أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - أكرم شلغين - الحقيقة التي تتسع للجميع














المزيد.....

الحقيقة التي تتسع للجميع


أكرم شلغين

الحوار المتمدن-العدد: 8625 - 2026 / 2 / 21 - 20:57
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


عندما أغراه وهم اليقين في مسيرة وعيه الطويلة توهّم الإنسان أنه امتلك الحقيقة كاملة، فبنى حول نفسه سورا من اليقين، وأغلق النوافذ التي تطل على الآخرين. لكن الحياة، في جوهرها، لا تُبنى على الصوت الواحد، بل على تعدد الأصوات، ولا تزدهر باللون الواحد، بل بانسجام الألوان.
حين يقول أحدنا إن ثقافته هي الأفضل، أو إن جماعته هي "الفرقة الناجية"، فهو، في الغالب، لا يتحدث من موقع المعرفة بقدر ما يتحدث من موقع الموروث؛ ذلك أن الإنسان يولد داخل قصة جاهزة: دين، ولغة، وتاريخ، ورواية كونية تفسر له الوجود. وكما يذهب عالم الاجتماع بيتر بيرغر إلى أن الواقع الاجتماعي هو "بناء إنساني"، فإن ما نعده حقائق مطلقة هو في كثير من الأحيان حقائق تعلمنا أن نراها كذلك.
الدنيا، كما نعرفها، ليست دينا واحدا ولا سردية واحدة. إنها فسيفساء من الإيمان واللاإيمان، من الأساطير والعلوم، من التأملات الفلسفية والتجارب الروحية. وكل إنسان يعتقد، بصدق تام، أنه يقف على أرض صلبة، بينما يقف الآخر على الوهم. لكن لو تغير مكان الولادة، لتغيرت القناعة ذاتها. ولكن ما يفترض بنا هو أن ننحاز بعمق للإنسان قبل الفكرة وللقاء قبل الانتصار كما في قول جلال الدين الرومي الذي يتسع لهذا التأويل ويحتمل عمقه: "وراء أفكار الصواب والخطأ سهلٌ، سألقاك هناك."
إن مشكلة التخندّق بالتفوق الثقافي لا تكمن فقط في ظلم الآخر، بل في إفقار الذات. فالثقافة التي لا ترى إلا نفسها تفقد قدرتها على التعلم. تماما كما لخص هذه الفكرة جون ستيوارت مل بقوله : "من يعرف جانبا واحدا من القضية لا يعرفها" أو كما في قول أبو النواس الشهير والذي يوضح بحق أن معرفة شيء لا يعني معرفة كل شيء حول موضوع معرفي أو فلسفي:""فَقُل لِمَن يَدَّعي في العِلمِ فَلسَفَةً .. حَفِظتَ شَيئاً وَغابَت عَنكَ أَشياءُ". فالمعرفة لا تنمو في بيئة مغلقة، بل في فضاء الحوار، حيث يصحح كل منا نقص الآخر. نحن لا نتمسّك برواياتنا الدينية أو الثقافية لأننا درسناها جميعا واخترناها بحرية كاملة، بل لأننا وُلدنا داخلها. وهذا لا ينتقص من قيمتها الروحية، لكنه يدعونا إلى التواضع. فكما يقول كارل ساغان: "في مكانٍ ما، هناك شيء مذهل ينتظر أن يُكتشف." وهذا الاكتشاف لا يكون إلا حين نعترف بأن الحقيقة أوسع من إدراكنا الفردي، وفي العلوم ذاتها لا نتحدث عن إطلاقٍ كامل للحقيقة؛ فليست كل الحقائق مطلقة، ولا كلها نسبية، الأمر الذي يجعل ادعاء امتلاك الحقيقة النهائية نوعا من الوهم المعرفي.
إن ما يميز الإنسان ليس تفوقه الواهم، بل قدرته على التعلم من الآخر والإضافة إليه. لن يستطيع أحد منا أن يدعي أنه يملك كل الحقيقة، ولن يكون أحد أفضل من أحد بمجرد انتمائه أو هويته. القيمة الحقيقية تكمن في قدرتنا على المساهمة في تراكم المعرفة الإنسانية، وفي جعل العالم أكثر جمالا وتنوعا.
هذا هو جوهر الحكمة التي نسيها الكثيرون، وقد لخصها العديد بما معناه أن من يريد أن يبلغ بياض النهار، فعليه أن يعبر وادي الظلام، ولا يمكنه الوصول إلى القمة ما لم يجتاز الهاوية. الهاوية هنا هي التخلي عن غرور الأنا، والظلام هو الجهل بالآخر. فالعبور نحو النور الحقيقي يتطلب خوض غمار تجربة الاختلاف.
إن التنوع الثقافي ليس تهديدا للهوية، بل هو شرط ازدهارها. فاللغة تتطور بالاحتكاك، والفكر ينضج بالاختلاف، والإنسان يكتشف إنسانيته في مرآة المختلف عنه. وقد عبر كلود ليفي شتراوس عن ذلك بقوله إن الحضارة الإنسانية هي نتيجة "ائتلاف الثقافات لا انعزالها".
لسنا أفضل من غيرنا، ولا غيرنا أفضل منا؛ نحن فقط أبناء طرق مختلفة في محاولة فهم اللغز ذاته: لماذا نحن هنا؟ وما معنى هذا الوجود؟
وما دمنا جميعا نقف أمام الأسئلة الكبرى نفسها، فإن التواضع يصبح الشكل الأرقى للمعرفة. والعالم لا يحتاج إلى مزيد من الجماعات التي تعلن امتلاك الحقيقة، بل إلى أفرادٍ يملكون شجاعة الاعتراف بنسبية فهمهم. نحتاج أن نرى العلم بوصفه جسرا لا سلاحا، والثقافة بوصفها حوارا لا متراسا والاختلاف يعني الثراء ولايفترض ان يعني الخلاف.
فرؤية أحادية الجانب لأي شيء مادي أو معنوي تعني بالضرورة نوع من القيد أو كما رآها غاندي أسر أو سجن حين قال "لا أحب أن أكون أسير أي شيء، حتى ولو كان فكرة جميلة، لأن السجن يبقى سجنا حتى ولو كانت جدرانه من ذهب."إن التعصب لأي فكرة، حتى لو كانت نابعة من أعمق معتقداتنا، هو سجن يمنعنا من رؤية الجمال المتناثر في ثقافات الآخرين.
وبالتأكيد كان غاندي نفسه يعي قيمة الانفتاح الثقافي حين عبر بقوله: "لا أريد أن يكون بيتي مسوّرا من كل جانب… أريد لثقافات العالم أن تهب على بيتي بحرية." ذلك البيت هو الإنسان نفسه.
في النهاية، ليست المسألة أن نتخلى عمّا نؤمن به، بل أن ندرك أن للآخر الحق ذاته في أن يؤمن بما لديه. وأن الوجود يتسع لنا جميعا، وأن ثراءه قائم على اختلافنا لا على تطابقنا.
نحن هنا، وغيرنا هنا، والحقيقة، ربما، أكبر منا جميعا.



