أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أكرم شلغين - -هام-* في انتظار المستحيل: حيث تتمرد الأمنية على قوانين الزمن















المزيد.....

-هام-* في انتظار المستحيل: حيث تتمرد الأمنية على قوانين الزمن


أكرم شلغين

الحوار المتمدن-العدد: 8687 - 2026 / 4 / 24 - 02:50
المحور: قضايا ثقافية
    


تخيل رجلاً لا يرى، لا يتحرك، لا يغادر كرسيه. حوله أبواه يعيشان في حاويتي مهملات، و خادمه يتحرك ذهاباً وإياباً في غرفة رمادية لا نوافذ عادية لها إلا نوافذ صغيرة تحت السقف مباشرة تطل على لا شيء. هذا هو هام، بطل صموئيل بيكيت في مسرحية نهاية اللعبة. لكن هام، رغم شلله وعماه، يملك شيئاً واحداً لا ينضب: الأمنيات. يمني نفسه بأنه لو استعاد ليونة رقبته، أو لو تمكن من تحريك أصابعه، لكان قادراً على فعل كل شيء. لكان استعاد بصره، واستعاد حياته. لكان ربما عاد شاباً يركض في الحقول. وهنا تكمن المفارقة المؤلمة: هام لا يعي أو يتناسى عمداً أن ما أفسده الدهر لا يصلحه عطار. الزمن لا يعيد ما أخذه. الجسد الذي سلبته السنوات لا يُرد. إنه يحارب عدواً ليس في الجسد فقط، بل في بنية الوجود نفسها. ولعل أعمق ما في هذه الشخصية أنها تمثلنا نحن جميعاً. كلنا، في لحظات الضعف، نمني أنفسنا بنفس وهم هام: لو عاد بي الزمن إلى الوراء. لو امتلكت جسداً آخر. لو كان لدي وقت أكثر.

منذ بداية المسرحية، وهام بموازاة حاجته لمسكنات الألم والسؤال عن موعد تناولها، يكرر جملة واحدة بأشكال متعددة: "لو أن... لكنت". "لو" هذه ليست أداة نحوية عابرة؛ إنها مركز الاضطراب النفسي الذي يعيش فيه. "لو" هي بوابة إلى عالم بديل لا وجود له، عالم تسوده أمنية لا تلبث أن تصطدم بجدار الزمن. الفيلسوف الرواقي سنيكا قال يوماً: "ليس لأن الأشياء صعبة لا نجرؤ، بل لأننا لا نجرؤ فهي صعبة". لكن هام ليس بحاجة إلى جرأة فقط. جرأته لو جاءت، أين ستذهب به؟ جسده مشلول، وزمنه قد فات. لنتذكر ما كتبه مارسيل بروست في البحث عن الزمن المفقود، أن استعادة الزمن ممكنة لكن عبر الذاكرة اللاإرادية، لا عبر الجسد. بروست يعيد لنا لحظاتنا، لكنه لا يعيد لنا شبابنا. هام لا يريد تذكر الماضي، بل يريد العودة إليه جسداً. وهذا هو الالتباس القاتل: هام يخلط بين الذاكرة والجسد. الذاكرة تستطيع أن تعيد الماضي روحاً، أما الجسد فلا يعيده أبداً.

ربما علينا أن ننصف هام قليلاً. أليست أمنيته مشروعة؟ من منا لا يتمنى لو أزاح علّة جسدية فيستعيد عافيته؟ المشكلة ليست في الأمنية نفسها، بل في ما تلبسه من ثياب الاستحالة. فالطب يعالج كسر العظم، يداوي الجرح، يصلح الخلل. لكنه لا يوقف الشيخوخة. لا يعيد عقارب الساعة إلى الوراء. لا يرد لنا من ماتوا من أحبائنا. هناك فرق شاسع بين ما قد يصلحه الطب وما لا يصلحه شيء على الإطلاق: بين علّة في الرقبة قد تجد من يداويها، وبين مرور الزمن نفسه الذي لا دواء له. بين ضعف في البصر قد تصححه النظارات، وبين فقدان السنوات التي لا تعود. بين مرض عابر، وبين موت الأحباء وذبول الجسد بالهرم. هذه الفجوة بين ما يصلحه البشر وما لا يصلحه الزمن، هي بالضبط حيث يسكن هام. ويرى إرنست بيكر، في كتابه إنكار الموت، أن الإنسان يبني أوهاماً عن الخلود والقدرة المطلقة لتجنب مواجهة الحقيقة الموجعة: أننا كائنات فانية، وأن الزمن يأكلنا قليلاً قليلاً. هام، إذاً، ليس مجرد عجوز في مسرحية، بل هو آلية نفسية تجسدت على خشبة المسرح: آلية إنكار الموت والتآكل، والتمسك بوهم الإصلاح الكامل.

