أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - رانية مرجية - توجيه المجموعات بين الإنصات، المسؤولية، الوعي، والإنصاف














المزيد.....

توجيه المجموعات بين الإنصات، المسؤولية، الوعي، والإنصاف


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8654 - 2026 / 3 / 22 - 12:07
المحور: التربية والتعليم والبحث العلمي
    




مدخل: التوجيه كفعل إنساني حيّ

لم يعد توجيه المجموعات اليوم مجرد مهارة تنظيمية أو تقنية تيسير، بل أصبح ممارسة إنسانية عميقة تتطلب حضورًا واعيًا وقدرة على احتواء التعقيد البشري. فالموجهة لا تقف خارج التجربة، بل تكون جزءًا من نسيجها، تؤثر فيه وتتأثر به.

وتزداد هذه المهمة دقة حين تكون المجموعة خليطًا من أفراد على طيف التوحد، وإعاقات نفسية، وتطورية، وذهنية. هنا، لا يكفي الإلمام بالأدوات، بل يصبح لزامًا امتلاك حساسية عالية تجاه الفروق الفردية، وفهمًا عميقًا للتنوع بوصفه قيمة إنسانية لا إشكالية ينبغي حلّها.



الإنصات: الاعتراف قبل الفهم

الإنصات في سياق المجموعات المتنوعة يتجاوز الاستماع إلى الكلمات، ليصبح فعل اعتراف بوجود الآخر كما هو. فالتعبير لا يأتي دائمًا في صورة جملة واضحة؛ قد يظهر في صمت، أو حركة، أو تكرار، أو حتى في انسحاب يبدو ظاهريًا غيابًا، بينما هو في العمق شكل من أشكال الحضور.

هنا، يتطلب دور الموجهة:
• التمهّل في التلقي،
• تجنّب التفسير السريع،
• والانتباه للإشارات غير اللفظية بوصفها لغة قائمة بذاتها.

الإنصات الحقيقي يخلق بيئة يشعر فيها الفرد بأنه مفهوم، حتى قبل أن ينجح في التعبير عن نفسه.



المسؤولية: رعاية الفضاء المشترك

المسؤولية في توجيه المجموعات ليست سلطة، بل التزام أخلاقي بحماية الفضاء الإنساني المشترك. وهي مسؤولية تقوم على تحقيق توازن دقيق بين الأمان والحرية؛ بين التدخل عند الحاجة، وترك المساحة للنمو الذاتي.

وتتجلى هذه المسؤولية في:
• صون كرامة كل مشارك،
• منع التهميش أو الإقصاء،
• قراءة التوترات الخفية والتعامل معها بحساسية،
• وإعادة توزيع المساحة الحوارية بما يضمن حضور الجميع.

الموجهة لا تدير الأفراد بقدر ما ترعى العلاقات بينهم، وتعمل على الحفاظ على جودة التفاعل داخل المجموعة.



الوعي: إعادة تعريف الاختلاف

الوعي المطلوب في هذا السياق يتجاوز المعرفة النظرية ليصل إلى مستوى إعادة النظر في المفاهيم ذاتها. فالتوحد ليس نقصًا، بل نمط إدراكي مختلف؛ والإعاقات النفسية ليست ضعفًا، بل تجارب إنسانية معقدة؛ والتحديات الذهنية لا تنفي العمق أو القدرة على الإحساس والتواصل.

هذا الوعي يحرر الموجهة من نزعة “التصحيح”، ويفتح أمامها أفق “المرافقة”.
فلا يعود السؤال: كيف أُعدّل سلوك هذا الفرد؟
بل يصبح: كيف أفسح المجال لظهوره كما هو؟



الإنصاف: عدالة تُمكّن الحضور

الإنصاف لا يعني المساواة الشكلية، بل تحقيق عدالة حقيقية تُمكّن كل فرد من المشاركة وفق قدراته واحتياجاته. وهو مبدأ أساسي في المجموعات المختلطة، حيث تختلف طرق الفهم والتعبير والاستجابة.

يتحقق الإنصاف عبر:
• تنويع وسائل التواصل (لفظية، بصرية، حركية)،
• إتاحة الوقت الكافي لمن يحتاجه،
• تبسيط المهام دون اختزال الإنسان،
• واحترام حق الفرد في الانسحاب المؤقت دون وصم.

الهدف ليس توحيد الأداء، بل ضمان كرامة الحضور.



إدارة التعقيد: تنسيق لا توحيد

في المجموعات المتنوعة، لا تكمن الصعوبة في الاختلاف بحد ذاته، بل في تداخل الاحتياجات وتعارضها أحيانًا. وهنا، يتحول دور الموجهة من توحيد الإيقاع إلى تنسيقه.

فهي تعمل على:
• خلق مساحات مرنة تستوعب أنماطًا متعددة من التفاعل،
• تقسيم الأنشطة بما يراعي الفروق،
• واستخدام استراتيجيات تسمح بالتوازي بدل التنافس.

إنها عملية دقيقة من “تنظيم التعدد”، حيث لا يُلغى الاختلاف، بل يُعاد توجيهه ليصبح عنصر إثراء.



