أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الصحة والسلامة الجسدية والنفسية - رانية مرجية - حين يُعاد تعريف الإنسان: في العمل مع طيف التوحد والإعاقات النفسية والذهنية والتطورية














المزيد.....

حين يُعاد تعريف الإنسان: في العمل مع طيف التوحد والإعاقات النفسية والذهنية والتطورية


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8663 - 2026 / 3 / 31 - 14:06
المحور: الصحة والسلامة الجسدية والنفسية
    


لم يكن عملي مع الأفراد ضمن طيف التوحد والإعاقات النفسية والذهنية والتطورية مساراً مهنياً بالمعنى التقليدي، بل تجربة معرفية ووجودية أعادت صياغة فهمي للإنسان، وحدود اللغة، ومعنى القدرة، وطبيعة الاختلاف ذاته. على امتداد هذه السنوات، لم أتعلم كيف أقدّم دعماً فحسب، بل كيف أتخلّى عن يقيناتي المسبقة، وكيف أرى العالم من خارج المركز الذي اعتدت الوقوف فيه.



بدأت الرحلة من افتراض يبدو بديهياً: أن التواصل يُبنى على الكلام، وأن الفهم يمرّ عبر اللغة. غير أن الممارسة اليومية سرعان ما كشفت هشاشة هذا الافتراض. في هذا العالم، لا تكون الكلمات دائماً جسراً، بل قد تصبح عائقاً. هنا، يتخذ الصمت شكلاً دلالياً مكتمل البنية، وتتحول النظرة، والإيماءة، والإيقاع السلوكي، إلى لغات قائمة بذاتها. تعلّمت أن الإصغاء ليس وظيفة سمعية، بل فعل انتباه عميق يلتقط ما يُقال دون أن يُنطق، وما يُعبَّر عنه دون أن يُصاغ.



في إحدى الجلسات، ظلّ طفل يكرّر حركة واحدة لدقائق طويلة. لم تكن عشوائية كما بدت في البداية، بل كانت لغته الوحيدة ليقول: “أنا مُرهق”. عندها فقط أدركت أن ما نراه سلوكاً، قد يكون في حقيقته نداءً.



من هنا، تبدّل فهمي للسلوك جذرياً. لم يعد السلوك “غير الملائم” مشكلة تستدعي الضبط، بل رسالة معقّدة تبحث عمّن يقرأها. كل اندفاع، كل انسحاب، كل تكرار، هو محاولة لقول ما يتعذّر قوله. وحين نعجز عن قراءة هذه الرسائل، لا يكون الخلل في الفرد، بل في أدواتنا التأويلية. وهنا يتبدّى البعد الأخلاقي للممارسة: أن ننتقل من موقع السيطرة إلى موقع الفهم، ومن ردّ الفعل إلى الإصغاء.



أحد أكثر الدروس عمقاً تمثّل في انهيار فكرة “النموذج الواحد”. لا يوجد مسار نمطي للتطور، ولا استجابة متوقعة يمكن تعميمها. كل فرد هو بنية فريدة، لها زمنها الخاص، وإيقاعها المختلف، ومنطقها الداخلي الذي لا يُختزل في مقاييس جاهزة. هذا الإدراك لا يفرض مرونة في الأدوات فحسب، بل يستدعي تواضعاً معرفياً حقيقياً؛ إذ لا يعود الأخصائي حاملاً للإجابات بقدر ما يصبح شريكاً في الاكتشاف.



ومع هذا التحول، تغيّرت أيضاً معايير التقدّم. لم يعد الإنجاز حدثاً لافتاً، بل عملية دقيقة قد تمرّ دون أن تُلاحظها عين غير مدرّبة. قد يكون التقدّم في نظرة أطول، أو في تقبّل تغيير طفيف، أو في انخفاض حدّة توتر كان يملأ الجسد. هنا، تتعلّم العين أن ترى ما لا يُرى، وأن تُنصت إلى التحوّلات الصامتة التي تشكّل، في جوهرها، تحسّناً حقيقياً في جودة الحياة.



غير أن أي تدخل مهني، مهما بلغ من دقة، يظل ناقصاً إن لم يُبنَ على شراكة أصيلة مع الأسرة. لقد أدركت أن العائلة ليست سياقاً موازياً، بل هي الامتداد الحيوي لكل جهد يُبذل. الأهل لا يحتاجون إلى إرشاد تقني فقط، بل إلى اعتراف بثقل التجربة التي يعيشونها يومياً. إن العمل معهم ليس خياراً مهنياً، بل ضرورة أخلاقية، لأن دعم الفرد يبدأ من دعم محيطه.



أما الصبر، الذي يُستدعى كثيراً في هذا السياق، فقد تعلّمت أنه ليس سمة فطرية، بل مهارة تُبنى عبر التجربة، وتُختبر عبر التكرار، وتُصقل عبر الإحباطات الصغيرة المتراكمة. هو صبر يتجاوز الانتظار، ليصبح شكلاً من أشكال الإيمان الهادئ بأن لكل جهد أثراً، حتى وإن تأخر ظهوره.



وفي مستوى أعمق، وجدت نفسي أعيد تعريف مفاهيم بدت لي يوماً ثابتة، مثل “القدرة” و”الاستقلالية”. لم تعد الاستقلالية تعني الاكتفاء الكامل، بل الوصول إلى أفضل مستوى ممكن من التكيّف والكرامة ضمن حدود الفرد الخاصة. ولم تعد القدرة تُقاس بما ينقص، بل بما يمكن بناؤه وتعزيزه. هذا التحول لم يبقَ نظرياً، بل انعكس على طريقة العمل، وعلى طبيعة الأهداف، وعلى الكيفية التي يُقاس بها الأثر.



