف الالماني غيورغ زيمل تأملا عميقا في مفهوم المسافة، حين يرى ان العلاقة الانسانية لا تقوم على القرب وحده، بل على توازن دقيق بين القرب والبعد. البعد يمنحنا القدرة على التقدير، بينما القرب يعرّضنا للاستهلاك. ذلك البيت المضيء من نافذتي لا اريده ان يكون حقيقة ملموسة، اريده ان يبقى رمزا. فالرمز كما يقول بول ريكور يمنح الفكر ما يفكر فيه. حين نقترب اكثر مما ينبغي، نفقد الرمز ونبقى مع الشيء، والشيء مهما كان افقر من الرمز.
لهذا، ليست الحكمة دائما في الاقتراب، ولا في الكشف، ولا في التعري الكامل للحقيقة. احيانا، الحكمة في ان نعرف متى نتوقف. بعض الأشياء، البيوت، الاوطان، القمر، وحتى الذكريات ، خُلقت لتُرى من بعيد. ليس لأنها كاذبة، بل لأنها عند المسافة المناسبة فقط تصبح انسانية.
ربما ليس المهم ان اقترب من المنزل المضيء، بل ان استمر في الحاجة الى النظر اليه. في هذا الفضاء بيني وبينه، تكمن حرية الروح في ان تحلم، ان تتذكر، ان تشتاق. كما في قول ريلكه: اجعل حبك اكبر من اسبابك للحب. البعد ليس هروبا، بل اختيار لبقاء الجمال حيا في داخلك، لان بعض الاشياء تزهر فقط عندما تترك لها مسافة كي تتنفس.



#أكرم_شلغين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أثر الكلام في الأفراد والمجتمعات: بين السحر والسلطة
- يوم أن ألقى جورج أورويل بنفسه في السجن عمدا!
- حين تُختبر الحرية من داخلها
- استنقاذا للإنسانية: هل يمكن تحويل الشرير إلى إنسان؟
- بلاد حمزاتوف.. وبلادنا!
- قبلة الجلاد: حين يصبح الملاذ مصدرا للعذاب
- التطرف المختار: سيكولوجية الهوية الحادة بين الرحم والمذهب
- أحلام تتقلص...وأوطان تتلاشى
- مائدة الحنين
- الاقتباس والابداع في الميزان: بين الانفتاح الثقافي واخلاقيات ...
- حارس الإشارة والوادي الصامت: عزلة الوعي في متاهة الحداثة
- رعب التحول: قراءة مع هودجسون*
- حين يتكلم الجمهور: من لوبون إلى شكسبير إلى يومنا
- بين العزلة والنداء: اختبار وجود
- النهر الذي لم نعبره مرتين: قراءة في قصة نجيب محفوظ -نصف يوم-
- وجهان للحرية: صمت المعرفة وضجيج الواقع
- الكلب*… ذلك المخلوق الذي أحبنا أكثر مما نستحق
- الخوف لا يخلق الإنسان السوي: بين الوازع الداخلي وسلطة الخارج
- تبنى المدن وتترك العقول خرابا
- هل نملك الشجاعة لمراجعة ثقافتنا السائدة؟


المزيد.....




- اتحاد الأدباء يحتفي بتجربة الشاعر أحمد الشيخ علي
- -50 متر-.. سينما ذاتية عن الأب والزمن والخوف من الوحدة
- -حتى لا تنسى أميركا 1777- رواية عن اعتراف المغرب باستقلالها ...
- العلويون بعد أحداث الساحل: تشتّت في التمثيل السياسي.. ووحدة ...
- شهادات مؤثرة لأطباء غزة بعد عرض فيلم -الطبيب الأخير- بمنتدى ...
- أزمة داخل كواليس -مناعة-.. اتهامات متبادلة بين هند صبري ومها ...
- المنتدى الثقافي الأوروبي الفلسطيني يعقد مؤتمره الثاني ‏بمشار ...
- باحث إسرائيلي يحذر: تهميش التمثيل السياسي للفلسطينيين يمهد ل ...
- -نحن الذين لم نمت بعد-.. قصص توثق مأساة البقاء والفقد في غزة ...
- كيف تحول شات جي بي تي من مساعد ذكي إلى -رسام الكاريكاتير الأ ...


المزيد.....

- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أكرم شلغين - بين القرب والبعد: تأملات في المسافة والحنين