أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أكرم شلغين - المرأة المناسبة التي لا تأتي: عطب الرغبة














المزيد.....

المرأة المناسبة التي لا تأتي: عطب الرغبة


أكرم شلغين

الحوار المتمدن-العدد: 8686 - 2026 / 4 / 23 - 02:56
المحور: قضايا ثقافية
    


ليس كل من يترك امرأة لأخرى هارباً من علاقة فاشلة. هناك نمط سريري واضح: رجل لا ينهي علاقة حتى يبدأ أخرى، وكل امرأة جديدة تُرى في البداية على أنها "الحلم"، ثم تنقلب فجأة إلى "خطأ"، ثم يُعاد السيناريو مع التالية. السؤال الذي يجب أن يُطرح ليس عن أخلاق هذا السلوك، بل عن البنية النفسية والفلسفية: هل هؤلاء الرجال حقاً لم يجدوا المرأة المناسبة، أم أن آلية رغبتهم ذاتها معطلة، فلا تشبع عينهم ولا غريزتهم أبداً؟
في التحليل النفسي الكلاسيكي، وصف أوتو رانك نمطاً يعرف بـ "فارس الحلم" (The Dream Knight): شخص يظل مفتوناً ببدايات العلاقات، بلحظة الترقب والكشف، ثم يموت شغفه فور أن تصبح العلاقة حقيقية وملزمة. هذا ليس حباً، بل إدمان على التوقع. سيغموند فرويد، في مقالته "نوع خاص من اختيار الموضوع عند الرجل" (1910)، وصف رجالاً لا ينجذبون إلا للنساء المرتبطات بآخرين أو غير المتاحات، لأن عائقاً ما هو الذي يشعل رغبتهم. حين تزول العقبة، تزول الرغبة. يقول فرويد: "إن شرط الأذى أو العائق هو الذي يجعل الاختيار الغرامي ممكناً... حين يزول العائق، تزول الرغبة." الرجل الذي يترك امرأة بعد أن يجدها "ليست كما تخيل"، ثم ينتقل فوراً لأخرى، قد لا يدرك أنه ليس يبحث عن امرأة من لحم ودم، بل عن صورة في رأسه لا توجد في الواقع. كل امرأة حقيقية تخونه حتماً لأنها لا تتطابق مع الخيال.
أفلاطون، في محاورة الجمهورية، يقدم أسطورة الكهف: البشر مقيدون ينظرون إلى ظلال على جدار، ويظنونها الحقيقة. حين يخرج أحدهم إلى النور، يعرف أن الظلال كانت مجرد نسخ هزيلة. لكن ماذا لو أن رغبتنا نفسها مصممة على حب الظلال؟ ما يسميه هذا الرجل "المرأة المناسبة" ليس موجوداً في العالم، بل هو مثال أفلاطوني ( صورة كاملة، مثالية، لا تعاني من العيوب، لا تشيخ، لا تحتاج، لا تطلب. كل امرأة حقيقية ستفشل في أن تكون هذه الصورة. الفيلسوف دانييل دينيت يسمي هذا "الجزيرة المثالية" التي لا توجد على أي خريطة. أما جان بول سارتر، فيرى أن الرجل الذي ينتقل من امرأة لأخرى ولا يتوقف، ليس حراً كما يظن. هو أسير رغبته لأنه يعرّف نفسه دائماً عبر "النظرة" ، يحتاج امرأة جديدة لتراه، ليثبت وجوده. الفراغ الذي يشعر به ليس بسبب غياب "المناسبة"، بل لأنه لا يعرف كيف يكون مع نفسه وحده. يقول سارتر: "الرجل الذي لا يستطيع أن يكون وحيداً هو رجل في حالة حرب دائمة مع نفسه."
الاجتماعي زيجمونت باومان وصف العصر الحديث بـ "الحداثة السائلة" (Liquid Modernity): علاقاتنا صارت مثل السلع – تُستهلك سريعاً ويُستبدلها طراز أحدث. الرجل الذي يترك امرأة ويجد أخرى فوراً ليس بالضرورة "سيئاً" – ربما هو نتاج ثقافة تجعله يعتقد أن "الاحتفاظ" فشل، وأن "التغيير" هو الحل لكل ملل. في ثقافة الاستهلاك، الرغبة تُقتل بالإشباع. بدلاً من أن يشبعنا ما نحصل عليه، يدفعنا الإشباع إلى البحث عن المزيد. الرجل قد يكون ضحية هذه الآلية. إريك فروم، في فن الحب، ميز بين الحب الناضج وغير الناضج: "الحب الناضج هو اتحاد بشرط الحفاظ على الذات والاستقلال... أما الحب غير الناضج فيقول: أنا أحبك لأني بحاجة إليك . الناضج يقول: أنا بحاجة إليك لأني أحبك ." الرجل الذي لا يبقى عازباً لحظة واحدة لا يحتاج امرأة لأنه يحبها، بل يحتاجها لأنه لا يعرف كيف يكون وحده. غياب المرأة ليست فرصة للراحة، بل ذعر وجودي. وهنا المفارقة: خوفه من الفراغ هو ما يجعله دائماً في علاقات سطحية لا تملأ الفراغ أبداً.
والآن لنصل إلى الإجابة على السؤال المركزي الذي طرحته في البداية: هل هو فعلاً لم يجد نفسه مع المرأة المناسبة، أم أن عينه وغريزته ومخيلته لا تشبع أبداً؟ الجواب: كلاهما خطأ، وكلاهما صحيح. هو لم يجد المرأة المناسبة ، ليس لأنها غير موجودة، بل لأنه غير قادر على التعرف عليها عندما تأتي. آلية عمله النفسية تجعله يرى كل امرأة كـ"بداية" ثم "خيبة"، لأنه لا يمنح أي علاقة وقتاً كافياً لتصبح حقيقية. العلاقة الحقيقية لا تُكتشف في الشهر الأول، تُبنى في السنوات. أما مخيلته فلا تشبع أبداً لأنها مخيلة رومانسية مرضية، تعيش على الترقب، وتموت عند اللقاء. مثل طفل يريد لعبة، فحين يحصل عليها يرميها. المشكلة ليست في اللعبة، بل في كيفية رغبته.
لا يتوقف هذا على رجل وحده في هذا النمط بل هناك رجال كثر يعيشون هكذا: يتركون امرأة على عتبة امرأة، ويظنون أنفسهم باحثين عن الحب، وهم في الحقيقة هاربون من الفراغ. لا يمكن لأي امرأة أن تكون "المناسبة" لمن لا يعرف كيف يكون مناسباً هو نفسه. كما يقول آلان دو بوتون: "نادراً ما نعرف ما نحبه بالضبط، لأن معرفة ما نحبه تعني معرفة أنفسنا. ومن لا يعرف نفسه، لا يمكنه أن يعرف متى وجد الحب." وخلاصة الفلسفة العملية: من لا يستطيع أن يكون سعيداً وحيداً، لن يكون سعيداً مع أحد.