لنخرج الآن من خشبة المسرح إلى شوارع حياتنا اليومية. كم مرة قلنا: "لو بدأت من جديد"، "لو كنت أصغر بعشر سنوات"، "لو كان لدي وقت أكثر"؟ الزمن، بكل حسرة، لا يستجيب للأمنيات. هو سيد لا يناقش، كما قال العرب قديماً: "الدهر يومان، يوم لك ويوم عليك". بل أشد من ذلك: الدهر ليس له أيام لك، إنه يأخذ ولا يعطي، يمضي ولا يعود. الفيلسوف الفرنسي هنري برغسون عقد تمييزاً مهماً بين نوعين من الزمن. هناك الزمن الكمي الذي نقيسه بالساعات والدقائق، وهو زمن الساعة والمواعيد. وهناك الزمن النوعي أو "المدة الحيوية" التي نعيشها كنمو وتغيير تراكمي لا رجعة فيه. هام يريد استعادة المدة الحيوية، وهذا مستحيل لأنها، بطبيعتها، غير قابلة للتكرار. أما هايدغر، في كتابه الوجود والزمن، فيقدم نظرية أعمق: الإنسان ليس مجرد كائن يعيش في الزمن، بل هو كائن زمني بجوهره. وعينا بالموت، ما يسميه "الكينونة نحو الموت"، هو ما يمنح حياتنا معناها. هام ينكر هذا الوعي، ولذلك يظل أسير أوهامه. لو اعترف أن الوقت ينفد، وأن الجسد لن يعود، لكان قد بدأ في العيش الحقيقي.

أمام هذا المصير البيكيتي، أمام هذا الجمود الزمني، تظل ثلاثة خيارات أمام الإنسان. الأول: خيار هام – أن نجلس على كرسينا نتمنى المستحيل، ننتظر إصلاح العطار لما أفسده الدهر، ونضيع ما تبقى من عمر في تمني عمر ولى. الثاني: خيار كلوف، خادم هام في المسرحية. كلوف لا يتمنى. كلوف يتحرك. ينظف الغرفة، يلبّي الأوامر، يفعل ما يستطيع فعله داخل حدود المستطاع. وفي نهاية المسرحية، يحزم حقيبته مصمما على الخروج من تلك المصيدة. لا نعرف إن كان سيحيا أو يموت، لكنه على الأقل لم يبقَ جالساً. الثالث: الخيار الوجودي كما صاغه ألبير كامو في أسطورة سيزيف. سيزيف يدفع صخرة إلى أعلى الجبل، وفي كل مرة تتدحرج إلى أسفل. وهو يعلم ذلك. يعلم يقيناً أن عمله عبثي وأن الصخرة ستعود إلى القاع. لكنه يدفعها مرة أخرى. كامو يقول: "يجب أن نتخيل سيزيف سعيداً". السعادة هنا ليست في النتيجة، بل في الفعل ذاته، في المقاومة رغم العبثية، في العيش داخل الزمن دون انتظار معجزة. ربما كان بيكيت نفسه، بقسوته، يقدم لنا هذه الخيارات دون أن يحكم عليها. إنه يضعنا أمام هام وكلوف. أمام التمني الأجوف وأمام الحركة. أمام انتظار المستحيل وأمام الفعل في المستطاع.

