أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - ارتجاف خفيف














المزيد.....

ارتجاف خفيف


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8626 - 2026 / 2 / 22 - 18:49
المحور: الادب والفن
    


قبل أن يسقط الجسد،
يسقط الصوت.

هذا ما لم يعرفه أحد تلك الليلة.

كانت القاعة ممتلئة، والضوء الأبيض يسقط فوقها ببرودٍ جراحيّ.
جلست أمام البيانو كما تجلس أمام شيء يعرفها أكثر مما يعرفه الجمهور.

وضعت أصابعها على المفاتيح.
هدوءٌ دقيق يسبق العاصفة دائمًا.
ليس في القاعة.
في الداخل.

بدأت العزف.

نغمة واضحة.
ثم أخرى.
ثم فراغ صغير بينهما،
أصغر من أن يُسمع،
أكبر من أن يُحتمل.

ذلك الفراغ هو الذي اتّسع.

لم يكن الارتجاف فجائيًا.
كان فكرةً أولًا.
اختلالًا طفيفًا في التوازن،
كأن الأرض مالت درجة واحدة فقط.

توقفت يدها اليمنى.
أكملت اليسرى لحظةً،
ثم انحرف اللحن.

كان يمكنها أن تعيده إلى مساره.
سنوات التدريب تعرف كيف تفعل ذلك.
لكن شيئًا فيها لم يتحرّك.

رفعت عينيها.

رأت الوجوه بوضوح.
عيونًا متسعة،
أفواهًا مشدودة،
هواتف تستعدّ.

لم يكونوا قساة.
لم يكونوا عطشى للسقوط.
لكنهم كانوا ينتظرون شيئًا يتجاوز الموسيقى.

كانت تعرف هذا الانتظار.
عاشت معه طويلًا.
الإنصات الذي يحمل في داخله احتمال الكسر.

وفهمت فجأة أن ما ينتظرونه ليس سقوطها…
بل الإذن بأن ينظروا إليه دون شعور بالذنب.

ابتسمت ابتسامة صغيرة.
لا تحدّيًا.
لا استسلامًا.

ثم تركت يدها تهبط.

اصطدمت جبهتها بحافة المفاتيح.
خرج صوت حادّ،
كصرخة لم يُخطَّط لها.
تبعته أصوات متكسّرة،
غير متناسقة،
كأن البيانو نفسه فقد يقينه.

بدأ الارتجاف.

لم يكن عنيفًا.
لكنّه كان كافيًا ليجعل الزمن يتباطأ.

ثوانٍ طويلة بقيت مكشوفة تحت الضوء.
لا ستار.
لا ظلام ينقذ أحدًا.

في الصفوف الخلفية، ارتفع هاتف.
في الأمام، انحبس نفس.

أحدهم نهض، ثم جلس.

الصوت الذي خرج من المفاتيح تحت ثقل يدها
ظلّ يهتزّ في الهواء،
أطول مما يجب.

ثم انتهى.



حين حُمِلت إلى الكواليس،
لم تكن غائبة تمامًا.

كانت تسمع ارتباك الخطوات،
وصوتًا واحدًا يتكرّر في أذنها:
النغمة الأخيرة.

استعادت وعيها على تصفيق.

متردّدًا أولًا.
ثم أعلى.

تصفـيق.

سألت بصوتٍ جاف:
“لماذا يصفّقون؟”

لم يجب أحد.

لم يكن التصفيق للمقطوعة.
ولا لشجاعتها.

كان ارتياحًا جماعيًا
لأن ما كان ممكنًا
قد حدث أخيرًا.



في اليوم التالي،
انتشر المقطع.

“لحظة إنسانية مؤثرة.”

الكلمة كانت نظيفة، سهلة، قابلة للمشاركة.

شاهدت الفيديو مرة واحدة.

رأت نفسها من الخارج.
جسدًا صغيرًا تحت ضوء كبير.
ارتجافًا بلا إحساسه.
صوتًا يختلّ.

