أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أكرم شلغين - حين يعيش الإنسان… ويترك غيره يعيش














المزيد.....

حين يعيش الإنسان… ويترك غيره يعيش


أكرم شلغين

الحوار المتمدن-العدد: 8690 - 2026 / 4 / 27 - 16:18
المحور: قضايا ثقافية
    


سمعت، كما غيري، تلك العبارة التي تبدو بسيطة حدّ السذاجة في ظاهرها، عميقة حدّ الحكمة في باطنها: “Live and let live” عش ودع غيرك يعيش. لم أكن أدرك تمامًا ثقل هذه الكلمات إلا حين عشت بين أناس جعلوا منها أسلوب حياة، لا مجرد شعار عابر.
هناك، في ذلك "العالم الغريب" كما يسميه البعض، رأيت شيئا يكاد يبدو بدائيا في نقائه: الإنسان منشغل بنفسه. لا بمعنى الأنانية، بل بمعنى الاكتفاء. كل يغزل خيطه الخاص، ويترك للآخرين أن يغزلوا خيوطهم كما يشاؤون. لا أحد يراقب خطواتك ليعثر على زلة، ولا أحد ينتظر سقوطك ليعلن انتصاره. كان الناس، على بساطتهم، راضين بما لديهم، سعداء بما يصنعون، حتى وإن بدا ما يصنعونه متواضعا في نظر الآخرين.
العجيب أن هذا الرضا لم يكن سكونا، بل كان طاقة خفية للإبداع. فحين لا تُستنزف الروح في مراقبة الآخرين، تتفرغ لخلق شيء جديد. رأيت نجارا يبدع في قطعة خشب، لا لأنه يريد أن يتفوق على غيره، بل لأنه يريد أن يتقن ما بين يديه. ورأيت معلما يزرع الفكرة في عقول طلابه دون أن يشغل نفسه بمن هو "أفضل" منه. هناك، لا تُكسر أجنحة أحد لتعلو أنت، لأن الارتفاع لا يُقاس بالآخرين أصلا. لم أسمع هناك نميمة خلف ظهر، ولا مؤامرة على زميل، ولا حسداً يحرق القلب. كانوا يعيشون في مساحاتهم الخاصة، كما تعيش الأشجار في غابة مترامية: كل شجرة تمتد نحو السماء بفروعها، دون أن تقتلع جذور الأخرى.
لكن، ويا للمفارقة، في البيئة التي نشأت فيها، يبدو الأمر وكأن القاعدة مقلوبة. إذ لا يكفي أن تكون جيدا بل يجب، وبموازاة ذلك، أن تثبت أن غيرك أسوأ. لا يُنظر إلى النجاح كرحلة فردية، بل كمعركة صفرية: إما أنا أو أنت. رأيت من يفتقر إلى القدرة على الإتيان بشيء جديد، فيعوّض ذلك بمحاولة تحطيم ما يبدعه الآخرون. وكأن بعض النفوس لا تعرف كيف ترتقي إلا عبر تشويه صورة غيرها.
هذه الظاهرة ليست جديدة، وقد التفتت إليها ثقافات كثيرة عبر التاريخ. يقول الفيلسوف والمؤرخ البريطاني برتراند راسل: "الحسد هو أحد أقوى أسباب التعاسة عند البشر." وكأن الحاسد لا يكتفي بحرمان نفسه من الفرح، بل يسعى لحرمان الآخرين منه أيضا.
وفي سياق قريب، كتب الروائي والكاتب الأمريكي مارك توين ساخرا: "لا تدع الآخرين يحددون قيمتك… فغالبا ما يفعلون ذلك وفق مقاييسهم المحدودة." وهنا تكمن المأساة: حين يصبح تقييم الذات مرهونا بتقليل قيمة الآخرين.
أما عبقري الروح البشرية الأديب الروسي دوستويفسكي فقد لامس جوهر المسألة حين أشار إلى أن:
"الإنسان قد يفضّل أن يكون تعيسا، بشرط أن لا يكون غيره سعيدا أكثر منه،" وهي عبارة تختصر عقلية كاملة لا ترى في الحياة مساحة مشتركة، بل ساحة تنافس مَرَضي. وهذا ما أراه في العديد من أبناء بلدي، حتى من يحمل منهم أعلى الشهادات؛ إذ طالما تمنّيت أن أسمع ممن أعنيهم، ولو مرة واحدة، امتداحَ فضائل شخص يُفترض أنه صديق مشترك، أو على الأقل إيثارَ الصمت. وليت بعضنا يتعلم من الشاعر الألماني الكبير غوته : "لا يوجد طريق إلى السعادة، السعادة هي الطريق."
كم يؤلمني هؤلاء الذين، إذا ما ذُكر اسمُ أحد في غيابه، سارعوا إلى اغتيابه، واسترسلوا في الحديث عن فشله الحياتي، أو التشكيك في نزاهة إنجازه، زاعمين أن شهادته مُشتراة، أو أنه لا يستحق ما وصل إليه. وإذا افتقرت نميمتهم إلى ما يتكئون عليه، انحدروا إلى مستوى أدنى، فراحوا يعيبون حتى ملامحه وشكله.
إنّ مثل هذه السلوكيات لا تعكس قوة أو تفوّقا، بقدر ما تكشف عن خلل نفسيّ اجتماعيّ عميق، يجعل من التقليل من شأن الآخرين وسيلة واهية لتعويض شعور داخلي بالنقص.
المشكلة، في جوهرها، ليست في غياب القدرة، بل في توجيهها. فالعقل الذي يستطيع أن ينتقد، يستطيع أن يبدع. والطاقة التي تُهدر في الغيبة والتقليل، كان يمكن أن تتحول إلى إنجاز حقيقي. لكن حين يعتاد الإنسان النظر إلى الأعلى لا ليرتقي، بل ليُسقط، فإنه يبقى عالقا في مكانه، مهما ظنّ أنه يتقدم.
إن مبدأ “عش ودع غيرك يعيش” ليس دعوة للانعزال، بل دعوة للنضج. أن تدرك أن للآخرين مساراتهم، كما لك مسارك. وأن النجاح لا يُبنى على أنقاض الآخرين، بل على جهدك أنت. وربما، في لحظة صفاء، ندرك أن أعظم انتصار ليس أن نسبق غيرنا، بل أن نصبح أفضل مما كنا عليه بالأمس. يُبدع الناس عندما ينشغلون ببناء حياتهم، لا بهدم حياة غيرهم.
ومن ثراء حكايات الشعوب التي وصلت إلى القمة ففي حديقة يابانية زرع بستاني أشجار الكرز إلى جانب أشجار الصنوبر، فسأله تلميذه: ألن تتنافس الأشجار على الضوء؟ فضحك البستاني وقال: الكرز يعطي للصنوبر ظلاً في الصيف، والصنوبر يمنح الكرز دفئاً في الشتاء، وكلاهما يزهر في وقته. هكذا الحياة: تكبر حين نتشارك، لا حين نتصارع.
فهل نتعلم يوما أن نعيش… فقط لنعيش أو أن عيشنا لا ينبغي أن يبنى على الصراع؟



