أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - عاش المسرح … حيث يولد الإنسان من رماده كل يوم وكل دقيقة وأنتم مبدعون أينما كنتم














المزيد.....

عاش المسرح … حيث يولد الإنسان من رماده كل يوم وكل دقيقة وأنتم مبدعون أينما كنتم


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8659 - 2026 / 3 / 27 - 14:35
المحور: الادب والفن
    


ليس المسرح مكاناً يُزار، بل مصيراً يُعاش.
هو ليس خشبةً تعلو بضعة أمتار عن الأرض، بل تلك المسافة الخفية بين ما نحن عليه… وما يمكن أن نصير إليه.
هناك، في تلك البقعة المعلّقة بين الضوء والعتمة، يُعاد خلق الإنسان من احتمالاته، ويُستدعى صوته من عمق الصمت، كأن الوجود نفسه يحتاج إلى تمثيلٍ كي يفهم ذاته.

حين نقول: عاش المسرح وأهل المسرح، فإننا لا نحتفي بفن، بل نحتفي بتلك الجرأة النادرة: جرأة أن نقف عراةً أمام الحقيقة، ولو تحت أقنعة.
المسرح ليس تقمّصاً للأدوار، بل انكشافٌ لها.
ليس هروباً من الذات، بل عودةٌ كثيفة إليها.
إنه السؤال حين يلبس جسداً، والوجع حين يجد لغة، والإنسان حين يجرؤ أن يرى نفسه كما هي، لا كما يتمنى أن تكون.

في المسرح، لا شيء يُقال عبثاً.
حتى الصمت هناك له صوت، والوقفة بين جملتين قد تحمل ما لا تحمله الخطب.
إنه الفن الذي يعلّمنا أن التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع المعنى الكبير، وأن الارتعاشة الخفيفة في الصوت قد تكون أصدق من ألف تصريح.
وهنا تكمن فلسفته العميقة:
أن الحقيقة لا تُعلن دائماً… بل تُلمَح، تُحَس، تُعاش.

أهل المسرح ليسوا ممثلين فحسب، بل هم حَمَلةُ القلق النبيل.
هم الذين يوافقون، بصمتٍ شجاع، على أن يكونوا مرآةً لعالمٍ متشظٍ، وأن يعيدوا ترتيب شظاياه أمامنا، لا ليجملوه، بل لنفهمه.
كل ممثل هو كائن متعدد، يسكنه أكثر من صوت، وأكثر من حياة، وأكثر من احتمال.
وكل مخرج هو فيلسوف الصورة، يحاول أن يضع الفوضى في نظامٍ مؤقت، كي نراها بوضوحٍ كافٍ لنفهمها… وربما لنغفرها.

أما الكاتب، فهو ذاك الذي ينزل إلى العتمة طوعاً، باحثاً عن جملةٍ تنقذ شيئاً من الغرق.
يكتب لا لأنه يملك الإجابة، بل لأنه لا يحتمل السؤال بلا لغة.
يكتب لأن العالم، حين لا يُكتب، يصبح أكثر قسوة، وأكثر غموضاً، وأكثر بعداً عن الإنسان.

لكن، هل المسرح محصورٌ في القاعات؟
أبداً.
المسرح هو الحياة حين تُعاش بوعي.
هو تلك اللحظة التي تختار فيها أن تكون صادقاً رغم سهولة التزييف، وأن تكون جميلاً رغم قسوة العالم، وأن تخلق معنىً حيث لا يبدو أن هناك معنى.

كل إنسان، على نحوٍ ما، يقف على خشبته الخاصة.
في مواجهة الخوف، في لحظة اتخاذ قرار، في انكسارٍ يحاول أن ينهض منه، في حبٍّ يخشى أن يضيع.
هناك، في تلك اللحظات الهشّة، يولد الإبداع الحقيقي:
حين نختار أن نكون أكثر إنسانية، لا أكثر نجاحاً فقط.

ولذلك، فإن قولنا:
كل يوم وكل دقيقة وأنتم مبدعون أينما كنتم
ليس تحيةً شاعرية، بل دعوة وجودية.
دعوة لأن نحيا بوعي الفنان، لا ببرود العابر.
أن نرى في كل لحظة احتمالاً للتشكيل، وفي كل تجربة مادةً للمعنى، وفي كل سقوط فرصةً لإعادة كتابة الذات.

الإبداع ليس رفاهية.
إنه ضرورة للبقاء إنساناً.
هو ذلك الضوء الداخلي الذي يمنعنا من التحول إلى آلاتٍ تؤدي أدوارها بلا روح.
هو قدرتنا على أن نقول: “لا” حين يجب، و”نعم” حين يكون الحب ممكناً، وأن نعيد تعريف أنفسنا كلما حاول العالم أن يختصرنا.

