أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - قراءة نقدية في قصة «قليل من القسوة لنحمي أنفسنا» للروائية دينا سليم حنحن















المزيد.....

قراءة نقدية في قصة «قليل من القسوة لنحمي أنفسنا» للروائية دينا سليم حنحن


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8643 - 2026 / 3 / 11 - 19:45
المحور: الادب والفن
    


في فن القصة القصيرة كثيرًا ما تختبئ التجارب الإنسانية الكبرى خلف أحداث صغيرة تبدو في ظاهرها عابرة. وهذا ما تنجح الروائية دينا سليم حنحن في تجسيده ببراعة في قصتها «قليل من القسوة لنحمي أنفسنا»، حيث تبني نصًا سرديًا مكثفًا ينطلق من حادثة يومية بسيطة، لكنه يتسع ليغدو تأملًا عميقًا في طبيعة الخوف الإنساني، وفي تلك اللحظة الدقيقة التي يكتشف فيها الإنسان قدرته على مواجهة ذاته.



تنتمي هذه القصة إلى ما يمكن تسميته بالقصة اللحظية أو القصة الموقفية، وهي تلك التي يقوم بناؤها السردي على لحظة محددة مكثفة تتحول إلى تجربة إنسانية ذات أبعاد رمزية. فالكاتبة لا تسرد حكاية طويلة أو حدثًا متشعبًا، بل تلتقط لحظة واحدة من الحياة اليومية، لتجعل منها مجالًا للكشف النفسي والتأمل الوجودي.



العنوان بوصفه مفتاح القراءة


يُعدّ عنوان القصة «قليل من القسوة لنحمي أنفسنا» بوابة تأويلية أساسية للنص. فالكاتبة لا تضع القارئ أمام حدث محايد، بل تهيّئه منذ البداية لفكرة مفارِقة: القسوة هنا ليست فعل عدوان، بل ضرورة دفاعية. إنها قسوة اضطرارية يفرضها بقاء الذات وسلامتها.



وبذلك يتحول العنوان إلى صيغة فلسفية مكثفة تشير إلى حقيقة إنسانية عميقة، مفادها أن حماية الذات قد تتطلب أحيانًا تجاوز الحساسية العاطفية، وأن الحزم قد يكون الوجه الآخر للنجاة.



من السكون إلى التوتر: بناء اللحظة السردية


تفتتح القصة بمشهد هادئ: ليلة خانقة من الحر، هواء راكد، امرأة تستعد للنوم بعد يوم طويل. هذا الهدوء ليس مجرد وصف بيئي، بل هو تمهيد سردي محسوب بدقة، إذ سرعان ما ينقلب هذا السكون إلى توتر مفاجئ حين تقع عين الساردة على عنكبوت كبير يثبت نفسه على الجدار فوق رأسها.



هنا يبدأ التحول الدرامي للنص. فاللحظة التي يفترض أن تكون لحظة راحة تتحول إلى لحظة مواجهة. ومن خلال هذا التحول السريع تنجح الكاتبة في خلق ما يمكن تسميته بالمفارقة السردية؛ إذ يصبح السكون ذاته حاضنًا للقلق، ويغدو المكان الذي يفترض أن يمنح الطمأنينة مسرحًا للتوتر.



كما أن اختيار الكاتبة ضمير المتكلم في السرد يمنح النص طابعًا اعترافيًا حميمًا، ويجعل القارئ شريكًا مباشرًا في التجربة النفسية للساردة. فالقارئ لا يشاهد الحدث من الخارج، بل يعيش تفاصيله الداخلية، ويشارك الساردة ترددها وخوفها ثم لحظة حسمها.



العنكبوت: من كائن صغير إلى رمز للخوف


لا يظل العنكبوت في النص مجرد حشرة طارئة، بل يتحول تدريجيًا إلى رمز للخوف الكامن في النفس. فالكاتبة تمنح هذا الكائن حضورًا نفسيًا متضخمًا حين تصفه بأنه صار «أكبر من الغرفة كلها». في هذه الجملة المكثفة تكشف الساردة آلية نفسية مألوفة: الأشياء الصغيرة في الواقع يمكن أن تتحول في الإدراك إلى كيانات ضخمة حين تتغذى على الخوف.