لكن الدرس الأعمق، والأكثر رسوخاً، هو أن هذا العمل ليس اتجاهاً واحداً من العطاء. نحن لا نُغيّر الآخرين فقط؛ نحن نتغيّر بهم. هؤلاء الأفراد، بحضورهم الصادق وغير المشروط، يعلّموننا ما لا تُدرّسه النظريات: التواضع أمام تعقيد الإنسان، والصدق في التعامل مع الهشاشة، والانتباه لقيمة التفاصيل الصغيرة التي تصنع الفارق.



إن العمل مع طيف التوحد والإعاقات النفسية والذهنية والتطورية ليس مهنة تُمارس بقدر ما هو رؤية تُكتسب. رؤية تعيد ترتيب علاقتنا بالاختلاف، وتدعونا إلى الانتقال من منطق التصنيف إلى منطق الفهم، ومن نزعة التصحيح إلى فعل الاحتواء.



في ختام هذه الرحلة المفتوحة، لا أدّعي امتلاك إجابات نهائية. ما أملكه هو حساسية أعلى، وأسئلة أكثر دقة، وقدرة أعمق على التريّث قبل الحكم… وربما هذا، في جوهره

هو ما يعنيه أن نتعلّم: أن نصبح أقل يقيناً، وأكثر إنصاتاً، وأكثر قدرة على أن نكون إنسانيين، بحق



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- “الحساسية المفرطة: مأزق الوعي حين يرى الإنسان أكثر مما ينبغي ...
- 30 آذار: الأرض بوصفها ما لا يُقال إلا بالعيش
- 30 آذار: الأرض حين ترفض أن تتحول إلى ذكرى
- عاش المسرح … حيث يولد الإنسان من رماده كل يوم وكل دقيقة وأنت ...
- أحمد قعبور — مرثيّة على حافة الصوت
- على حافة الطمأنينة… تبدأ الثورة
- لا شرف في الدم: لماذا تُقتل النساء؟
- ما بين الطيبة والسذاجة: هندسة الوعي وحدود القلب
- في حضرة الخوف: كيف تتعلم الروح أن ترجُو
- توجيه المجموعات بين الإنصات، المسؤولية، الوعي، والإنصاف
- جوع لا يُشبعه الخبز حين تتضور الأرواح عطشًا للحب والتقدير
- الموت الفجائي: الرسالة التي لم تُقرأ
- صافرة الإنذار… حين تعرّي الإنسان قراءة وجدانية في قصة «ملاجئ ...
- حين تقاوم الطفولة الحرب
- حين يبقى الإنسان تلميذاً للحياة
- الدقيقة التي لم تُعَش
- ليست الحدود في العلاقات قسوة… بل شكلٌ ناضج من أشكال المحبة.
- أن نختلف دون أن نلغي: في إنصاف عزمي بشارة
- الجسد والمدينة في شعر ليليان بشارة منصور حين تتحوّل الطبيعة ...
- قراءة نقدية في قصة «قليل من القسوة لنحمي أنفسنا» للروائية دي ...


المزيد.....




- شاهد الرعب على متن طائرة ركاب بعد تعطل محركها عقب الإقلاع
- بوابة ذهبية واسمه يشع في الأفق.. هكذا يتخيل ترامب مكتبته الر ...
- ترامب لقادة أوروبا: -اذهبوا للسيطرة على مضيق هرمز واحصلوا عل ...
- حرب في الشرق الأوسط: الاتحاد الأوروبي يستعد لاضطراب طويل الأ ...
- الفصام.. هل نحن أمام ثورة في العلاج؟
- جدل في فرنسا بعد تصريحات وصفت بـ -العنصرية- بعد انتخاب بالي ...
- الحرب في الشرق الأوسط: -تخبط- إدارة ترامب هل تسّرع بإنهاء ال ...
- الخطوط القطرية تسجل أعلى معدل رحلات منذ اندلاع الحرب
- سيارات تتحدى الزمن: أفضل 10 طرازات لا تنهار أسعارها
- ما خيارات واشنطن لإنزال واقتحام بري داخل إيران؟


المزيد.....

- عملية تنفيذ اللامركزية في الخدمات الصحية: منظور نوعي من السو ... / بندر نوري
- الجِنْس خَارج الزَّواج (2/2) / عبد الرحمان النوضة
- الجِنْس خَارج الزَّواج (1/2) / عبد الرحمان النوضة
- دفتر النشاط الخاص بمتلازمة داون / محمد عبد الكريم يوسف
- الحكمة اليهودية لنجاح الأعمال (مقدمة) مقدمة الكتاب / محمد عبد الكريم يوسف
- الحكمة اليهودية لنجاح الأعمال (3) ، الطريق المتواضع و إخراج ... / محمد عبد الكريم يوسف
- ثمانون عاما بلا دواءٍ أو علاج / توفيق أبو شومر
- كأس من عصير الأيام ، الجزء الثالث / محمد عبد الكريم يوسف
- كأس من عصير الأيام الجزء الثاني / محمد عبد الكريم يوسف
- ثلاث مقاربات حول الرأسمالية والصحة النفسية / سعيد العليمى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الصحة والسلامة الجسدية والنفسية - رانية مرجية - حين يُعاد تعريف الإنسان: في العمل مع طيف التوحد والإعاقات النفسية والذهنية والتطورية