أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - اسمٌ آخر للقيد














المزيد.....

اسمٌ آخر للقيد


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8629 - 2026 / 2 / 25 - 15:14
المحور: الادب والفن
    


لم تكن الشاعرة تخاف خسارة الجمهور.
كانت تخاف أن تكتشف أنها لا تملك شيئًا غيره.

سنواتٍ عاشت في الضوء.
لم يكن الضوء قاسيًا؛ كان كريمًا، يفتح لها المنابر ويمنحها أسماءً لامعة.
كانت تعرف كيف تُشعل القاعة بكلمة، وكيف تُطفئها بابتسامةٍ محسوبة.
تعلمت مبكرًا أن الحقيقة لا تُمنع دائمًا… بل تُهذَّب.

لم يُطلب منها الكذب.
فقط ألّا تقول ما لا يُحتمل.



القصيدة التي كسرت الإيقاع لم تكن صرخة.
كانت اعترافًا مموّهًا.

كتبت عن شاعرٍ يبيع نصف صوته ليشتري نصف نجاة.
عن مثقفٍ يؤجل المواجهة باسم الحكمة.
عن امرأةٍ تسمي خوفها اتزانًا،
وتسمي صمتها نضجًا.

لم تذكر نفسها.
لكنها كانت في كل سطر.

حين صعدت إلى المنصة، لم ترتجف.
الارتجاف امتياز من يملك خيار التراجع.
هي كانت تعرف أن الخسارة بدأت قبل تلك الليلة بسنوات،
يوم حذفت أول جملةٍ جارحة كي تبقى محبوبة.

قرأت ببطء،
كأنها تسحب خيطًا من قماشٍ قديم.

انتهت.

سقط صمتٌ كثيف، لا هو رفضٌ ولا إعجاب.
ثم تصفيقٌ قصير، مهني، بارد.

في الصف الأول، أغلق ناشرها مفكرته.
لم يعترض.
لم يمدح.
فقط حوّل نظره عنها.



لم تأتِ المواجهة.
لم تُمنع.
لم تُدان.

فقط تغيّر الإيقاع.

أُجلت أمسية.
اعتُذر عن مشاركة.
ثم جاء اتصالٌ مهذّب:

“المرحلة المقبلة تحتاج خطابًا أقل حدّة.
الناس متعبون. يريدون ما يواسيهم.”

أغلقت الهاتف.

لم يكن الألم في العبارة.
كان في وضوحها.

كانت تعرف القواعد، بل تجيدها.
تحذف سطرًا قبل أن يحرج أحدًا.
تليّن عبارةً كي تمرّ.
تترك فراغًا أنيقًا مكان تصريحٍ قاطع.

لم يُقصها أحد.
هي فقط توقفت عن التنازل الصغير الذي كان يضمن بقاءها.

والعالم، حين لا يجدك مطيعًا، لا يصرخ في وجهك.
يكتفي بأن يشيح بنظره.



في العزلة، لم تجد بطولة.
وجدت مرآة.

فتحت دفاترها القديمة،
ورأت القصائد التي لم تُنشر.
نصوصًا حادّة، غير مهذّبة،
تشبهها أكثر مما ينبغي.

راودتها فكرة بسيطة وخطيرة:
أن تعود خطوةً واحدة.
أن تكتب نصًا متوازنًا، ذكيًا، غير مؤذٍ،
تستعيد به موقعها،
ثم تكمل بعدها ما تريد.

جلست أمام الصفحة البيضاء.
كتبت سطرًا جميلًا.
ثم آخر أكثر اتزانًا.
بدت القصيدة قابلة للنشر.
قابلة للتصفيق.

حدّقت في الكلمات طويلًا.
لم تكن رديئة.
كانت مريحة.

مزّقت الورقة.

صوت الورق وهو ينشقّ بدا أعلى من أي تصفيق عرفته.
لكن بعد الصوت، لم يأتِ شعور بالتحرر.
جاء فراغ.