ما لم تلتقطه الكاميرا
كان اللحظة التي سبقت السقوط.

اللحظة التي قررت فيها
ألا تُصلح الخلل.



في المساء، جلست وحدها أمام البيانو في بيتها.

لا ضوء مسرحي.
لا عيون.

وضعت يديها على المفاتيح.
انتظرت.

لم تأتِ النوبة.

بدأت العزف.

عند الموضع نفسه الذي انحرف فيه اللحن على المسرح،
شعرت بالفراغ يعود.

توقفت.

يدها معلّقة في الهواء.

كان يمكنها أن تكمل.
كان يمكنها أن تثبت أن الجسد لا يملك الكلمة الأخيرة.

لكنها لم تفعل.

نظرت إلى أصابعها.
كان هناك ارتجاف خفيف،
يكاد لا يُرى.

ليس مرضًا.
ولا خوفًا.

أدركت فجأة أن الارتجاف
لم يكن خللًا في الأداء،
بل الحدّ الأخير بين الصدق والتمثيل.

أن تعزف بلا ارتجاف
يعني أن تكذب قليلًا.

أغلقت الغطاء ببطء.

الصوت الخافت لالتحام الخشب بالخشب
كان أكثر قسوة
من أي تصفيق.

في الخارج،
كانت المدينة تمضي كما تمضي دائمًا.

وفي الداخل،
جلست في العتمة،
تمدّ يدها أمامها،
تراقب الارتجاف الصغير
وهو يعبر أصابعها
كأنه نبض مستقل.

لم تحاول إيقافه.

هذه المرّة،
لم تطلب من الجسد أن يكون أفضل.
طلبت منه فقط
أن يكون صادقًا.



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ما لا يغتفره الجسد
- عندما تصبح الكرامة مشروطة في نقد اختزال الإنسان إلى كفاءة
- عندما تصبح الحافة وطنًا
- جدارٌ كان اسمي
- حين تتآكل الثقة: في سقوط المعنى قبل سقوط الأنظمة
- بناء البشر أهمّ من بناء الحجر
- في مدحِ النقص: الأربعون قبل الفصح الصومُ ليس تقليلًا للطعام، ...
- الخطأ البشري
- المواطنة غير المشروطة أفق ممكن أم تناقض بنيوي؟
- المواطنة ليست امتحانًا
- الفرد المقبول والجماعة المؤجَّلة
- العيش بين سرديتين في وعي الفلسطيني في الداخل
- لا تكن طيّبًا كما يريدونك مقالة رأي
- المختلفون 24
- وعي المستقبل ورسالة المثقف: من سؤال الزمن إلى حراسة المعنى
- النسخة الواحدة : عنفٌ غير معلن ضد النساء
- ما تبقّى من الصمت
- سأتزوج وطنًا
- في امتحان الزمن: الخذلان بوصفه معرفة
- عامٌ على رحيل أمي


المزيد.....




- بيت المدى يحتفي بالفنان حسن المسعود
- المعايير العلمية في الخطاب الإعلامي في اتحاد الأدباء
- صوت مصري في فيلم عالمي.. نور النبوي يخطف الأنظار
- ملتقى الرواية الشفوية في رام الله: الذاكرة الفردية كخط دفاع ...
- «من مراسمنا».. معرض يجمع أجيال الفن التشكيلي في بغداد
- بعد حكيم زياش.. بن غفير يهاجم الممثل التركي جوركيم سفينديك ب ...
- المغرب: ما سبب مقاضاة فناني راب داعمين لـ-جيل زد-؟
- عندما يسرق الفراغ قلبًا
- شاهد..فنان ذكاء اصطناعي -مليونير- يُنتج أعماله بشكل مباشر أم ...
- ثلاث قوى عالمية متخيلة.. هل صارت خريطة جورج أورويل الروائية ...


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - ارتجاف خفيف