#أكرم_شلغين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جورة حسني
- بين القرب والبعد: تأملات في المسافة والحنين
- أثر الكلام في الأفراد والمجتمعات: بين السحر والسلطة
- يوم أن ألقى جورج أورويل بنفسه في السجن عمدا!
- حين تُختبر الحرية من داخلها
- استنقاذا للإنسانية: هل يمكن تحويل الشرير إلى إنسان؟
- بلاد حمزاتوف.. وبلادنا!
- قبلة الجلاد: حين يصبح الملاذ مصدرا للعذاب
- التطرف المختار: سيكولوجية الهوية الحادة بين الرحم والمذهب
- أحلام تتقلص...وأوطان تتلاشى
- مائدة الحنين
- الاقتباس والابداع في الميزان: بين الانفتاح الثقافي واخلاقيات ...
- حارس الإشارة والوادي الصامت: عزلة الوعي في متاهة الحداثة
- رعب التحول: قراءة مع هودجسون*
- حين يتكلم الجمهور: من لوبون إلى شكسبير إلى يومنا
- بين العزلة والنداء: اختبار وجود
- النهر الذي لم نعبره مرتين: قراءة في قصة نجيب محفوظ -نصف يوم-
- وجهان للحرية: صمت المعرفة وضجيج الواقع
- الكلب*… ذلك المخلوق الذي أحبنا أكثر مما نستحق
- الخوف لا يخلق الإنسان السوي: بين الوازع الداخلي وسلطة الخارج


المزيد.....




- الجيش الإسرائيلي يقر بقصف كنيس يهودي في طهران
- فيفا يفتح إجراء تأديبيا ضد هتافات جمهور إسبانيا -المعادية لل ...
- بابا الفاتيكان يدعو لإنهاء الحرب على إيران..-تهديد شعب بأسره ...
- إيران - مستشار قائد الثورة الإسلامية محمد مخبر: هبوط مدّعي ا ...
- المقاومة الإسلامية اللبنانية: استهدفنا دبابة -ميركافا- في ال ...
- رجال المقاومة الإسلامية في لبنان يستهدفون عند الساعة 13:00 آ ...
- رئيس مجلس الشورى الاسلامي محمد باقر قاليباف: -سنقطع كل إصبع ...
- يهود إيران في مواجهة التصعيد: انخراط عسكري وتأكيد على الهوية ...
- -استفزاز سافر-.. إدانات عربية لاقتحام بن غفير المسجد الأقصى ...
- حرس الثورة الإسلامية: لأول مرة في الحرب المفروضة، تم إطلاق ص ...


المزيد.....

- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم
- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي
- إله الغد / نيل دونالد والش
- في البيت مع الله / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله - ثلاثة أجزاء / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله للمراهقين / يل دونالد والش
- شركة مع الله / نيل دونالد والش
- صداقة مع الله / نيل دونالد والش
- شركة مع الله / نيل دونالد والش
- في عرفات الله أعلنت إلحادي بالله / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - أكرم شلغين - الحقيقة التي تتسع للجميع