فراغ بلا جمهور.
وبلا عذر.



بعد عام، قرأت في مكتبة صغيرة، بلا أضواء.
وجوه قليلة لا تعرف تاريخها، ولا تنتظر صورةً بعينها.

قرأت القصيدة نفسها.

وفي منتصفها، تسلل إليها شكّ بارد:
ماذا لو كان هذا أيضًا شكلًا آخر من الرغبة في التفرد؟
ماذا لو استبدلت تصفيق العامة بإعجاب القلة؟
هل تغيّر القيد…
أم تغيّر اسمه فقط؟

تلعثمت في سطرٍ واحد.
ثم أكملت.

عند النهاية، صفق بعضهم.
وغادر رجل قبل أن تنطفئ الكلمات تمامًا.

لم يؤلمها خروجه.
ما أقلقها هو أن السؤال لم يغادرها.

لو عاد الضوء يومًا،
أكثر نعومة،
أكثر دهاءً،
بشروطٍ لا تبدو تنازلًا…
هل ستعرفه؟



أحيانًا يكفي أن تبتعد،
لا لأنكِ أصبحتِ شجاعة،
بل لأنكِ لم تعودي قادرة على احتمال النسخة التي تُرضي الجميع.

الابتعاد لا يمنح براءة.
إنه يسحب الأعذار.

والشاعرة خسرت المنابر،
وخسرت صورتها اللامعة،
وخسرت يقينها بأنها على حق.

بقي لها صوتٌ واحد،
عارٍ من الضمانات.

صوتٌ قد يكون حرية.
وقد يكون فقط
اسمًا آخر
للقيد



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين يُصبحُ الاسمُ معنى في عيد ميلاد الأديب الصديق زهير دعيم
- «بالحرام»… حين يُعاد إنتاج الجريمة باسم القيم قراءة نسوية في ...
- الطابق الرابع
- نصف ثانية
- ارتجاف خفيف
- ما لا يغتفره الجسد
- عندما تصبح الكرامة مشروطة في نقد اختزال الإنسان إلى كفاءة
- عندما تصبح الحافة وطنًا
- جدارٌ كان اسمي
- حين تتآكل الثقة: في سقوط المعنى قبل سقوط الأنظمة
- بناء البشر أهمّ من بناء الحجر
- في مدحِ النقص: الأربعون قبل الفصح الصومُ ليس تقليلًا للطعام، ...
- الخطأ البشري
- المواطنة غير المشروطة أفق ممكن أم تناقض بنيوي؟
- المواطنة ليست امتحانًا
- الفرد المقبول والجماعة المؤجَّلة
- العيش بين سرديتين في وعي الفلسطيني في الداخل
- لا تكن طيّبًا كما يريدونك مقالة رأي
- المختلفون 24
- وعي المستقبل ورسالة المثقف: من سؤال الزمن إلى حراسة المعنى


المزيد.....




- من غزة إلى واشنطن.. ريتشارد فولك يرثي عدالة العالم المحتضر
- السِمفونية الأولى للموسيقار الفنلندي سيبليوس التي رَسَمت مَل ...
- ما بعد -خطيئة حزب الله السورية-.. ساطع نور الدين يستشرف هوي ...
- رابط وخطوات تسجيل استمارة الدبلومات الفنية 2026 عبر موقع وزا ...
- تركي عبيد المري.. صوت السكينة الذي يحتضن قلوب المصلين في قطر ...
- نص سيريالى بعنوان( حَنجرَة تعضُّ ظِلَّها) الشاعر محمد ابوالح ...
- حكاية مسجد يرممه أهالي مدينة -جينيه- في مالي كل عام
- الهندي: مجلس السلام مسرحية والرهان على تسليم سلاح المقاومة و ...
- الهندي: مجلس السلام مسرحية والرهان على تسليم سلاح المقاومة و ...
- قهوة منتصف الليل -شهد العلقمين-


المزيد.....

- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - اسمٌ آخر للقيد