لنعد إلى سؤال أخير: ماذا لو حدثت المعجزة؟ ماذا لو استعاد هام حركته وبصره فجأة؟ هل كان سيكون سعيداً؟ هل كان سيقوم ويرى الحقول الجميلة ويمشي إلى البحر كما كان يحلم؟ أم كان سيكتشف أن المشكلة لم تكن فقط في رقبته المتصلبة، بل في كل شيء؟ بيكيت، بعبقريته، لا يخبرنا بالجواب. لكنه يلمح إليه: المشكلة ليست فقط في عائق جسدي. المشكلة هي الزمن نفسه، هي العلاقة المستحيلة بين "ما كنا" و"ما صرنا"، بين الأمنية التي نملكها والقوانين التي لا نملكها. هاهو هام يسقط في كرسيه، أمام أعيننا، ليس كشخصية مسرحية فقط، بل كتحذير. تحذير لنا أن لا نتحول إلى نسخ منه: نسخ تجلس تتمنى استعادة زمن ولى، بينما تضيع من أيدينا اللحظة الوحيدة التي نملكها حقاً. اللحظة اسمها: الآن.
======================================================
*لا بد من وقفة قصيرة مع الاسم: "هام". كما ورد في النص الأصلي لمسرحية صموئيل بيكيت "نهاية اللعبة"، الاسم هو Hamm. كثيرون يرون أنه مشتق من Hammer (مطرقة) أو من Ham (لحم خنزير في التقاليد المسرحية)، لكن الأقرب إلى الصواب أنه قريب من كلمة Ham التوراتية (حام بن نوح، الذي لعن). أما في العربية، فكلمة "هام" تحمل طبقات بديعة: هي من "همّ" أي أحزن واهتم، ومن "أهمّ" أي جعل الأمر ذا بال. وبالفعل، هام هو الشخصية المهمّة والمهمومة في آن. لكنه، كما سنرى أعلاه، مهموم بما لا ينفع، ومهمّ في عجزه المؤثر.



#أكرم_شلغين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المرأة المناسبة التي لا تأتي: عطب الرغبة
- أين يختبئ واحدنا؟
- الحقيقة التي تتسع للجميع
- جورة حسني
- بين القرب والبعد: تأملات في المسافة والحنين
- أثر الكلام في الأفراد والمجتمعات: بين السحر والسلطة
- يوم أن ألقى جورج أورويل بنفسه في السجن عمدا!
- حين تُختبر الحرية من داخلها
- استنقاذا للإنسانية: هل يمكن تحويل الشرير إلى إنسان؟
- بلاد حمزاتوف.. وبلادنا!
- قبلة الجلاد: حين يصبح الملاذ مصدرا للعذاب
- التطرف المختار: سيكولوجية الهوية الحادة بين الرحم والمذهب
- أحلام تتقلص...وأوطان تتلاشى
- مائدة الحنين
- الاقتباس والابداع في الميزان: بين الانفتاح الثقافي واخلاقيات ...
- حارس الإشارة والوادي الصامت: عزلة الوعي في متاهة الحداثة
- رعب التحول: قراءة مع هودجسون*
- حين يتكلم الجمهور: من لوبون إلى شكسبير إلى يومنا
- بين العزلة والنداء: اختبار وجود
- النهر الذي لم نعبره مرتين: قراءة في قصة نجيب محفوظ -نصف يوم-


المزيد.....




- بينهم قيادي في حماس.. 5 قتلى فلسطينيين بغارتين إسرائيليتين ع ...
- وسط فوضى حفل مراسلي البيت الأبيض..هل سرقت دبلوماسية أوكرانية ...
- حرب إيران مباشر.. تصعيد إسرائيلي بلبنان وترقب لمقترح إيراني ...
- ترامب خلال استقبال تشارلز الثالث: لا أصدقاء أقرب منكم
- الساعة الإضافية في المغرب.. جدل متصاعد ومطالب بالإلغاء
- التجارة الخارجية غير النفطية لإمارة أبوظبي تحقق نموا لافتا
- نتنياهو: فجّرنا نفقا ضخما لحزب الله وندمر بنيتهم ??التحتية
- عبد الله بن زايد يمثل رئيس الإمارات في قمة الخليج التشاورية ...
- واشنطن تفرض عقوبات على كيانات مرتبطة بنظام إيران المصرفي
- ترامب يشن هجوما حادا على ميرتس بعد تصريحاته عن إيران


المزيد.....

- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أكرم شلغين - -هام-* في انتظار المستحيل: حيث تتمرد الأمنية على قوانين الزمن