#أكرم_شلغين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أين يختبئ واحدنا؟
- الحقيقة التي تتسع للجميع
- جورة حسني
- بين القرب والبعد: تأملات في المسافة والحنين
- أثر الكلام في الأفراد والمجتمعات: بين السحر والسلطة
- يوم أن ألقى جورج أورويل بنفسه في السجن عمدا!
- حين تُختبر الحرية من داخلها
- استنقاذا للإنسانية: هل يمكن تحويل الشرير إلى إنسان؟
- بلاد حمزاتوف.. وبلادنا!
- قبلة الجلاد: حين يصبح الملاذ مصدرا للعذاب
- التطرف المختار: سيكولوجية الهوية الحادة بين الرحم والمذهب
- أحلام تتقلص...وأوطان تتلاشى
- مائدة الحنين
- الاقتباس والابداع في الميزان: بين الانفتاح الثقافي واخلاقيات ...
- حارس الإشارة والوادي الصامت: عزلة الوعي في متاهة الحداثة
- رعب التحول: قراءة مع هودجسون*
- حين يتكلم الجمهور: من لوبون إلى شكسبير إلى يومنا
- بين العزلة والنداء: اختبار وجود
- النهر الذي لم نعبره مرتين: قراءة في قصة نجيب محفوظ -نصف يوم-
- وجهان للحرية: صمت المعرفة وضجيج الواقع


المزيد.....




- سمكة قرش فضولية تطارد متزلجًا على الماء.. شاهد ما فعلته
- مستشار مجتبى خامنئي يتحدث عن وضعه الصحي ودوره في المفاوضات م ...
- بسبب حرب إيران.. مواجهة في الكونغرس بشأن تفسير مهلة الستين ي ...
- تحذيرات من -مزاد عالمي- على الغذاء: حرب إيران تهدد بتجويع ال ...
- إطلاق 6583 مسيّرة في شهر واحد: أبريل يسجّل أعلى معدل لهجمات ...
- كاميرا مراقبة توثق اعتداء مستوطن إسرائيلي على راهبة فرنسية ف ...
- عيد العمال: توقيف العشرات في تركيا خلال مظاهرات تحت شعار -خب ...
- بحثا عن المعادن والثروة.. شباب بوليفيا في قلب مناجم الموت
- عيد العمال.. مظاهرات في عدد من دول العالم تطالب بتحسين شروط ...
- احتواء أم قطيعة؟ أزمة دبلوماسية تكشف هشاشة العلاقة بين باريس ...


المزيد.....

- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أكرم شلغين - المرأة المناسبة التي لا تأتي: عطب الرغبة