ومن هنا يتجاوز العنكبوت حدوده البيولوجية ليصبح استعارة رمزية للمخاوف التي تسكن الإنسان، تلك المخاوف التي تتضخم في الوعي حتى تبدو قادرة على احتلال المساحة النفسية بأكملها.



غرفة النوم: مسرح المواجهة الداخلية


تلعب بنية المكان دورًا محوريًا في تكوين الدلالة. فغرفة النوم، التي يفترض أن تكون فضاءً للراحة والطمأنينة، تتحول في القصة إلى ساحة مواجهة. إن وجود العنكبوت فوق السرير مباشرة، أي فوق المساحة التي تبدأ فيها الأحلام، يمثل اختراقًا رمزيًا لمنطقة الأمان الشخصي.



وحين يسقط العنكبوت على السرير ثم يختفي تحته، تتعمق الدلالة أكثر؛ إذ ينتقل الخطر من المجال المرئي إلى المجال المخفي. وهنا يصبح العنكبوت صورة للخوف حين يتوارى في الظل، لا يختفي تمامًا بل يتحول إلى قلق كامن.



قرار الساردة دفع السرير وكشف الزاوية المختبئ فيها العنكبوت يمثل لحظة رمزية قوية؛ فبدل التعايش مع الخوف أو تجاهله، تختار مواجهته وكشفه.



إيقاع اللغة وتوتر اللحظة


تعتمد الكاتبة لغة سردية مقتصدة لكنها فعالة. الجمل قصيرة في الغالب، مما يمنح السرد إيقاعًا متسارعًا يعكس التوتر الداخلي للساردة. ويظهر هذا بوضوح في المقطع الذي تصف فيه لحظة الحسم:



ضربة…

ثم ضربة ثانية…

وفي الثالثة انتهت المعركة.



هذا التقطيع الإيقاعي لا ينقل الحدث فحسب، بل ينقل أيضًا نبض اللحظة النفسية، وكأن القارئ يعيش مع الساردة تصاعد المواجهة خطوة خطوة.



وفي مقابل هذا التوتر، تظهر في النص صور شاعرية لافتة، مثل تشبيه السرير بعد دفعه بـ«جزيرة تائهة تركت شاطئها»، وهي صورة تمنح المشهد بعدًا بصريًا وجماليًا يثري التجربة السردية.



الشجاعة بوصفها اكتشافًا ذاتيًا


لا تنتهي القصة عند القضاء على العنكبوت، بل تنتقل إلى مستوى تأملي أعمق. فالساردة تدرك أن ما حدث لم يكن مجرد حادثة منزلية، بل تجربة كشفت لها معنى جديدًا للشجاعة.



إن الشجاعة هنا لا تأتي في صورة بطولية صاخبة، بل تتجلى في لحظة فردية صامتة، حين يجد الإنسان نفسه وحيدًا أمام خوفه، دون سند أو مساعدة. وفي هذا الإدراك تكمن إحدى أجمل أفكار النص: أن الشجاعة قد تولد في أكثر اللحظات بساطة، وأن الانتصارات الصغيرة التي نحققها في عزلتنا قد تكون أصدق من الانتصارات الكبيرة.



حضور المرأة وقوة الذات


من اللافت أن النص يقدّم امرأة تواجه خوفها وحدها داخل فضائها الخاص. لا تنتظر إنقاذًا، ولا تستدعي أحدًا، بل تخوض المواجهة بنفسها حتى النهاية. ومن خلال هذا المسار تتشكل صورة امرأة تكتشف قوتها الداخلية في لحظة تبدو عادية لكنها تحمل معنى تحرريًا عميقًا.