في المسرح، نتعلم أن النهاية ليست نهاية.
أن الستار، حين يُسدل، لا يعني انتهاء الحكاية، بل اكتمال فصلٍ منها.
وهذه الفكرة، في جوهرها، فلسفة مقاومة:
أن نستمر، رغم كل شيء.
أن نؤمن بأن في داخلنا دائماً مشهداً لم يُمثَّل بعد، وكلمةً لم تُقال، ونوراً لم يُشعل.

إلى أهل المسرح، الذين يحملون الضوء حتى حين يثقلهم الظل،
إلى الذين يزرعون الدهشة في عيون الآخرين، وربما يخفون تعبهم خلف ابتسامة الدور،
إلى الذين يجعلون من الجسد لغة، ومن الكلمة بيتاً، ومن الصمت صلاة:
أنتم لا تقدمون فناً، بل تمنحون الحياة فرصةً أخرى لتُفهم… ولتُحب.

وإلى كل مبدع، في المسرح وفي الحياة:
أنت لست مطالباً بأن تكون عظيماً في عيون العالم،
بل بأن تكون صادقاً في عينيك.
أن تترك أثراً، ولو كان خفيفاً، لكنه حقيقي.
أن تعيش كما لو أن وجودك ذاته عملٌ فنيّ قيد التشكيل.

سيبقى المسرح حيّاً،
ما دام في الأرض قلبٌ يرتجف حين يرى الحقيقة،
وعينٌ تدمع أمام الجمال،
وروحٌ تؤمن أن الإنسان، مهما انكسر، قادرٌ على أن يعيد خلق نفسه من جديد.

عاش المسرح… لأنه الوجه الأكثر صدقاً للحياة.
وعاش أهل المسرح… لأنهم حراس هذا الصدق.
وعاش كل مبدع… لأنه يرفض أن يمرّ في هذا العالم مروراً عابراً.



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أحمد قعبور — مرثيّة على حافة الصوت
- على حافة الطمأنينة… تبدأ الثورة
- لا شرف في الدم: لماذا تُقتل النساء؟
- ما بين الطيبة والسذاجة: هندسة الوعي وحدود القلب
- في حضرة الخوف: كيف تتعلم الروح أن ترجُو
- توجيه المجموعات بين الإنصات، المسؤولية، الوعي، والإنصاف
- جوع لا يُشبعه الخبز حين تتضور الأرواح عطشًا للحب والتقدير
- الموت الفجائي: الرسالة التي لم تُقرأ
- صافرة الإنذار… حين تعرّي الإنسان قراءة وجدانية في قصة «ملاجئ ...
- حين تقاوم الطفولة الحرب
- حين يبقى الإنسان تلميذاً للحياة
- الدقيقة التي لم تُعَش
- ليست الحدود في العلاقات قسوة… بل شكلٌ ناضج من أشكال المحبة.
- أن نختلف دون أن نلغي: في إنصاف عزمي بشارة
- الجسد والمدينة في شعر ليليان بشارة منصور حين تتحوّل الطبيعة ...
- قراءة نقدية في قصة «قليل من القسوة لنحمي أنفسنا» للروائية دي ...
- عقل الجريمة بين الإنسان والقانون قراءة في مقال: “عقلية المجر ...
- الكرة التي انتظرت
- وليد الخالدي… حارس الذاكرة الفلسطينية: مرثية - ************* ...
- مرثية الشاعرة رانية مرجية في وداع المؤرخ الفلسطيني وليد الخا ...


المزيد.....




- من يحاسب الذكاء الاصطناعي؟!
- أفلاطون ولغز المحاكاة
- وقفة لبنانية تؤكد أن قرار رجي ترجمة للأجندة الصهيوأمريكية
- بنيامين وود: كيف تعيد الأبوة صياغة علاقتنا بالأدب والقراءة؟ ...
- -سلمان رشدي في بوتسدام-.. رقصة أدبية على حافة الموت وهزيمة ا ...
- رحيل الفنان اللبناني أحمد قعبور.. صوت -أناديكم- الذي خلد نضا ...
- رحيل حكواتي الواقع: تريسي كيدر الذي أنطق التفاصيل
- تحول تاريخي.. الأوسكار يغادر هوليود إلى وسط لوس أنجلوس
- رصاص الصورة.. كيف تصنع السينما -الحروب الناعمة-؟
- اشتهر بأغانيه لفلسطين.. رحيل الفنان اللبناني أحمد قعبور


المزيد.....

- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - عاش المسرح … حيث يولد الإنسان من رماده كل يوم وكل دقيقة وأنتم مبدعون أينما كنتم