أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أكرم شلغين - والخلود يصبح عبئا














المزيد.....

والخلود يصبح عبئا


أكرم شلغين

الحوار المتمدن-العدد: 8688 - 2026 / 4 / 25 - 04:18
المحور: الادب والفن
    


كنت أبحث عن عمل أدبي ياباني أضمه إلى مجموعة نصوص في مادة الأدب العالمي، شيئا يفتح للطلاب نافذة على سؤال الإنسان أينما كان. وقعتُ على Galaxy Express 999، وما إن قرأته مترجما حتى قفز إلى ذهني فورا فيلم Bicentennial Man من بطولة الراحل روبين ويليامز بدور الإنسان الآلي أندرو ، كأن العملين يتبادلان السؤال نفسه ولكن بلغتين مختلفتين.
في "999" ينطلق صبي فقير، يدعى تتسورو، في قطار يعبر الفضاء، لا ليصل إلى مكان بعينه بل إلى فكرة: كوكب يمنح البشر أجسادا آلية، ويَعِدهم بما يشبه الخلود. تبدو الفكرة في ظاهرها خلاصا؛ أن نطيل الإقامة في هذا العالم وأن نؤجل النهاية. غير أن الرحلة، محطةً بعد محطة، تكشف له شيئا أشد قسوة وهو: أن الذين سبقوه إلى هذا "الخلاص" لم يربحوا حياة أطول بقدر ما خسروا معنى الحياة. بقوا… لكنهم لم يعودوا هنا. صارت الأيام متشابهة لا يتهددها زوال فلا تتوهج.
وعند هذه النقطة، يتبدل السؤال بهدوء: من "كيف نعيش أكثر؟" إلى "كيف نحتمل أن نعيش طويلا؟".
هناك، يلتقي القطار الفضائي مع حكاية الروبوت الذي أراد أن يكون إنسانا. لم يكن "أندرو" في فيلم روبن ويليامز يطلب الموت لأنه يكرهه، بل لأنه اكتشف أنه لا يستطيع أن يكون إنسانا بدونه. لم تكن مشكلته أنه لا يفنى، بل أنه يبقى… بينما كل شيء آخر يرحل. وجوه أحبها وأسماء حفظها وضحكات شاركها، تذبل وتغيب بينما هو يظل شاهدا عليها. وفي كل مرة يعيد البداية: يتعرف، يألف، يحب، ثم يفقد.
كأن الخلود ليس حياة أطول، بل سلسلة لا تنتهي من الوداعات.
عندئذ، لا يعود الزمن نعمة خالصة؛ يتحول إلى تكرار يُتقن الحزن. أن تحزن مرة مفهوم، وأن تحزن مرارا مُرهِق، لكن أن تعرف سلفا أن كل علاقة ستنتهي، وأنك ستبقى بعدها… تلك ليست حياة، بل انتظار طويل لشيء لا يأتي. هنا تتقاطع الحكايتان من زاويتين متعاكستين: في "999"يسعى الإنسان إلى أن يصبح آلة كي يهرب من الموت، وفي "Bicentennial Man"تسعى الآلة إلى أن تصبح إنسانا كي تهرب من خلود بلا نهاية. بين الهروبين تكمن المفارقة: ما نحاول الإفلات منه هو نفسه ما يمنحنا القدرة على الاحتمال.
الموت، بهذا المعنى، ليس نقيض الحياة، بل حدّها. والحد هو ما يمنح الأشياء وزنها. لولا الفراق، هل كان اللقاء سيؤلم بهذا الجمال؟ ولو لم تكن هناك نهاية، هل كانت البداية سترتجف بهذا الضوء الخفي؟
نعود بعدها إلى حياتنا اليومية، فنجد أننا، بلا قطارات فضائية ولا أجساد آلية، نقف في منتصف هذا السؤال. نخاف الموت كما لو أنه خطأ، ونعيش كما لو أن الزمن ملك لنا. نؤجل الفرح إلى موعد "أنسب"، نكدّس ما نحب كأن الأشياء ستحفظنا من الفقد، نؤمن أن هناك دائما فسحة أخرى. لكننا لا ننتبه إلى أن ما يمنح اللحظة قيمتها هو أنها لن تتكرر.
ذلك الذي يعمل بجنون منتظرا يوما يعيش فيه، وذلك الذي يحرس أشياءه كأنها ستبقى حين لا يبقى هو نفسه، وذلك الذي يدّخر أجمل ما لديه لوقتٍ لم يأتِ…
كلهم، على نحو خفي، يشترون نسخة مؤجلة من الحياة، نسخة أطول ربما، لكنها قد تكون أفقر.
ربما لو طالت بهم الرحلة، لاكتشفوا ما اكتشفه الروبوت: أن المشكلة ليست في قِصر الحياة، بل في غياب الحضور فيها. وأن الخلود، إذا خلا من الهشاشة، يتحول إلى فراغ ممتد. وأن النهاية، على قسوتها، ليست عدوا للحياة، بل شرط من شروط معناها.
لا نحتاج أن نعيش مئة عام، بل أن نكون حاضرين في يوم واحد كما يجب فالحياة لا تقاس بطولها، بل بقدرتنا على أن نشعر بها… قبل أن تصبح ذكرى.