#أكرم_شلغين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- والخلود يصبح عبئا
- -هام-* في انتظار المستحيل: حيث تتمرد الأمنية على قوانين الزم ...
- المرأة المناسبة التي لا تأتي: عطب الرغبة
- أين يختبئ واحدنا؟
- الحقيقة التي تتسع للجميع
- جورة حسني
- بين القرب والبعد: تأملات في المسافة والحنين
- أثر الكلام في الأفراد والمجتمعات: بين السحر والسلطة
- يوم أن ألقى جورج أورويل بنفسه في السجن عمدا!
- حين تُختبر الحرية من داخلها
- استنقاذا للإنسانية: هل يمكن تحويل الشرير إلى إنسان؟
- بلاد حمزاتوف.. وبلادنا!
- قبلة الجلاد: حين يصبح الملاذ مصدرا للعذاب
- التطرف المختار: سيكولوجية الهوية الحادة بين الرحم والمذهب
- أحلام تتقلص...وأوطان تتلاشى
- مائدة الحنين
- الاقتباس والابداع في الميزان: بين الانفتاح الثقافي واخلاقيات ...
- حارس الإشارة والوادي الصامت: عزلة الوعي في متاهة الحداثة
- رعب التحول: قراءة مع هودجسون*
- حين يتكلم الجمهور: من لوبون إلى شكسبير إلى يومنا


المزيد.....




- شي جين بينغ: -النهضة العظيمة- للصين وشعار -لنجعل أمريكا عظيم ...
- بعد عمليات بحث واسعة.. العثور على جثة الجندية الأمريكية المف ...
- ترامب وشي يتبادلان نخب التكريم في مأدبة بكين
- أطفال أفغانستان يدفعون ثمن حروب المنطقة: مسؤول أممي يحذر من ...
- تحذير عراقي وراء توقيف سوري بشبهة التخطيط لهجوم في هامبورغ
- الصين - الولايات المتحدة: بين التعاون الإجباري والتنافس المف ...
- رويترز: فرنسا تحقق بشبهات تدخل شركة إسرائيلية في الانتخابات ...
- لن نرضخ.. طهران تؤكد أنها لن تتفاوض تحت الضغط ومستعدة للرد ع ...
- مسؤول لبناني يؤكد أن بيروت ستضغط على إسرائيل لوقف إطلاق النا ...
- عباس في مؤتمر فتح العام: نرفض أي سلاح خارج الشرعية الفلسطيني ...


المزيد.....

- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أكرم شلغين - حين يعيش الإنسان… ويترك غيره يعيش