حضور الموجهة: جوهر العملية

رغم أهمية الأدوات، يبقى حضور الموجهة هو العامل الحاسم. فهدوؤها، ومرونتها، وصدقها، وقدرتها على التحمّل دون استعجال النتائج، كلها عناصر تشكّل المناخ العام للمجموعة.

الموجهة الفاعلة لا تسعى إلى الكمال، بل إلى الحضور الصادق؛
حضور يسمح بالخطأ، ويحتمل الغموض، ويثق بأن المعنى يتشكل تدريجيًا.



خاتمة: من التوجيه إلى التمكين

عندما تتكامل هذه القيم، تتحول المجموعة من إطار تنظيمي إلى فضاء إنساني يولّد الانتماء والمعنى. في هذا الفضاء، لا يُطلب من الأفراد أن يتشابهوا، بل يُمنحون الأمان ليكونوا أنفسهم.

وهنا يتجلى المعنى العميق لموجهة المجموعات:
ليست من تقود بقدر ما تُمكّن،
وليست من تضبط بقدر ما تُنصت،
وليست من تُقلّص الفروقات، بل من تحوّلها إلى إمكانات للقاء.

إنها ممارسة قائمة على الثقة بالإنسان،
والإيمان بأن لكل صوت قيمة،
وأن في كل اختلاف فرصة لبناء معنى مشترك أكثر اتساعًا وإنسانية.

وهكذا، لا تُدار المجموعات…
بل تُبنى، وتَنمو، وتُثمر.



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جوع لا يُشبعه الخبز حين تتضور الأرواح عطشًا للحب والتقدير
- الموت الفجائي: الرسالة التي لم تُقرأ
- صافرة الإنذار… حين تعرّي الإنسان قراءة وجدانية في قصة «ملاجئ ...
- حين تقاوم الطفولة الحرب
- حين يبقى الإنسان تلميذاً للحياة
- الدقيقة التي لم تُعَش
- ليست الحدود في العلاقات قسوة… بل شكلٌ ناضج من أشكال المحبة.
- أن نختلف دون أن نلغي: في إنصاف عزمي بشارة
- الجسد والمدينة في شعر ليليان بشارة منصور حين تتحوّل الطبيعة ...
- قراءة نقدية في قصة «قليل من القسوة لنحمي أنفسنا» للروائية دي ...
- عقل الجريمة بين الإنسان والقانون قراءة في مقال: “عقلية المجر ...
- الكرة التي انتظرت
- وليد الخالدي… حارس الذاكرة الفلسطينية: مرثية - ************* ...
- مرثية الشاعرة رانية مرجية في وداع المؤرخ الفلسطيني وليد الخا ...
- لطيفة الدليمي… حين يغيب عقلٌ كان يضيء العتمة
- المرأة الفلسطينية… حارسة الذاكرة وصانعة الحياة
- لا تخف: الكلمة التي يحتاجها عالم يعيش على الخوف
- الهوية العاشقة: قراءة فلسفية في نشيد الإنشاد
- الجسد حين يتكلم قبلنا قراءة نقدية في قصة «أجساد تعرف قبلنا» ...
- حين تصير الذاكرة هندسةً للضوء قراءة في التجربة الشعرية لليلي ...


المزيد.....




- عشرات المصابين بجروح إثر سقوط صاروخين من إيران على جنوب إسرا ...
- مسؤول إيراني يعلق على وضع مضيق هرمز بعد مهلة ترامب لفتح المم ...
- قطر.. العثور على 6 أشخاص متوفين والبحث جار عن شخص سابع بحادث ...
- -حياد سويسرا- يضرب المقاتلات الأمريكية.. برن توقف تصدير السل ...
- -ضريبة المرور عبر هرمز-.. طهران تدرس فرض رسوم للعبور في المض ...
- فرنسا: الناخبون يتوجهون لصناديق الاقتراع مجددا لاختيار رؤساء ...
- مضيق هرمز.. قرون من صراع الإمبراطوريات على -ساحل القراصنة-
- هرمز بين التلغيم والتأمين.. هل تحسم كاسحات الألغام معركة -ال ...
- كيف تتجنبين انقطاع الطمث قبل الأوان؟ هذه علامات يرسلها جسدك ...
- هل يقع أكراد إيران في فخ ترمب؟


المزيد.....

- تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الأول] ... / ترجمة / أمل فؤاد عبيد
- تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الثاني] ... / ترجمة / أمل فؤاد عبيد
- أساليب التعليم والتربية الحديثة / حسن صالح الشنكالي
- اللغة والطبقة والانتماء الاجتماعي: رؤية نقديَّة في طروحات با ... / علي أسعد وطفة
- خطوات البحث العلمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- إصلاح وتطوير وزارة التربية خطوة للارتقاء بمستوى التعليم في ا ... / سوسن شاكر مجيد
- بصدد مسألة مراحل النمو الذهني للطفل / مالك ابوعليا
- التوثيق فى البحث العلمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الصعوبات النمطية التعليمية في استيعاب المواد التاريخية والمو ... / مالك ابوعليا
- وسائل دراسة وتشكيل العلاقات الشخصية بين الطلاب / مالك ابوعليا


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - رانية مرجية - توجيه المجموعات بين الإنصات، المسؤولية، الوعي، والإنصاف