ولهذا تأتي الجملة الأخيرة في النص حادة ومفاجئة في آن واحد؛ فهي تحمل نبرة تحذير ممزوجة بطرافة خفية، لكنها في جوهرها إعلان عن اكتشاف القوة الكامنة في الذات.



خاتمة


تنجح دينا سليم حنحن في هذه القصة في تحويل واقعة صغيرة إلى تجربة رمزية ثرية، حيث يتقاطع اليومي مع النفسي، والحدث البسيط مع التأمل الإنساني العميق. فالعنكبوت الذي يظهر في منتصف الليل لا يبقى مجرد حشرة عابرة، بل يصبح اختبارًا رمزيًا للشجاعة، ومرآة تكشف للإنسان قدرته على مواجهة مخاوفه.



وهكذا يتحول هذا الكائن الصغير في نهاية النص إلى لحظة كشف إنساني، يكتشف فيها الإنسان أن الشجاعة لا تولد دائمًا في المعارك الكبرى، بل في تلك اللحظات الصامتة التي يقف فيها المرء وحيدًا أمام خوفه… ثم يقرر أن يواجهه



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عقل الجريمة بين الإنسان والقانون قراءة في مقال: “عقلية المجر ...
- الكرة التي انتظرت
- وليد الخالدي… حارس الذاكرة الفلسطينية: مرثية - ************* ...
- مرثية الشاعرة رانية مرجية في وداع المؤرخ الفلسطيني وليد الخا ...
- لطيفة الدليمي… حين يغيب عقلٌ كان يضيء العتمة
- المرأة الفلسطينية… حارسة الذاكرة وصانعة الحياة
- لا تخف: الكلمة التي يحتاجها عالم يعيش على الخوف
- الهوية العاشقة: قراءة فلسفية في نشيد الإنشاد
- الجسد حين يتكلم قبلنا قراءة نقدية في قصة «أجساد تعرف قبلنا» ...
- حين تصير الذاكرة هندسةً للضوء قراءة في التجربة الشعرية لليلي ...
- الحرب حين تدخل البيوت: كيف تغيّر الأسابيع الأولى نفس المجتمع ...
- قراءة نقدية في قصيدة «سِهامُ الرياءِ» – للشاعرة عائشة يونس
- حين ينتهي المعنى قبل أن ينتهي العالم
- غزة في قلب العاصفة… وحروب تعيد تشكيل الإقليم
- عدوٌّ على مقاس خوفنا: تفكيك الرغبة في تحقيق النبوءة مقالة تأ ...
- الهوية: كيف تحولت إلى مشروع إدارة
- منار زبيدة: أن ترفض المرأة أن تُختزل في انكسارها
- ما تبقّى من النار في الشعر العربي اليوم
- من الذي يحتاج تعديلًا فعلًا؟
- اسمٌ آخر للقيد


المزيد.....




- جيهان الشماشرجي أمام محكمة الجنايات.. القصة الكاملة للاتهاما ...
- معرض الكتاب الدولي في لندن: مساحة خاصة للتلاقح الحضاري
- مع عثمان العمير في -دو?ر ستريت-.. ضياء العزاوي يرمم ذاكرة ال ...
- إيران في السينما الأمريكية.. استراتيجية هوليوود في شيطنة صور ...
- رحيل لطيفة الدليمي.. الروائية العراقية التي تمردت على -سلطة ...
- السور و-سبع سون-.. طقوس رمضانية تصمد أمام هشاشة الحياة في ال ...
- 22 رمضان.. اليوم الذي أعاد هندسة خارطة العالم من بدر إلى مدي ...
- سعيد بوخليط يوثق ذاكرة مراكش بعيداً عن السرديات الجافة
- 150 عامًا في صنع السينما في رويال فيستفال هول
- المثقف التكتيكي: تقلبات المنبر بين الحروب والتحولات


المزيد.....

- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - قراءة نقدية في قصة «قليل من القسوة لنحمي أنفسنا» للروائية دينا سليم حنحن