#أكرم_شلغين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- -هام-* في انتظار المستحيل: حيث تتمرد الأمنية على قوانين الزم ...
- المرأة المناسبة التي لا تأتي: عطب الرغبة
- أين يختبئ واحدنا؟
- الحقيقة التي تتسع للجميع
- جورة حسني
- بين القرب والبعد: تأملات في المسافة والحنين
- أثر الكلام في الأفراد والمجتمعات: بين السحر والسلطة
- يوم أن ألقى جورج أورويل بنفسه في السجن عمدا!
- حين تُختبر الحرية من داخلها
- استنقاذا للإنسانية: هل يمكن تحويل الشرير إلى إنسان؟
- بلاد حمزاتوف.. وبلادنا!
- قبلة الجلاد: حين يصبح الملاذ مصدرا للعذاب
- التطرف المختار: سيكولوجية الهوية الحادة بين الرحم والمذهب
- أحلام تتقلص...وأوطان تتلاشى
- مائدة الحنين
- الاقتباس والابداع في الميزان: بين الانفتاح الثقافي واخلاقيات ...
- حارس الإشارة والوادي الصامت: عزلة الوعي في متاهة الحداثة
- رعب التحول: قراءة مع هودجسون*
- حين يتكلم الجمهور: من لوبون إلى شكسبير إلى يومنا
- بين العزلة والنداء: اختبار وجود


المزيد.....




- روسيا وإفريقيا تدعوان لحماية الممتلكات الثقافية واستعادة ما ...
- البيروقراطية في مواجهة الإبداع.. غضب أدباء قصور الثقافة من ق ...
- -حدوتة- أحمد حلمي تصل إلى صالات السينما في نوفمبر
- مهند دياب يكتب: الفيلم الهندى أحلام صغيرة كبيرة حين تتجاوز ا ...
- سجال إعلامي بين نجوى إبراهيم وأشرف زكي حول إطلالات الفنانات ...
- مشادة على الهواء بين نجوى إبراهيم وأشرف زكي حول ملابس الفنان ...
- مازن الغرباوى عضوا بلجنة تحكيم الدورة 9 لمهرجان نقابة المهن ...
- مهرجان VS-FILM يناقش تحديات ومستقبل السينما المصرية
- -أثر الرواية- لهيثم حسين.. أسرار الصنعة السردية وفلسفة الذاك ...
- حملة مقاطعة فيلم -علي جي- تعلن وقف عرضه بسبب ترويجه للعنصرية ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أكرم شلغين - والخلود يصبح عبئا